حوّاء: لم تخلق قطّ من ضلع آدم!

ayaالسّائد و المتعارف عليه عند المسلمين هو أنّ حوّاء خلقت من ضلع أعوج لآدم. فقد وردت العديد من الآحاديث الصّحيحة التي تؤكّد هاته المسألة و تبيّنها، من ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال  : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنّساء خيراً فإنهنّ خلقن من ضلع، وإنّ أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء خيراً“.

و روى مسلم و الترمذي عن أبي هريرة أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم قال : إنّ المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرت وكسرها طلاقها

 و روى أحمد و النسائي عن أبي ذرّ الغفّاري أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم قال: ” إنّ المرأة خلقت من ضلع فإن ذهبت تقومها كسرتها وأن تدعها ففيها أود وبلغة”.

و روى أحمد و ابن حبّان و الحاكم في المستدرك أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم قال :”
“إنّ المرأة خلقت من ضلع وإنّك إن ترد إقامة الضّلع تكسرها فدارها تعش بها
“.

و لأنّنا دأبنا و تعوّدنا على تفسير الآيات القرآنية بالمرويّات و الآحاديث ، فانّ المفسرين استندوا على هاته الروايات لتفسير الآية الكريمة التالية من سورة النساء: ” يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء” بأنّها تؤكّد خلق المرأة من الرجل و انبعاثها منه. فالنفس الواردة في هاته الآية تعود على آدم و الزّوج هي حوّاء التي خلقت منه و من صلبه.

و فد كان لهذا الاعتقاد الرّاسخ الأثر الكبير على التّمثل السّائد لصورة المرأة و مكانتها و علاقتها بالرجل. فالمرأة ليست الا فرعا  من أصل، عرضا لجوهر،لا تعدو أن تكون سوى مجرّد بضعة من الرّجل ، فنشوؤها و وجودها كان غير مستقلّ بذاته، بل هو وجود يعود الفضل فيه الى الرجل. فالمرأة كانت تابعة للرجل منذ الوهلة الأولى و ستبقى كذلك حتّى اللحظة الأخيرة.

و من هنا،  استلّ الشّاعر الأبيات التالية متهجما بكلّ سهولة على المرأة مستنقصا إيّاها  :

هي الضّلع العوجاء لست تُقيمها * ألا إنّ تقويم الضلوع انكسارها
أ تجمع ضعفا و اقتدارا على الفتى * أ ليس عجيبا ضعفها و اقتدارها

هذا الاعتقاد الذي ترسّخ عند المسلمين هو اعتقاد غير صحيح و ليس له أيّة علاقة بالإسلام. فمسألة خلق حوّاء من ضلع آدم هي مسألة اسرائيلية يهودية. ذلك أنّ مراجعة الفصل الثاني من سفر التكوين (La Genèse) من التوراة تقيم الدليل و البرهان  بأنّ ما جاء فيه بهذا الشأن يطابق تماماً ما جاءت به الأحاديث القائلة بأنّ حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم. فهاته الآحاديث تكاد تكون نقلا حرفيا للتصور التوراتي لخلق حوّاء.  و هو أمر ليس بجديد، فعند البحث الجاد المستفيض و الموضوعي،  أمكن لنا أن نتبيّن بسهولة أنّ معظم تصّوراتنا خاصة في مستوى مسألة بدء الخليقة ثم نهايتها يسيطر عليها بطريقة غريبة معتقدات أهل الكتاب. و ما يدعم هذا أنّ حديثي خلق حواء من ضلع آدم المخرجين في الصحيحين هما من رواية أبي هريرة. و أبو هريرة كان ممّن أكثر من رواية الاسرائيليات حيث صاحب كعب الأحبار اليهودي ( من كبار أحبار اليهود و هو يمني الاصل أعلن اسلامه فيما بعد في آخر فترة خلافة عمر ابن الخطّاب) 47 سنة كاملة. و كان يتلقى منه بغزارة العقائد و الأخبار الموجودة في التّوراة. و بما أنّ أبا هريرة كان أميّا لا يجيد القراءة و الكتابة، فانّه من الطبيعي أن يخلط بين أحاديث الرّسول صلى الله عليه و سلّم من جهة و الكمّ الكبير من الأحاديث الي تلقّاها من كعب الأحبار من جهة اخرى. فقد جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي أّنّ يسر ابن سعد كان يقول ” اتقّوا اللهّ و تحفّظوا في الحديث، و الله و لقد رأيتنا نجالس أبو هريرة فيحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ويحدّثنا عن كعب ثمّ يقوم فيجعل بعض من كان معنا حديث رسول اللّه عن كعب و حديث كعب عن رسول الله”[1].

لذلك عاب العديد من الصحابة و خاصّة أمّ المؤمنين عائشة على أبي هريرة الاكثار من سرد الآحاديث الغريبة التي لم يسمعوها عن رسول الله. لذلك نجد في البخاري أن ّأبا هريرة كان قد قال :” انكم تقولون أكثر علينا أبو هريرة ، والله الموعد“.

و قد تفطّن عمر ابن الخطاب لإكثار ابي هريرة من رواية الآحاديث و التأثير السلبي لكعب الاحبار عليه ، لذلك فقد ورد في البداية و النهاية للحافظ ابن كثير و كما جاء في سير أعلام النبلاء و تذكرة الحفّاظ للحافظ ذهبي، أنّ عمر ابن الخطّاب دعا أبا هريرة و قال له  : “لا تتركنّ الحديث أو لألحقنّك بأرض دوس ( أرض بلاده)كما قال لكعب الأحبار :إذا لم تترك الحديث عن رسول اللّه ألحقتك بأرض القردة”.[2]  و قد امتنع بعد هذا أبو هريرة عن الحديث و لم يعد اليه إلاّ في فترة خلافة عثمان ابن عفاّن بعد موت عمر ابن الخطاب. و قد كان أبو هريرة  وقتها يقول صراحة  : ” انّي أحدثكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر لضربني بالدرة – و في رواية – لشجّ رأسي“.  و في نفس السيّاق، روى الزّهري أنّ أبا هريرة كان يقول : ” ما كنّا نستطيع أن نقول قال رسول اللّه حتّى قبض عمر. فكنت محدّثكم هذه الآحاديث و عمر حيّ؟ أما و الله لأيقنت أنّ المخفقة (العصا) ستباشر ظهري”.

 و قد يعترض معترض و يقول : كيف أمكن الجزم بأنّ هاته الآحاديث هي من الإسرائيليات؟؟؟ كيف أمكن الخروج بهذا الاستنتاج و الحال أنّ كلّ هاته الآحاديث توافق ما قرّره القرآن؟؟؟ فالقرآن قرّر حقيقة أنّ حواء مخلوقة من آدم،وهي جزء منه ،وجماهير المفسّرين على هذا، فآية سورة النساء المذكورة تشير إلى أنّ الله سبحانه و تعالى خلق النفس التي هي آدم ثم خلقها منها زوجها حوّاء.

هذا التفسير الذي ذهب اليه جمهور المفسرين لا يستقيم مع المنطق القرآني و هو Yسقاط متعسف و متسرّع للأحاديث على القرآن الكريم.

أوّلا،الإنسان أينما ذكر في كتاب الله تبارك وتعالى ينصرف الى النوعين جميعا و على حدّ السّواء الذكر والانثى، و هذا المعنى يقرّه كتاب اللّه و يؤكده في مواضع عديدة، فإذا قال سبحانه وتعالى :”وحملها الانسان إنه كان ظلوماً جهولاً فهذا الأمر لا يتعلّق بآدم وحده،أو بالذّكر من بني آدم وحده وإنما يضمّ حواء أو الإناث جميعا ًوإذ قال سبحانه وتعالى “خلق الانسان من عجل يعني الذّكر والأنثى جميعا آدم وحواء.و إذا عدنا إلى أصل النشأة وإلى أصل التكوين “إنّ الإنسان خلق هلوعا الذّكر والأنثى” يا أيّها الإنسان ما غرك بربك الكريم” الى غير ذلك من الآيات الكثيرة…

 و حينما يقول الله في هذه الآية الجليلة من سورة السّجدة”وبدأ خلق الإنسان من طين” فحتماً أنّ  المقصود بالانسان هنا أيضا  الذّكر و الأنثى  ، فالله بدأ خلق آدم وخلق حواء من طين، فكما أنّ آدم مخلوق من طين فإنّ حوّاء أيضا مخلوقة من طين و لم تخلق قطّ من ضلع أعوج لآدم كما تذهب الى ذلك الأحاديث.

ثانيا، ذهاب المفسرين إلى اعتبار أنّ “من” المستعملة في آية سورة النساء ” و خلق منها زوجها” هي من التبعيضية التي تفيد أنّ حواء خلقت من آدم أي من جزء منه هو تأويل لا يفسّر القرآن بالقرآن بل هو تفسير ينطلق من الأحاديث كمسلّمة و يسقطها على الآية ( الانطلاق من الأحاديث و المرويات و اسقاطها على القرآن هو المنهج الأكثر اعتمادا عند الاغلبية الساحقة من المفسرين). و هذا منهج غير سليم فالقرآن ينبغي أن يفسّر بالقرآن و لا شيء غير القرآن و لا يمكن تدعيم التفسير المتوصل اليه بالأحاديث إلاّ اذا كانت متوافقة مع المعنى القرآني. و هذا التفسبر الذي انتهى اليه المفسرون يخرج الآية من سبيل مثيلاتها دون أيّ سبب أو أيّة حجة فاللّه يقول “هو الذي بعث في الأميبن رسولاً من انفسهم” فكيف يكون رسول مناّ ؟؟؟هل هو مخلوق منّا؟؟؟هل انبثق مناّ؟؟ ف”من” المستعملة لا يمكن أن تكون أبدا من التبعيضية و ليس المقصود منها أنّ اللّه خلق حوّاء من آدم بل المقصود خلقهما من نفس النوع للتجانس و المماثلة لتستحيل “من” نشوئية و ليست تبعيضيّة.

فأصل البشر زوجان مخلوقان من جنس واحد أو مادّة واحدة، فكأنّ الآية حسب هذا التفسير ابتغت أن تبرز فكرة التماثل والتساوي، وتضرب فكرة التمييز والمفاضلة بين شقي الإنسانية وتستبعد في نفس الوقت كل تفكير عنصري يقوم على تفضيل جنس أو شعب أو لون على جنس أو شعب أو لون آخر اعتماداً على مجرّد هذا الوصف!
ويميل مفتي الديار المصرية العلاّمة المجدّد محمد عبده إلى أنّ المتبادر من لفظ ” النفس” بصرف النظر عن الروايات والتقاليد والمسلمات، أنها هي الماهية أو الحقيقة التي كان بها الإنسان وهو الكائن الممتاز على غيره من الكائنات أي أنّه خلقهم من جنس واحدة وحقيقة واحدة.
ويؤكّد العلاّمة محمد حسين الطباطبائي في “الميزان في تفسير القرآن”   انّ
قوله تعالى: “وخلق منها زوجها” هو بيان لكون زوجها من نوعها بالتماثل، وأنّ هؤلاء الأفراد المبثوثين مرجعهم جميعاً إلى فردين متماثلين متشابهين، فلفظة “من” نشوئية، و هاته الآية هي في مساق آيات كريمة هديدة و كثيرة من ذلك :

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”
“والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة”  ” فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه” ونظيرها قوله: ” ومن كل شيء خلقنا زوجين”.
 من نفس الزاوية في تناول المسألة ،لا يتردد الأستاذ سيّد قطب – مع حرصه الشديد و الدائم على التزام المنهج السلفي- في تفسيره، بالتأكيد على نفس الاتجاه ، ذلك أنه يقول في كتابه ” في ظلال القرآن” :” كلّ الروايات التي جاءت عن خلقها من ضلعه مشوبة بالاسرائليات ولا نملك أن نعتمد عليها ! والذي يمكن الجزم به فحسب أن الله تعالى خلق له زوجاً من جنسه فصارا زوجين اثنين، والسنة التي نعلمها عن كل خلق الله هي الزوجية : “ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعّلكم تذكرون“.
فهي سنة جارية وهي قاعدة في كل خلق الله أصيلة، وإذا سرنا مع هذه السنة، فإن لنا أن نرجح أن خلق حواء لم يمكث طويلاً بعد خلق آدم، وأنه تمّ على نفس الطريقة التي تم بها خلق آدم .”



[1] سير أعلام النبلاء، المجلّد الثالث، ص.436

[2] البداية و النهاية، المجلّد السّابع ص.107

Pin It on Pinterest

Share This