سيادة الشّعب في نظام الاقتراع على الأفراد

بقلم: علي غوائدية

المقدّمة

شرع رئيس الجمهوريّة التّونسية قيس سعيّد في تنفيذ نموذج “الدّيمقراطيّة القاعديّة” أو “الدّيمقراطيّة التّصعيدية” بديلا عن الدّيمقراطيّة التّمثيليّة لتمثيل الشّعب في اتّخاذ القرار وفي ممارسة السّيادة. وقد وضع، عصبا لهذا النّموذج، نظام الاقتراع على الأفراد مع إمكانية سحب الوكالة من نائب الشّعب في حالة إخلاله بعهوده التّمثيليّة الّتي قطعها لناخبيه. يستمدّ هذا الطّرح “البديل”، الّتي ما فتئ ينادي به سعيّد منذ 2011، مسوّغاته النّظرية والمبدئيّة من أزمة الدّيمقراطيّة التّمثيليّة الّتي تجلّت في فيما عُرف بـ”السّياحة البرلمانيّة” تحت قبّة البرلمان الّذي كان قد شُكّل على ضوء نتائج الانتخابات التّشريعية لسنة 2014. فبفعل هذه السّياحة الّتي وسمت كتلة حزب حركة نداء تونس صعدت كتلة الحزب الفائز الثّاني (حركة النّهضة) إلى المرتبة الأولى ليُعاد تشكيل المجلس النّيابي خلافة لإرادة النّاخبين.

في المقابل، لا يُعمينا دخان أزمة هذا النّموذج التّمثيلي عن النّموذج البديل وتمحيصه وتفكيكه وتأصيله في تاريخه، وفي السّياق التّونسي بالذّات من حيث المساحة والسكّان والدّوائر الانتخابية وغيرها، وباستنطاق عقل صاحبه (رئيس الجمهورية قيس سعيد)، ليكون التّساؤل: إلى أيّ مدى يمكن لنظام الاقتراع على الأفراد أن يحقّق سيادة المواطنين ويعبّر عنها؟ نقارب في هذا المقال [1] أطروحة قيس سعيّد السّياسية هاته مقاربة نقدية مستأنسين في ذلك بالتّجارب المماثلة في العالم.

 أوّلا: الاقتراع على الأفراد تحقيقا للسّيادة

الفرق بين الاقتراع على الأفراد وعلى القائمات

يعني الاقتراع (suffrage) “المناشدة بالنّيابة” (sofrage) [2]، وهو عمليّة انتخاب ممثّلين عن النّاخبين. ويتفرّع إلى نُظم عديدة أهمّها الاقتراع على الأفراد والاقتراع على القائمات. يكمن الفرق بين هذين النّظامين في كون الأوّل أكثر تخييرا للنّاخب، أي أنّه يختار شخصا واحدا – محل ثقة واقتناع بالنّسبة له-دون أكون يكون مجبرا على اختيار أفراد آخرين مرفقين بالقائمة المترشّحة نفسها. في حين، يُجبر النّظام الثّاني النّاخب على التّصويت على مترشّحين غير معروفين أو غير محلّ ثقة أو حتّى سيّئين بالنّسبة له، أو على التّخلي عن فرد محلّ ثقة. فالاقتراع هنا على الكّل أو ضدّ الكّل، وهو نظام تستغلّه الأحزاب والأطياف السّياسية الأخرى المترشّحة لتمرير مُرشّحين غير معرفين أو سيّئي السّمعة تحت يافطة شخصية اعتباريّة أو رمزيّة أو محلّ ثقة. ويتمّ استغلال صورة الأفراد المندوبين للتّغاضي عن آخرين “منبوذين” سياسيا.

   مثّلت إكراهات نظام الاقتراع على القائمات المُبيّنة أعلاه مدار حفيظة رئيس الجمهوريّة التّونسية قيس سعيّد منذ كان أستاذا للقانون الدّستوري وقبل أن يكون مرّشحا رئاسيا. فكان ينهال في كلّ فرصة على هذا النّظام الانتخابي بالنّقد والتّقريع. ويُعدّ بذلك عرّاب نظام الاقتراع على الافراد، في تونس، وحجّته في ذلك كون النّاخب له الإمكانية لاختيار شخص بعينه يعرفه ويثق به لتمثيله. لكن السّؤال؛ هل يعزّز نظام الاقتراع على الأفراد سيادة النّاخبين؟ وفيم يتمثّل ذلك؟ وما حظوظه؟

وجوه سيادة الشّعب في الاقتراع على الأفراد

   ونحن بصدد دراسة حالة الدّيمقراطية التّصعيدية بواسطة نظام الاقتراع هذا، لا بدّ من العودة إلى صاحب الطّرح قيس سعيّد. ففي حوار صحفي له مع جريدة “الشّارع المغاربي” بتاريخ 11 جوان 2019 [3]، بصفته مترشّحا للانتخابات الرّئاسيّة آنذاك، بيّن سعيّد مسألة “التّصعيد منا المجالس المحلّية الى الجهوية ثمّ إلى البرلمان” كالآتي؛

النّاخبون في العمادات— <نائب واحد — < المعتمديّة —- <نائب واحد — <مجلس جهوي

— <نوّاب—-< البرلمان

ولم تتّضح معالم هذا الطرّح حتّى صدور دستور الجمهوريّة التّونسيّة في 25 جويلية 2022: لم يعد المجلس النّيابي واحدا، بل “مجلسين نيابيين (مجلس نوّاب الشّعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم) “يفوضّ لهما الشّعب صاحب السّيادة” “الوظيفة التّشريعية” [4]. تُحقّق سيادة النّاخبين على الأفراد المنتخَبين في مستويات عديدة تبدأ من إجازة التّرشح (التّزكية) على الصّعيد المحلّي في نذاق الدّائرة الانتخابية وفي إمكانية سحب الوكالة لاحقا.

ثانيا: حدود السّيادة على مجلس الجهات والأقاليم

فيما يتعلّق بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، يواجه نظام الاقتراع على الأفراد امتحان الوفاء لعهد ضمان سيادة النّاخب. فلئن كانت هذه السّيادة دائمة بمفعول إمكانيّة سحب الوكالة، فإنّها تتضاءل إن لم نقل تنعدم في المستويين الجهوي والوطني. إنّنا ننتقل من سيادة النّاخب على الفرد المُنتخِب إلى سيادة النّائب المنتَخب.

من سيادة النّاخب إلى سيادة النّائب

“يتكون المجلس الوطني للجهات والأقاليم من نواب منتخبين عن الجهات والأقاليم. ينتخب أعضاء كل مجلس جهوي ثلاثة أعضاء من بينهم لتمثيل جهتم بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم. وينتخب الأعضاء المنتخبون في المجالس الجهوية في كل إقليم نائبا واحدا من بينهم يمثل هذا الإقليم في المجلس الوطني للجهات والأقاليم” [5]. بهذا هذا الشّكل يستمدّ النّائب المُنتخب على الصّعيد الجهوي أو المركزي مشروعيته مباشرة من زملائه النّواب لا من منتخبيه الأصليين. فالأمر يصبح متعلّقا بـضرب من “سيادة النّواب على النّواب” وليس سيادة المواطنين على النّواب (المُنتخبين). وإذا أردنا تنسيب الأمور، نقول إن النّائب الجهوي أو الوطني نابع من إرادة شعبية محليّة. وهو مدين بالدّرجة الأولى للنّاخب الّذي زكّاه وصوتّ له في النّطاق المحلّي الّذي انحصرت فيه سيادة النّاخب لتحلّ محّلها سيادة النّائب. بعبارة أخرى سيادة المواطن النّاخب بعيدة أو غير مباشرة في مستوييها الجهوي والوطني.

 كيف تتوقّف سيادة المواطن النّاخب في المستوى المحلّي؟ لنسلّم ونتفاءل لفكرة سيادة النّائب النّاخب بما هي ترجمان أخلاقي ورمزي لسيادة المواطن الّذي انتخبه، أليست هناك حروب سيادة بين المحلي والمركزي طالما الأمر يتعلّق بسيادتين واحدة مباشرة من الشّعب وأخرى غير مباشرة من نوّاب الشّعب؟ كي يكون النّقد موضوعيّا، حريّ بنا الاستئناس بتجارب مقارنة من التّاريخ. نستحضر في هذا المقام تجربة نقابيّة، تشترك مع الحالة الّتي نحن بصددها في مسألة إدارة الشّأن العام بالنّيابة على أيّة حال. يتمثّل المثال المُستحضر في تجربة نقابيّة إيطاليّة تعود إلى سبعينات القرن الماضي. وكي نبقى ملتزمين بموضوع بحثنا، نرصد وجه الشّبة وبالتّالي مسوّغات المقارنة. فأعضاء الوحدة النّقابيّة في المعمل الواحد يُنتخبهم العملة مباشرة، الأمر مشابه في انتخاب المواطنين لممثّلين في إطار العمادة. وكي يتطوّر الأمر لاحقا إلى انخراط هذه الوحدات في فيدراليات نقابيّة. ينتبه مؤلّف المقال المتكلّم عن هذه التّجربة إلى مفارقة بين تمثيليات مصغرّة ديمقراطيّة في القاعدة واندماجيات نقابيّة تكرّس بيروقراطيّة كلاسيكيّة في أعلى الهرم التّمثيلي. بل لاحظ نشوب صراعات وتناقضات بين أجسام القاعدة النّقابيّة ورأسها، مشيرا إلى تعزّز العصبيّة للجهات الّتي ينحدر منها أعضاء أحزابا كانت أو غيرها في رأس الجسم النقابي (في مجالس الفيدراليات النّقابيّة). لكنّ هذه التّجربة لم تمنع وجود ضربا من التّوازن بين الانتماء الأصلي للمحليّ والانتماء الوطني الجديد على رأس الفيدراليّة (عقلنة الانتماء) [6].

    ينبغي ألا ننشّد كثيرا إلى التّجربة النّقابية أعلاه، فالحياة السيّاسية غير النّقابية، ليظلّ السّؤال القائم هنا، لا سي: ماذا بوسع التّصعيد النّيابي من حلول لاحتمال الانحراف التّمثيلي من الدّفاع عن مصالح النّاخب (المحلّي) إلى الدفّاع عن مصالح الجماعة أو الجهة أو على الأقل إمكانية التّعويم التّمثيلي للمحلّي في خضمّ الجهوي؟ فالنّاخب الّذي انتخب فردا في عمادة “أم الأقصاب” [7]، مثلا، لينوبه على صعيد معتمديّة “سيدي بوبكر”، عسى أن يمرّ إلى مجلس ولاية قفصة، ثمّ إلى المجلس الإقليمي فالمجلس الأعلى (الوطني) للجهات والأقاليم، ماذا تبقّى من سيادة المواطن على نائب رشّحته الجهة والإقليم للصّراع على القرار في المجلس النيابي الوطني؟ كيف سيرتّب النّائب الأولويات هل ينخرط في صراع الأقاليم أم يبقى وفيّا لهمّ المواطن الّذي كان قد زكّاه وانتخبه في العمادة؟ لنقل إنّ هذا لا يمنع ذاك، هذا لا يُنسينا كوننا نتكلّم عن نائب مزدوج الولاء للمحليّة وللجهة وللوطن على حدّ سواء، فما الجديد الّذي أتى به نموذج الاقتراع على الأفراد في إطار عمليّة ديمقراطيّة تصعيدية؟ فيم يفرق عن نظام الاقتراع على القائمات حينئذ في علاقة بالانتخابات البلدية بالذّات؟ ربمّا الإجابة تكمن في أنّه يقدّم فردا محلّ ثقة ومعلوم لدى النّاخبين، ثمّ أنه مرفوق بضمانات سحب الوكالة في حال التّنكر للوعود. يمكننا إرفاق هذه الضّمانة وكذلك “السّياحة الحزبيّة” بنظام الاقتراع على القائمات، يحتج طرف مقابل.

   ثمّة عنصر تمايز مهمّ بين التّجربة النّقابيّة أعلاه وبين أطروحة قيس سعيّد، يكمن في نظام الاقتراع على الأفراد. فهذا الأخير يمنع المترشّح من التّقدّم باسم الحزب أو المجموعة السّياسية، فالولاء يكون حصرا للنّاخبين وفقا لأسس ديمغرافيّة ترابيّة وليست فكرية ايديولوجيّة. وهنا مربط الفرس، وهنا مدار التّململ والاحتجاج، بل حتّى المقاطعة من عديد الأحزاب السيّاسية. بل الأكثر من ذلك فقد منع القانون الانتخابي الجديد تلقّي التّمويل العمومي، ربّما، تخفيفا لحدّة التّنافس الانتخابي الّذي قد يبلغ حدّ الاستقطاب السّياسي. وقيّدت كذلك الشّعارات الانتخابيّة بعدم الإشارة إلى المترشّحين الآخرين والتّعرض لهم والنّيل من كرامتهم [8]. ومع ذلك لا يمنع نظام الاقتراع هذا المترشّحين من إخفاء انتماءاتهم السيّاسية وتلقيّهم دعما بعيدا عن المسالك الرّسمية، ودفاعهم لاحقا عن المصالح الحزبية ولو بصيغ فرديّة. يتوقّف الأمر على طبيعة النّاخبين في مستويات وعيهم ومدى اتّفاقهم على “سحب الوكالة ” من النّائب.

 

الخاتمة

يُحسب لنظام الاقتراع على الأفراد كونه يحرّر إرادة النّاخب من شرط اختيار مجموعة أو تركها مجملة، بغثّها وسمينها، ومعلومها ومجهولها. كما يسمح للمترشّحين التّقدم بصفاتهم الفرديّة وسِيرهم الذّاتية مبدئين الولاء للنّاخبين وليس للطيّف الّذي ينتمون إليه أو ترشّحوا فيه (القائمة منتمية كانت أم مستقّلة). في المقابل، لا يخلو من حدود ومحاذير، بل وتناقضات، حينما يرتبط بالتّصعيد التّمثيلي بما أنّ السّيادة على النّائب سيادتين واحدة بعيدة نابعة من النّاخب المحليّ وأخرى مباشرة مصدرها النّائب الجهوي والإقليمي. تبقى قضيّة أخلقة الحياة السّياسية [9] وتنقيتها شرطا نراه لازما لبناء مشهد سياسي يتّسم فاعلوه بالمسؤولية والرّوح الوطنيّة.

 

الهوامش

  1. يأتي هذا المقال في سياق بداية تنفيذ مشروع الرّئيس، بعد تعديله للقانون الانتخابي وفتح باب التّرشح “الفردي” للانتخابات التّشريعيّة المزمعة يوم 17 ديسمبر 2022. صحيح أنّ معالم المشروع بدأت تتّضح، لكن تقييمه بصفة نهائية مازال مبكّرا ولا يكون وجيها إلاّ بعد استكمال تطبيقه على أرض الواقع كي نتمكّن من استخلاص العبر والنّتائج من هذه التّجربة.
  2. ماثيوز، جو (2021) “الاقتراع العمومي كحق عالمي من حقوق الانسان”، مُستجدّات ورُؤى سويسريّة بعشر لغات، الرّابط: https://www.swissinfo.ch/ara/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%88%D9%85%D9%8A-%D9%83%D8%AD%D9%82-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86/46437040 (أستُرجع في 03/07/2022)  
  3. “الشارع المغاربي تنشر حوار قيس سعيد كاملا”، موقع جريدة “الشّارع المغاربي”، 12 جوان 2019،
  4. “دستور الجمهوريّة التّونسية الجديد”، الرّائد الرّسمي للجمهوريّة التّونسية، عدد خاص، 18 أوت 2022، ص17
  5. المرجع السّابق، ص 26
  6. PORTELLI, HUGUES (1978) « Démocratie représentative, démocratie de base et mouvement social », pouvoirs, n°7, p.95-106, URL :https://www.revuepouvoirs.fr/IMG/pdf/Pouvoirs07_p95-106_democratie_base.pdf (récupéré le 03/07/2022), p 100
  7. عمادة حدوديّة (مع الجزائر) كانت تتبع ترابيّا وإداريّا معتمدية أم العرائس من ولاية قفصة. وبمقتضي التّقسيم الجديد سنة 2015 أصبحت جزءا من معتمديّة “سيدي بوبكر” المُحدثة. كان قد زارها الرّئيس قيس سعيد في الثّمانينات ليدرس من خلالها المرفق العمومي في المناطق النّائية، وفقا لما قد كان أفادني به خلال زيارته لقفصة في سياق حملته التّفسيرية سنة 2019.
  8. الفصل 161 مكرّر من “مرسوم عدد 55 لسنة 2022 مؤرخ في 15 سبتمبر 2022 يتعلّق بتنقيح القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرّخ في 26 ماي 2014 المتعلّق بالانتخابات والاستفتاء وإتمامه”،
  9. كان رئيس الحكومة التّونسية الأسبق يوسف الشّاهد قد طرح ما سمّاه “ميثاق الأخلاق السّياسية” سنة 2019 في سياق تدنّي ملحوظ لمستوى الخطاب السيّاسي في البلاد (المزيد في: غوائدية، علي،” تونس: رئيس الحكومة يوسف الشّاهد يستقطع الحملة الانتخابيّة بـ “ميثاق الأخلاق السّياسيّة”، صحيفة “رأي اليوم”، 18 أفريل 2019، الرّابط: https://www.raialyoum.com/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%91%D8%A7%D9%87%D8%AF-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B7%D8%B9/ (أسترجع في 30/10/2022)

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 21، أكتوبر 2022

 للاطلاع على كامل العدد: http://tiny.cc/hourouf21

Please follow and like us:

اترك رد