في إشكاليّة العلاقة بين السّيادة والشّعب

 

بقلم: فتحية اللبودي

يولد الإنسان حرّا، ويوجد الإنسان مقيّدا في كلّ مكان، وهو يظنّ أنّه سيّد الآخرين، وهو يظلّ عبدا أكثر منهم، وكيف وقع هذا التّحوّل؟ أجهل ذلك، وما الّذي يمكن أن يجعله شرعيّا؟ أراني قادرا على حلّ هذه المسألة” [1]

 

عادة ما نخوض في مسألة علاقة الدّولة والمؤسّسات التّابعة لها بالسّيادة باعتبارها كيانا لا يحقّق وجوده الفاعل دون سيادة تتعدّد أشكالها ومظاهرها. لكنّنا اليوم نعرض المسألة بدخول طرف آخر يشكّل هذه العلاقة، طرف عادة ما تُمارس عليه السّيادة في أنظمة الحكم التّقليديّة الاستبداديّة، غير أنّه ومع بزوغ عصر الأنوار وتأثير فلاسفة العقد الاجتماعيّ صار هو صاحب السّيادة. لتصبح العلاقة: علاقةً بين السّيادة والشّعب، الّذي كثيرا ما نتحدّث عن علاقته بالدّولة لكنّنا قليلا ما نخوض في إشكاليّة علاقته بالسّيادة الّتي هي بدورها تطرح العديد من التّساؤلات. نُثير في مداخلتنا إذن مسائل من قبيل إشكاليّات العلاقة بين مفهومي الشعب والسيادة. ولنبحث في هذه العلاقة وجب علينا أوّلا أن نسأل: من هو الشعب؟ وماذا نعني بالسّيادة؟ وما الّذي يميّز سيادة الشّعب عن سيادة الدولة؟ وهل حين يمارس الشعب سيادته يوظّف العنف ويمارسه كما تمارسه الدّولة، أم أنّه يعبّر عن حقّه في السّيادة بطرق أخرى سوى العنف؟ ثمّ ماهو الحقّ الّذي يعبّر عنه الشّعب؟ هل هو حقّ سياسيّ أم هو حقّ من نوع آخر؟ ويبقى السّؤال الأهم في نظرنا أين تتجلّى راهنيّة طرح هذا المبحث أساسا؟

تدور الإشكاليّات الّتي نطرحها إذن في مجملها حول محور ممارسة الشعب للسّيادة، كيفيّة الممارسة وطرقها، وهو ما سيكشف لنا عن العلاقة بين الشّعب والسّيادة أثناء ممارسته لها.

المحور الأوّل: في مفهوم الشّعب

جاء في لسان العرب: ” الشُّعَبُ القبائل، وحكى الكلبيّ، عن أبيه: الشَّعْبُ أكبر من القبيلة، ثمّ الفصيلة، ثمّ العِمارة، ثمّ البطن، ثمّ الفخذ. قال الشّيخ بن بري: الصّحيح في هذا ما رتّبه الزّبيّر بن بكّار: وهو الشّعب ثمّ القبيلة ثم العمارة ثمّ البطن، ثمّ الفخذ ثمّ الفصيلة. قال أبو أسامة: “هذه الطّبقات على ترتيب خلق الإنسان. فالشَّعب أعظمها مشتقّ من شَعب الرّأس، ثمّ القبيلة من قبيلة الرّأس لاجتماعها، ثمّ العمارة وهي الصّدر، ثمّ البطن، ثمّ الفخذ، ثمّ الفصيلة وهي السّاق”[2].

فالشّعب في القواميس القديمة هو أكبر تكتّل مجتمعيّ جغرافيّ، غير أنّنا نميّزه عن الأمّة باعتبارها تكتّلا أكبر يضمّ الأفراد على أساس عرقيّ قوميّ. ويلتبس مفهوم الشّعب مع مفاهيم أخرى كمفهوم المواطن، إذ المواطن هو الفرد الّذي يتمتّع بحقوق وواجبات كما نصّ على ذلك فلاسفة العقد الاجتماعيّ وكما أرست ذلك فيما بعد القوانين في أكبر الدّول الدّيمقراطيّة عراقة كبريطانيا وفرنسا. إضافة إلى انفتاح مفهوم الشّعب على مفاهيم أخرى جديدة قديمة، كالرّعيّة والمجتمع المدنيّ فالرّعيّة مفهوم يتشارك مع مفهوم الشّعب في الدّلالة على الشيء إلاّ أنّه يختلف معه في الانتماء إلى نوع النّظام السّياسيّ، فالرّعيّة مفهوم يدلّ على الشّعب في نظام سياسيّ استبداديّ على خلاف الشّعب الّذي يدلّ على الطّرف المحكوم في نظام سياسيّ جمهوريّ تكون فيه السّيادة للشّعب.

 

المحور الثّاني: في مفهوم السّيادة

جاء في لسان العرب: “السّؤْدَدُ: الشّرف (…)، والسّؤْدُدُ، بضمّ الدّال الأولى (…) وقد سادهم سُودًا وسُودُدًا وسِيادَةً وسيْدُودَةً، واسْتَادَهُمْ كسادهم وسوَّدَهُم هو. والمَسُودُ الّذي ساد غيرَهُ. والمُسَوَّدُ: السّيّدُ (…).  والسّيّدُ يُطْلقُ على الرّبِّ والمالك (…) والرّئيس. والسّيّدُ الرّئيسُ”[3].

والسّيادة من هيمن: أصبح سيّدا حكم وسيطر: أي صار صاحب السّلطة. فالسّيادة تمنح صاحبها السّلطة والنّفوذ مقابل الخضوع والطّاعة من قبل الآخر. والسّيّد في علم السّياسة تطلق على الفرد والجماعة من جهة ما هما متمتّعان بسلطان في الدّولة وإذا أضيف لفظ السّيادة إلى لفظ الدّولة دلّ على السّلطة السّياسيّة الّتي تستمدّ منها جميع السّلطات الأخرى.

ويرتبط مفهوم السّيادة بمفهوم الدّولة ارتباطا ضروريّا ذلك أنّ السّيادة هي سند قيام الدّولة والدّاعم لها، غير أنّ السّؤال الأهمّ هو من أين تأتي الدّولة بهذه السّيادة، وأيّة مشروعيّة لتملّكها لهذه السّلطة القابضة، أليست “السّيادة تعبيرا عن إرادة الشّعب” كما قال جون جاك روسّو.

 

المحور الثّالث: في سيادة الشّعب وسيادة الدّولة

لقد اختلف المفكّرون في تحديد مصدر سيادة الدّولة ويمكن في هذا الإطار الوقوف عند تصوّرين اثنين: تصوّر أوّل هو التصوّر الثيوقراطيّ أو ما يُعرف بـ “نظريّة الحق الإلهيّ”: وهي نظريّة ترى أنّ الحاكم يستمدّ سلطته من الإله. وهو ما يترتّب عنه اعتبار الدّولة مقدّسة بما أنّ مصدرها مقدّس. وعليه فإنّ سيادتها هي الأخرى مقدّسة. وهو ما ينتهي إلى الحكم المطلق وقيام الدولة الاستبداديّة. وعليه فإنّ الأفراد ضمن هذا النّوع من الدّول هم مجرّد رعايا، ولا تربطهم بحاكمهم علاقة غير علاقة الخضوع.

أمّا التّصوّر الثّاني الّذي أشرنا إليه فهو تصوّر تصوّر هوبز أو ما يُعرف بـ “الدّولة التّنّين”:  وهوبز من فلاسفة العقد الاجتماعيّ. وهو يرى أنّ الإرادة الفرديّة هي مصدر سيادة الدّولة. وهو ما يجعل التّماهي بين الحاكم والدّولة واضحا وجليّا. ذلك أنّ السّلطة بدورها ستكون فرديّة ومطلقة. وبذلك تنشأ الدّولة التّنّين. فالدّولة في منوال هوبز هي كيان يمتلك الحق والقوّة معا إذ لا يمكن الفصل بينهما ويحتكرهما ويفرض النّظام بالقوّة.  كلّ ذلك فقط من أجل ضمان تحقيق غاية الدّولة وهي ضمان البقاء النّوعيّ للإنسان عبر ضمان السّلم والأمن. وفي ذلك يتجاوز هوبس حالة الطّبيعة الّتي كما يقول هوبز هي “حالة حرب الكلّ ضدّ الكلّ”. إلاّ أنّ هذا التّصوّر بدوره وعلى غرار نظريّة الحقّ الإلهيّ، هو تصوّر يشرّع للعنف عندما يجعل السّلطة في يد شخص واحد. وهو ما يشرّع بدوره لقيام نظام حكم فرديّ استبداديّ دكتاتوريّ. ويدعم  نظام حكم كليانيّ مطلق. وهو نظام يحرم الأفراد من حقوقهم وحرّياتهم، ويسلبهم إرادتهم ويجعلهم كائنات الضّرورة بدل أن يكونوا كائنات الحرّيّة. فلا إمكان للفرد هنا للتّراجع عن الدّولة أو مراجعتها وتغييرها حتّى لو كانت مستبدّة. ويتحوّل الإنسان إلى فاقد لخصائصه النّوعيّة الّتي تُعطي وجوده قيمة ومعنى.

إذن فإنّ “نظريّة الحق الإلهيّ” و”الدولة التّنين” في تصوّر هوبز، تمثّلان للدّولة المستبدّة الّتي تستمدّ سيادتها من مصادر أخرى غير الشّعب. وهو التّصوّر الّذّي يدعمه ويؤسّس له فلاسفة من قبيل جون جاك روسّو في كتابه “العقد الاجتماعيّ” ومونتسكيو في كتابه “روح القوانين”. وهي كتب تأسيسيّة لإرادة الشّعب ولسيادته ولمبدأ الفصل بين السّلط.

يرى جون جاك روسّو أنّ الإرادة العامّة وحدها تستطيع توجيه قُوى الدّولة وفق الغاية الّتي أنشئت من أجلها وهي الخير المشترك. فالإرادة العامّة ليست هي الإرادة الخاصّة وليست هي إرادة الحق الإلهيّ. فروسّو يربط سيادة الدّولة بمفهوم الإرادة العامّة الّتي تعني إرادة الجسم الاجتماعيّ المتّحد في مصلحة مشتركة. ولذلك يميّزها عن إرادة الجميع ذلك أن الأخيرة تهتمّ بالمصلحة الخاصّة بينما الأولى تهتمّ بالمصلحة المشتركة لأنّها تفكّر في الكلّيّ لا في الجزئيّ. وهو ما يؤكّد أنّ الإرادة العامّة هي أساس سيادة الدّولة استتباعا لطبيعة تصوّر العقد الاجتماعيّ الّذي يعبّر عنه روسّو على النّحو الآتي: “أن يضع كلّ واحد منّا شخصه وجميع قوّته وشركته تحت إدارة الإرادة العامّة، ونحن نتلقّى كهيأة كلّ عضو كجزء خفيّ من المجموع”[4].

فنظريّة العقد الاجتماعيّ عند روسّو تؤكّد على التّنازل عن القوّة والحق لفائدة الإرادة العامّة، لكلّ الأطراف الّتي يعيّنها وهي: الحاكم والأفراد. وهذا التّنازل كما يذهب إلى ذلك روسّو تنازل متبادل. فالجميع دون استثناء يتنازل وكأنّه لم يتنازل أحد. ومن هنا تتأتى الإرادة العامّة الّتي تعني إرادة الشّعب حيث يتحوّل الأفراد من رعايا إلى مواطنين وهذا يعني أن الشّعب يتحوّل ليصبح أساس مشروعيّة الحكم، وعليه فهو أساس مشروعيّة الدّولة.

يؤسّس تصوّر روسّو لنظريّة العقد الاجتماعيّ إلى قيام نظام حكم ديمقراطيّ يكون فيه الشّعب هو صاحب القرار والسّلطة ويكون الحكم باسمه. فالشعب يحكم نفسه. ويتحوّل الأفراد إلى مواطنين يتمتّعون بحقوقهم ويقومون بواجباتهم. وتجمعهم بالدّولة علاقة قائمة على أساس الطّاعة وليس الخضوع: طاعة القانون. ومن هنا تتجلّى الدّيمقراطيّة نظاما قائما على الفصل بين السّلطات. وهو ما يضمن قدرا أكبر من الحق والحرّيّة. فتصبح الحرّيّة في إطار هذا النّظام قانونيّة بمعنى ينظّمها القانون، وهو ترجمة لقول روسّو: “ولدت الحرّية يوم ولد القانون”.

ومن هنا يتجلّى طرحنا لسيادة الدّولة وسيادة الشّعب، أليست سيادة الدّولة هي في الأساس ترجمة لسيادة الشّعب الّتي تنازل عنها بمقتضى العقد الاجتماعيّ، عندما فرّط في الحرّيّة المطلقة الّتي تحكم نظام الطّبيعة أو ما تُسمّى بالحريّة الطّبيعيّة (الفوضى) ليؤسّس للحرّيّة الحقيقيّة وهي الحرّيّة الّتي يضبطها القانون أي هي الحرّيّة القانونيّة (النّظام). لماذا نسمّيها إذن سيادة الدّولة ولا نسمّيها سيادة الشّعب مادامت هي في الأصل مستمدّة من الشّعب. فحين تمارس الدّولة سلطة بناء على شرعيّة دستوريّة قانونيّة مصدرها الشّعب نسمّي ذلك “سيادة الدّولة”، أمّا عندما يمارس الشّعب حقوقه في التّعبير عن رأيه نسمّي ذلك سيادة الشّعب، وعندما يمارس الشّعب حقّه في الانتخاب نسمّي ذلك سيادة الشّعب. وتطغى على وسائل الإعلام عبارة “انتصرت سيادة الشّعب” أو “انتصرت إرادة الشّعب” فنلاحظ أنّ بين سيادة الشّعب وسيادة الدّولة خيطا رقيقا نكاد لا نراه حتّى نميّز بينهما.

 

 

المحور الرّابع: أشكال ممارسة الشّعب للسّيادة والحقوق الّتي يدافع عنها عندما يمارس سيادته

عندما يفرّط الشّعب في حريّته الطّبيعيّة بمقتضى العقد الاجتماعيّ فإنّه يخسر السّيادة الفوضويّة، لكنّه في المقابل يفوز بالسّيادة الدّستوريّة الّتي كان الشّعب مصدرها يوما. وتتجسّد هذه السّيادة في الحقوق والحرّيات الّتي تُمنح له. إذ تُتاح للشّعب حرّياته المدنيّة الّتي يمارسها على أشكال مختلفة وأصعدة متعدّدة.

وفي هذا الإطار نعرّج إلى أنّ روسّو يربط الحقّ بالحرّيّة الّتي هي بدورها يجعلها في صلة وثيقة بالقانون. وعليه فهو يربط الحقّ بالقانون أي بالواجب. ومن ثمّة نجد أنفسنا في حقل إيتيقيّ، فالحقّ والواجب هي مفاهيم إيتيقيّة. ويؤكّد هذا الانتماء الإيتيقيّ للمفاهيم أوّليّة الحرّيّة والقانون والحقّ والواجب باعتبارها أدوات نوعيّة خاصّة بالنّوع البشريّ. ومن هنا تنتج قيمة المواطنة وينتج المواطن صاحب الحقوق والواجبات وثمرة النّظام الجمهوريّ. فالمواطنة هي الانتماء إلى الوطن، وممّا تعنيه أيضا الانتماء إلى الدّولة باعتبار المواطن فاعلا أساسيّا في تسيير الدّولة.

إنّ هذا التّصوّر لطبيعة سيادة الدّولة يرتقي بالأفراد من اعتبارهم مجرّد رعايا، إلى اعتبارهم مواطنين أي أفرادا أحرارا لهم الحق في العيش بكرامة دون أيّ تمييز في الجنس أو العرق أو الانتماء الدّينيّ أو اللّون حيث يمكنهم المشاركة في الحياة السّياسيّة العامّة سواء عبر التّرشّح أو الانتخاب أو مراقبة آليّات الحكم ومناقشة تدبير شؤون المدينة مع بقيّة المواطنين. وهذه من أشكال ممارسة الشّعب لسيادته. فهو ليس بمنأى عن الحياة العامّة إذ يمكنه أن يعبّر ويُبدي رأيه ويحتجّ في أشكال تصعيديّة تتّسم بالسّلميّة. وهكذا تكون “المواطن” صفة تُطلق على من يحيا في ظلّ نظام ديمقراطيّ يجعل الحياة حرّة وكريمة وآمنة وكلّ إخلال من قبل المواطن بواجباته يمكن أن يهزّ سيادة الدّولة.

تُتَاح للشّعب طرق عدّة يمارس بها سيادته، أهمّها:

  • ممارسة الحقوق المدنيّة والسّياسيّة: (الحقّ في الانتماء الحزبي، الحقّ في النّشاط الجمعياتي، الحقّ في التّرشّح للانتخابات، الحقّ في الانتخاب، التّجمّع السّلميّ، الاعتراض، الاحتجاج، …) (يضمنها القانون الدّولي ممثّلا في “العهد الدّولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة 16 ديسمبر1966)
  • ممارسة الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة (الحقّ في العمل، الحقّ في الصّحّة، الحقّ في التّعليم، الحقّ في الملكيّة، …) (يضمنها القانون الدّولي ممثّلا في العهد الدّولي الخاص بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة 16 ديسمبر1966)

يمارس الشّعب كافّة حقوقه المدنيّة والسّياسّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة الّتي يكفلها له دستور بلاده والقانون الدّوليّ على حدّ سواء. غير أنّ هذه الحقوق يمكن أن لا تُضمن على الواقع، وهو ما يدفع المواطن إلى الاحتجاج على الظّلم الّذي تمارسه الدّولة، الّتي تنكّرت للعقد الاجتماعيّ وافتكّت السّيادة لنفسها لتمارسها ضدّ الشّعب. ومن ثمّة لا يمكن أن نتحدّث عن خيط رقيق بين سيادة الدّولة وسيادة الشّعب وعن مبدأ أنّ كلّ واحدة تستمدّ شرعيتها من الأخرى، بل نتحدّث عن تصادم في السّيادة، هو ما يولّد العنف. فيحتجّ المواطن على ممارسات الدّولة ويعتصم ويتظاهر ضدّ النّظام وينادي برحيله. وفي المقابل تواجه الدّولة كلّ ذلك بالعنف من خلال تجييش الأجهزة الأمنية ضدّ الشّعب الّتي هي في الأصل أجهزة شعبيّة، تخدم الشّعب، غير أنّ الدّولة توظّفها ضدّه.

وفي هذه المرحلة يكافح الشّعب من أجل استرداد سيادته وجعلها هي أساس الحكم والتّشريع. فيناضل الشّعب من أجل سيادة شعبيّة تحترم المواطن وتضمن حقوقه. ومن ثمّة فالشّعب في هذه النّقطة يوقف البناء السّلطوي المتصاعد لأنّه بناء شموليّ ليؤسّس بناءً يقوم على الحقوق والواجبات واحترام المواطن وضمان الحرّيّة.

 

المحور الخامس: راهنيّة طرح مشكل الشّعب والسّيادة (في علاقة بتونس، العالم العربيّ، العالم)

هذه الإشكاليّات الّتي أُثيرت في مقالتنا هذه، حتما ستظلّ مُثارة مادامت الشّعوب اليوم مازالت في الرّاهن تعاني من مشكل السّيادة. ففي كلّ العالم يُنظر للسّيادة على أنّها أداة للدّولة فحسب تُمارس بها عنفها المشروع وغير المشروع، وتحقّق بها قوّتها ونفوذها. وتطفو على السّطح مفاهيم أخرى من قبيل مفهوم الحرّيّة أساسا وهو مفهوم يقودنا نحو إشكاليّة مركزيّة هي مدى قدرة الشعب على ممارسته سيادته، بل نثير إشكاليّة أهمّ هي مدى وعي الشعب بسيادته ومدى تمثّله لهذه السّيادة.

في مجتمعنا التّونسيّ وفي مجتمعاتنا العربيّة نعاني من مشكلة الوعي بالسّيادة الشّعبيّة، خاصّة قبل ما يعرف بـ”الرّبيع العربيّ”. كان أغلب الشّعب العربي يفتقد معنى السّيادة عدى النّاشطين السّياسيّين، ومن لهم صلة بالنّشاطات النّقابيّة واهتمام بالشّأن العام. لذلك كان من الصّعب تعبئة الجماهير لتقويض الحكم الجائر. ويُترجَم ذلك الوضع الفاقد لمعنى السّيادة الشّعبيّة في الحقب الزّمنيّة الّتي استغرقتها الأنظمة الّتي قُوّضت أركانها في مرحلة لاحقة هي “الرّبيع العربيّ”. فأغلب الأنظمة ناهزت العقدين بل بعضها تجاوز الأربعة عقود: تونس (23 سنة)، ليبيا (42 سنة) ، اليمن (34 سنة)،  مصر (30 سنة)،…، وحتّى الأنظمة الّتي تحوّلت فيها الثّورات إلى فوضى وحرب أهليّة (سوريا مثلا) أو تمّ اجهاض حراكها وثوراتها (الجزائر، المغرب مثلا) هي الأخرى عمّرت زمنيّا.

هذا التّحقيب الزّمنيّ للأنظمة يعكس قبضة حديديّة للدولة وسيادة تُستمدّ من الإرادة الفرديّة لا من الإرادة الجماعيّة للشّعب. وهو ما يعكس أيضا قصور الوعي الشّعبيّ بالسّيادة. إذ كان الواقع الشّعبيّ يرى في الدّولة الحاميَ له، ويرى نفسه خادما لها، لا يعبّر عن رأيه ولا عن سُخطه. تأمره الدّولة فيُلبّي وهو يظنّ أنّه يخدم الوطن فإذا به يخدم الدّولة على حساب وطنه المسلوب. غير أنّ هذا الواقع تراجع مع مطلع العقد الثّاني من الألفية الثّالثة. في فترة شهدت وعيا أكبر بالحقوق السّياسيّة والمدنيّة مع تأزّم الواقعين الاجتماعيّ والاقتصاديّ. فالمساس بلقمة العيش وتأزّم الوضع الاجتماعيّ هو الّذي دفع نحو قرار الاحتجاج والثّورة وعدم القبول بالحلول التّرقيعيّة، فالمسألة أصبحت مسألة سيادة شعب يجب أن تُترجم دستورا وقوانين.

ومن ثمّة فقد أسّس الشّعب التّونسيّ ومن ورائه الشّعوب الّتي ثارت “سيادة الشّعوب العربيّة”، ذلك أنّ هذه الشّعوب لم تحقّق سيادتها يوما. فبعد دحرها للاستعمار أمسك أمورها مستبدّون آخرون من بني جلدتهم، متعلّلين بأنّ الوطن يحتاج دولة قويّة مستقرّة، وهذا لا يكون إلاّ باستمرار الحكم في يد شخص واحد حسب رأيهم. فتوالت عليهم الأنظمة المستبدّة، ولم تتحقّق سيادة هذه الشّعوب المقهورة إلاّ في 2011 عندما طردت طغاتها، أو قتلتهم، أو سجنتهم.

تشهد الشّعوب العربيّة بعد عقد ونيف على “الرّبيع العربيّ” مرحلة متأرجحة تحاول فيها بعض الشّعوب التّمسّك بما حقّقت من ديمقراطيّة وحرّيّة وإرادة شعبيّة كتونس مثلا، غير أنّ بعضها الآخر خسر تلك السّيادة الّتي حارب من أجلها وعاد الأمر على ما كان عليه كمصر مثلا، بل إنّ بعضهم دخل في حروب أهليّة أو حروب خارجيّة تقام على أرضه كسوريا واليمن وليبيا، وبعضهم شهد حراكه مخاضا طويلا كالجزائر (2019 خروج عبد العزيز بوتفليقة من السّلطة)، وبعضهم لم ينجح حراكه وأُخمد (المغرب، البحرين، لبنان)…   كلّ هذه التّجارب العربيّة تُؤكّد ولادة وعي بسيادة الشّعوب، وتكشف عن مرحلة جديدة من الوعي بدولة الشّعب ودستور الشّعب، ووعي أكبر بالحقوق السّياسيّة والمدنيّة. وهي مرحلة تكشف زيف مراحل سابقة، كانت تسمّى بأنّ الشّعب من يحكم وتتدّعي وجود ديمقراطيّة، والحال أنّها ديمقراطيّة زائفة تترجمها انتخابات غير نزيهة. 

إذن فإنّ مفهومي الشعب والسّيادة يثيران إشكاليّات مركزيّة تبدأ بكيفيّة ممارسة السّيادة وتنتهي أساسا عند نقطة يمكن أن تعود بنا هي بدورها إلى البداية وهي مدى وعي الشعب بسيادته. وهو ما يُترجم التّصادم بين خصائص سيادة الدّولة (القوّة، الثّبات، الاستقرار) والإرادة الشّعبيّة الّتي هي جزء من خصائص سيادة الدّولة. فذاك الخيط الرّفيع بين السّيادتين الأشبه بشعرة معاوية هو الفاصل في الارتقاء نحو دولة الشّعب، أو الانحدار إلى دولة الفرد.

الهوامش

  1. روسّو، العقد الاجتماعيّ، ترجمة: فتحي زعيتر، القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2013، ص23
  2. ابن منظور: لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط3، 2004، ج8، ص86.
  3. نفسه، ص296.
  4. جون جاك روسّو، مصدر سابق

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 19، سبتمبر 2022، ص. ص. 8-11.

 للاطلاع على كامل العدد: http://tiny.cc/hourouf19

 

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights