مجال تطبيق الصلح الجزائي المنظم بالمرسوم عدد 13 المؤرخ في 20 مارس 2022

بقلم: شمس الدين البجاوي

إن الفساد وباء غادر يترتب عليه نطاق واسع من الآثار الضارة في المجتمعات. فهو يقوّض الديمقراطية وسيادة القانون، ويؤدّي إلى ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور نوعية الحياة ويتيح ازدهار الجريمة المنظمة والإرهاب وغير ذلك من التهديدات لازدهار الأمن البشري[1].

وفي تونس أَضر الفساد بالدولة وبالشعب وفي المقابل انتفع منه عدة اشخاص طبيعيين ومعنويين، ولهذا ظلت الحكومات المتعاقبة في تونس تبحث عن مقاربة لمعالجة قانونية وقضائية نهائية لملفات الفساد الجارية والمتراكمة. [2]

وفي هذا الإطار يتنزل الحديث عن المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 والمتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته والذي يضبط حسب فصله الأول “إجراءات الصلح مع الدولة، صلحا جزائيا في الجرائم الاقتصادية والمالية والأفعال والأعمال والممارسات التي ترتبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي أنتجت ضررا ماليا للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى وذلك تكريسا لمبدأ العدالة الجزائية التعويضية كما ينظم هذا المرسوم طرق توظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدة المجموعة الوطنية على قاعدة العدل والإنصاف”.

ويحتوي هذا المرسوم على 51 فصلا مقسمة على خمس أبواب كالتالي: الباب الأول: أحكام عامة، الباب الثاني: في الصلح الجزائي، الباب الثالث: في توظيف العائدات المالية للصلح الجزائي، الباب الرابع: تنفيذ الصلح الجزائي وآثاره، الباب الخامس: متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات.

والصلح الجزائي هو مسار يهدف منه حسب الفصل 2 الى “استبدال الدعوى العمومية أو ما ترتّب عنها من تتبع أو محاكمة أو عقوبات أو طلبات ناتجة عنها تم تقديمها أو كان من المفروض أن تقدم في حق الدولة أو إحدى مؤسساتها أو أي جهة أخرى وذلك بدفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة”.

ويمكن تعريف الصلح لغة بأنه إنھاء الخصومة، ویقال صلح الشيء صلاحا أي كان نافعا ومناسبا، وأصلح ذات بینھما أو ما بینھما أي أزال ما بینھما من عداوة وشقاق، وصالحه أي صافاه،[3] ومن هنا یتضح أن الصلح في اللغة ھو الاتفاق على انھاء الخصومة.

أما بالنسبة للتعريف القانوني فلم يعرّف المشرع في المادة الجزائية الصلح واكتفى بذكره كسبب من اسباب إنقضاء الدعوى العمومية صلب الفصل 4 من مجلة الإجراءات الجزائية.

وفضلا عن عدم تعريف المشرع للصلح الجزائي صلب المرسوم فإنه سكت عن مسائل أخرى، ومن هنا يمكن طرح الاشكالية التالية:

ما هو مجال انطباق الصلح الجزائي المنظم بالمرسوم عدد 13 المؤرخ في 20 مارس 2022؟

إن المشرع لم يحدد على وجه الدقة المجال الموضوعي للصلح الجزائي   (الجزء الأول)، وكذلك مجاله الزمني   (الجزء الثاني). 

الجزء الأول: المجال الموضوعي للصلح الجزائي

لم يضبط المشرع النطاق الموضوعي للصلح الجزائي (الفرع الأول) وكذلك النطاق الشخصي (الفرع الثاني).

الفرع الأول: النطاق الموضوعي للصلح الجزائي

نص الفصل 6 من المرسوم على أنه “يشمل الصلح الجزائي باستثناء الجرائم الإرهابية الجرائم والأفعال والأعمال والتصرفات المذكورة بالفصل الأول من هذا المرسوم في المجالات التالية: المال العام، ملك الدولة العام والخاص، الرشوة، غسيل الأموال، الجباية، الديوانة، الصرف، السوق المالية والمؤسسات المالية”.

ولقد استعمل المشرع مصطلح “المجالات التالية” وهو مصطلح فضفاض يخالف مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي هو العمود الفقري للقانون الجزائي إذ تقوم عليه كل المادة الجزائية بشقيها الموضوعي والاجرائي [4]وقد ورد بالفصل 28 من دستور 2014 وكذلك بالفصل 34 من دستور 2022 حيث نص على ان “العقوبة شخصية ولا تكون الا بمقتضى نص قانوني سابق الوضع” كما نص الفصل الأول من المجلة الجزائية على أنه “لا يعاقب أحد إلا بمقتضى نص من قانون سابق الوضع“، انطلاقا من التكريس الدستوري والتشريعي لهذا المبدأ لا بد أن يكون النص القانوني الجزائي واضحا ودقيقا ومحددا بحيث يتجنب المشرع أثناء عملية صياغة النصوص الجزائية استعمال العبارات العامة والفضفاضة التي تحتمل أكثر من تأويل[5].

إذ لا يكفي تجريم فعل معين بل يجب أيضا تحديده بكل دقة وذلك بضبط العناصر المكونة للفعل والتي بتوفرها يعاقب مقترفها وكذلك تحديد العقوبة المستوجبة، ففي القانون الجزائي لا يمكن استعمال مصطلحات فضفاضة من قبيل “مجال“.

ولهذا يجب على المشرع أن يحدد بدقة الجرائم المشمولة بالصلح الجزائي دون الاكتفاء بذكر المجالات.

الفرع الثاني: النطاق الشخصي للصلح الجزائي

نص الفصل 3 من مرسوم الصلح الجزائي على انهتشمل أحكام هذا المرسوم كل شخص مادي أو معنوي صدر في شأنه أو في شأن من يمثله حكما أو أحكاما جزائية، أو كان محل محاكمة جزائية أو تتبعات قضائية أو إدارية أو قام بأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية. كما تشمل أيضا كل شخص مادي ومعنوي لم تستكمل في شأنه إجراءات مصادرة أمواله واسترجاعها من الخارج طبق ما اقتضته أحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 كما تم تنقيحه بالمرسوم عدد 47 لسنة 2011 المؤرخ في 31 ماي 2011.

كما تشمل أيضا أحكام هذا المرسوم الذوات المادية والمعنوية التي استفادت من الأملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها بأي وجه كان”.

ضبط هذا الفصل قائمة من الأشخاص الذين يشملهم الصلح الجزائي لكن دون تعريفهم، خلافا لما ورد في مشروع القانون المتعلق بالصلح الجزائي مع المتورطين في الجرائم الاقتصادية والمالية لسنة 2021 الذين عرفهم في فصله الثاني بكونهم “الاشخاص الواردة أسمائهم بتقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة بعد التثبت فيها وتحيينها. وكل من تتعلق به قضايا فساد مالي واقتصادي لدى القطب القضائي الإقتصادي والمالي”.

الجزء الثاني: المجال الزمني للصلح الجزائي

يتسم النطاق المكاني لانطباق المرسوم بالوضوح اذ يتمثل في الجرائم المرتكبة داخل البلاد التونسية والأموال المهربة الى الخارج وبالتالي لا يثير اشكالا، غير أن النطاق الزمني للصلح الجزائي لا يتسم بالوضوح (الفرع الأول) وكذلك الشأن بخصوص مسألة رجعية مرسوم الصلح الجزائي (الفرع الثاني).

الفرع الأول: النطاق الزمني للصلح الجزائي

يتميز النطاق الزمني للصلح الجزائي بخصوصية ليس لها مثيل في بقية القوانين التونسية، إذ لم يحدد المرسوم بدايته واكتفى بتحديد بنهايته فلقد نص الفصل 3 على انهتنسحب أحكام هذا الفصل على الجرائم المرتكبة المذكورة قبل سنة 2011 وإلى حد تاريخ نشر هذا المرسوم بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية”. وفهم هذا الفصل يطرح فرضيتين:

اما الأولى فربما لم يحدد المرسوم النطاق الزمني ليحيل ضمنيا الى القواعد العامة لسقوط الدعوى العمومية بمرور الزمن، والواردة بالفصل 5 من مجلة الإجراءات الجزائية حيث “تسقط الدعوى العمومية فيما عدا الصور الخاصة التي نص عليها القانون بمرور عشرة أعوام كاملة إذا كانت ناتجة عن جناية وبمرور ثلاثة أعوام كاملة إذا كانت ناتجة عن جنحة وبمرور عام كامل إذا كانت ناتجة عن مخالفة وذلك ابتداء من يوم وقوع الجريمة على شرط أن لا يقع في بحر تلك المدة أي عمل تحقيق أو تتبع”،

واما الفرضية الثانية فإن عدم تحديد النطاق الزمني يعني أن المرسوم يطبق زمنيا بصفة مطلقة عملا بالفصل 543 من مجلة الالتزامات والعقود الذي نص على انه “إذا وردت العبارة مطلقة جرت على إطلاقها”.

ولهذا يجب أن يتدخل المشرع وينقح المرسوم ويحدد المجال الزمني لإنطباقه وذلك للحفاظ على الحقوق المكتسبة.

الفرع الثاني: رجعية الصلح الجزائي

عملا بالفصل 3 الذي نص على انهتنسحب أحكام هذا الفصل على الجرائم المرتكبة المذكورة قبل سنة 2011″، فإن هذا المرسوم سيطبق بصفة رجعية، وبالتالي هل أن هذا المرسوم يعتبر أشد على المتهم أم أرفق به؟

لقد نص الفصل 2 من هذا المرسوم على أنه “يهدف الصلح الجزائي إلى استبدال الدعوى العمومية أو ما ترتّب عنها من تتبع أو محاكمة أو عقوبات أو طلبات ناتجة عنها تم تقديمها أو كان من المفروض أن تقدم في حق الدولة أو إحدى مؤسساتها أو أي جهة أخرى وذلك بدفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة”.

ويفهم من هذا الفصل أن الصلح الجزائي بديل للدعوى العمومية وللتتبع والمحاكمة والعقوبة، فالمتهم مقابل هذا سيقوم بدفع مبالغ مالية أو سينجز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية في اطار العدالة الجزائية التعويضية، وبالتالي فإن هذا المرسوم أرفق بالمتهم وذو فائدة له لأنه سيؤدي إلى تجنب مثوله أمام القضاء وسيحميه من قسوة العقوبات المقررة قانونا والتي يمكن ان تصل الى عقوبات سجنية طويلة المدة أو ربما لبقية العمر. لكن نص الفصل 25  من نفس المرسوم على انه “في صورة حصول الاتفاق يقع إبرام الصلح في حدود المبلغ المالي المستولى عليه أو قيمة المنفعة المتحصل عليها أو مقدار الضرر الذي طال المال العام مثلما تم تحديده من قبل اللجنة تضاف إليه نسبة 10 % عن كل سنة من تاريخ حصول ذلك”.

كما نص الفصل 2 “ويدخل في احتساب المبالغ المالية أو المشاريع المتعهد بإنجازها نسب التضخم المالي استنادا إلى الأرقام الرسمية التي تتولى تقديمها الهياكل الرسمية المختصة”.

أما الفصل 32 فنص على انه “إذا تضمن مطلب الصلح الجزائي عرضا بإنجاز مشاريع بإحدى المعتمديات الأكثر فقرا، فعلى المتصالح الضمان العشري للمشروع الذي أنجزه بموجب الصلح الجزائي طبق التشريع الجاري به العمل”.

ويفهم من هاته الفصول أن المتصالح سواء قام بدفع مبالغ مالية أو أنجز مشاريع فإنه سينضاف الى ذلك نسب التضخم المالي وكذلك نسبة 10 % عن كل سنة من تاريخ حصول الجريمة وبعد كل هذا سيتعهد بضمان المشروع الذي أنجزه لمدة 10 سنوات، وهو ما يجعل هذا القانون الذي سينطبق بصفة رجعية أشد على المتهم لأنه سيثقل كاهل المتصالح وذمته المالية خاصة مع عدم وجود الأمن القانوني والقضائي إذ نص الفصل 25 على انه “في صورة عدم إتمام تنفيذ بنود الصلح الجزائي تنتقل قانونا الأموال المؤمنة إلى الدولة وتستأنف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب”.

وهكذا يمكن أن يعتبر هذا المرسوم بمثابة النص القانوني الأشد على المتهم من حيث تجريم أفعال كانت مباحة زمن اقترافها وكذلك من حيث العقوبة التي أصبحت أشد على المتهم.

الهوامش

 

  1. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المعتمدة بنيويورك من قبل الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في 31 أكتوبر 2003 والموقعة من قبل الجمهورية التونسية في 30 مارس 2004
  2. الفصل الثاني من مشروع القانون لسنة 2021 المتعلق بالصلح الجزائي مع المتورطين في الجرائم الاقتصادية والمالية
  3. المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربیة، القاهرة، 1977، ص 368
  4. عبد المنعم العبيدي، شرح المبادئ الجزائية: دراسة تحليلية، دار الكتب، تونس، 2018 ص 16
  5. نفسه، ص 32

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 32، نوفمبر 2023.

للاطّلاع على العدد كاملا: http://tiny.cc/hourouf32

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights