السّيادة مفهوما وتحوّلات

بقلم: عفاف الشتيوي

يبدو مفهوم السّيادة واضحا، غامضا، بسيطا، معقدا. فهو يحيل على موضوع قديم حديث، نظر فيه الفلاسفة منذ أقدم العصور، وما انفكوا يفكّرون فيه إلى اليوم. ولعلّ ذلك مرتبط بتلازمه بمفهوم الدولة وقضاياها المتشعبة من جهة وبما يطرأ على الواقع السياسي من تحوّلات من جهة أخرى، الأمر الذي جعله يثار باستمرار توازيا مع ما يحدث من وقائع وما ينشأ من مفاهيم .

إنّ ما بيّنا يدلّ على أنّه مفهوم إشكاليّ، وهو ما حفزّنا على البحث فيه. لهذا نفرد هذا المقال لتناوله بالدّرس وتتبّع ما انتهى إليه الفلاسفة والمفكّرون في البحث فيه وما داخله من تغيّرات تأثرا بالتّطوّرات الطارئة على شبكة العلاقات الدوليّة.

ولن يكون عملنا مجرد ضبط للمفهوم وعرض لما قرّره بعض الفلاسفة والمفكّرين وتتبّع لتطوّره تاريخيّا بقدر ما سيستوي طرحا إشكاليّا لهذه الأفكار على النحو الذي يدعونا إلى إعادة النظر في الدولة ككيان وفي علاقتها بغيرها من الدول. وهو ما يمكن أن يفضي إلى تناول مسائل أبعد أثرا، تجعل هذا المقال مدخلا لتناول كلّ المسائل المتعلّقة بالسّيادة.

بناء على ما سبق ذكره، بنينا عملنا على ثلاثة عناصر كبرى، حيث تتبّعنا أوّلا مفهوم السّيادة لغويّا واصطلاحيّا. وأفردنا العنصر الثاني للنظر في أشكال السّيادة، ثم خلصنا في العنصر الثالث إلى ما طرأ على المفهوم من تحوّلات في عصر العولمة والثورة الرّقميّة. 

1- مفهوم السّيادة لغويّا واصطلاحيّا.

السّيادة مصطلح يتردّد في الفلسفة والقانون والسّياسة، لهذا يبدو البحث فيه عملا مضنيا. ولمّا كان المدخل اللّغوي أساسيا في تناول أيّ مفهوم، فقد جعلناه عتبة هذا العمل الأولى. فقد ورد في معاجم اللّغة العربية أنّ السّيادة مصدر من الفعل “ساد”، ومعناه عظم وشرف. وساد قومه أي أصبح سيّدهم. والسّيّد المالك وكلّ من افترضت طاعته. ويطلق في السّياسة على الفرد والجماعة من جهة ما يتمتعان به من سلطة[1]

أمّا المقابل الفرنسي لكلمة سيادة فهو souveraineté التي نشأت من الكلمة اللاتينية supernaus المشتقة منSuper وتعني قائدا أو زعيما.[2] فالسيادة مرادفة للزّعامة والسلطة والقدرة على ممارسة النفوذ.

ولم تستقرّ السّيادة مصطلحا إلا في البحوث القانونيّة والسياسيّة. فقد اعتبرت في المعاجم القانونيّة “القاعدة السياسيّة والقانونيّة التي تقوم عليها الدولة باعتبارها تعبيرا عن الإرادة العامة.” [3]ممّا يعني أنّ أيّ خلل يطرأ عليها يمكن أن يهدّد وجود الدولة. أمّا في قاموس القانون الدولي فهي” السلطة العليا غير المجزأة التي تمتلكها دولة لسنّ قوانينها وتطبيقها على جميع الأشخاص والممتلكات والحوادث ضمن حدودها” [4]. ولا يشذّ التعريف السياسيّ عمّا ألمعنا إليه إذ “تمثل شرعية السلطة التي تمارس السّيادة باسم الدولة وهي الشعب الذي يختار بإرادته حكامه الذين يمارسون السلطة[5].

من الواضح أنّ لا تعارض بين المفهومين القانونيّ والسّياسيّ، فكلاهما يشدّد على أنّها أهمّ أسس الدولة وعلى خضوعها إلى سلطة الشعب. وقد ارتبط ذلك بالتّحوّلات التاريخية والسياسية التي أفضت إلى منح السّيادة للشعب بعد أن كان الملك من يحتكرها[6]، وهو ما أدّى إلى نشأة مفهوم الدولة كذلك[7]. فمفهوم السيادة مواز لمفهوم الدولة، ولا مجال لفهمه خارج إطارها.

ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ السّيادة سيادتان: داخلية وخارجية. فالأمر لا يتعلّق بالقدرة على فرض السّيطرة داخل الإقليم فقط، بل يتجاوز ذلك إلى علاقة الدولة ببقية الدول، وهو ما يمكّنها من حفظ حدودها وعدم الخضوع إلى أيّ وصاية أجنبية، والالتزام كذلك بعدم التّدخل في شؤون أيّ دولة أخرى. ولعلّ ما بيّنا يحيل على تداخل السيادة مع مفاهيم أخرى من قبيل السلطة والقوة والاستقلال، إلا أنّها لا تختزل معناها. [8]

هكذا، نخلص إلى أنّ السّيادة تختزل في قدرة الهيئة الحاكمة على تسيير شؤون الدولة وفرض النظام وحماية اٌلإقليم، وهو ما يقتضي الامتثال لسلطة القانون لاكتساب الشّرعيّة. فغياب أيّ شرط من هذه الشروط يمكن أن يهدّد وجود الدولة ذاتها. فأيّ معنى لدولة تفتقر إلى القدرة على فرض سيطرتها أو حماية مواطنيها؟ وأيّ معنى لدولة تخلّ بالقوانين ولا تحترم شعبها؟

هذه بعض الأسئلة التي يثيرها هذا المفهوم، وعلى قيمة ما بيّنا إلا أنّه يظلّ محدودا إذا لم نشفعه بالنظر في أشكال السّيادة التي عرفها الإنسان عبر التاريخ وكيفية التّفكير فيها، وهو ما سنعمل على تبيّنه في العنصر الموالي.

2- أشكال السّيادة.

 يربط البعض ظهور السّيادة بانتهاء عصر الإقطاع وظهور مفهوم الدولة. [9]والواقع أنّه لا يمكن أن نعزل التّفكير فيها عمّا جدّ في التاريخ من وقائع، بل إنّ ما قرّره الفلاسفة لم يكن سوى ترجمة للرّاهن السّياسيّ. وقد تردّدت أشكال السّيادة بين السّيادة المطلقة وسيادة القانون والحريات وسيادة البروليتاريا.

لقد ارتبطت السّيادة المطلقة بمرحلة تاريخية كانت السيادة فيها للحاكم المطلق الذي يمثل “ظل الله في الأرض” في مرحلة أولى، ثم بسيادة الملك والطبقة الأرستقراطية في مرحلة ثانية. لهذا لم تكن أفكار هوبز Hobbes وبودان  Bodin  وى صدى لهذا الواقع. ولعلّ أصول نظرية السّيادة تعود إلى “بودان” فقد اعتبرها “سلطة الدولة العليا المطلقة الأبدية الحازمة الدائمة التي يخضع لها جميع الأفراد رضاء أو كرها“[10]. وواضح تشديده على السلطة الاستبدادية التي لا تعير الأفراد اعتبارا، فليسوا سوى محكومين، عليهم واجب الطاعة. فالدولة تستند إلى القوّة والعنف في منظوره،  ولا مرجعية لها إلا ذاتها. أمّا الشعب فمقصى تماما، إذ لا يمكن أن يكون سيّدا وخاضعا في الآن ذاته، فالشعب السيّد يمحو ماهية السّيادة[11]. وينسحب الأمر على مبدإ الفصل بين السلطات، لأنّ في ذلك إنذارا بخراب الدولة.

ولايشذ تصوّر هوبز عن بودان، إذ اعتبر الملكيّة المطلقة الشكل المثالي للحكم. ولاريب في أنّ أفكاره صدى لما ساد عصره من نزاعات داخلية[12]، لذلك اعتبر أنّ الحكم المطلق قادر على فرض النظام ووضع حدّ للخلافات.

وقد بنى نظريته على فكرة حالة الطبيعة[13] التي تناقض مبدأ حفظ البقاء، لهذا كان من الضروري أن يتنازل كلّ فرد عن حقّه بواسطة العقد الاجتماعي. فسلطة الدولة المركزية تعبر عن إرادة الكلّ، لهذا يجب أن تكون قوية لإخضاع الأفراد[14]

وعلى أهمية فكرة العقد الاجتماعي لدى هوبز إلا أنّها لم تستو سوى تعلّة للتشريع لبطش الحاكم واستبداده ادّعاء أنّ الشعب غير قادر على كبح جماح نزعاته الطبيعية. في حين أنّ روسو استند على نفس النظرية ليمنح السّيادة للشّعب بدلا من الحاكم المستبّد، مؤيدا إيّاها بفلسفة الإرادة العامّة التي تختزل إرادة الشّعب، فخضوع الأفراد للحاكم ليس سوى خضوع لقوانين متّفق عليها، ويستمد هذا الحاكم شرعيته من محافظته عليها. [15]

أمّا “مونتسكيو” فقد انتقد تركّز السلطة بيد حاكم مطلق، واعتبرها خطرا على حرية المواطنين، لذلك أكّد ضرورة وضع حدّ لها وذلك بالفصل بين السلطات. فالسّيادة الناجعة هي الموزّعة على مؤسسات الدولة الدستورية والمدنية. [16]

وقد تردّدت هذه الأفكار لدى سبينوزا ولوك. إذ اعتبر “سبينوزا” الحكم الديمقراطي أرقى أشكال الحكم، وذهب إلى أنّ الحكم الفاضل هو الذي يشعر فيه الناس أنهّم من يسيّرون الدولة. [17]

أمّا لوك فقد اعتبر أنّ كلّ البشر أحرار وسواسية، ولهم حقوق طبيعية كالحقّ في الحياة والحرية والملكية والثورة على الحكومات الفاشلة. فالقانون الطبيعي مفهوم مركزيّ في فلسفته، والدولة مقيّدة بقواعد هذا القانون التي سبقت نشأتها، تماما مثل حقوق الأفراد التي تلزم باحترامها وحفظها. [18]

هكذا تطوّر التفكير في السّيادة مفسحا المجال لظهور مفهوم السّيادة الشعبية، إلا أنّها ظلّت مختزلة في علاقة طرفاها الحاكم والمحكومون، ولم يمتد النظر إلى علاقة هذا الحاكم بغيره. وعلى قيمة ذلك إلا أنّه لا يمكن لنا أن نضرب صفحا عن شكل آخر من أشكال السيادة الذي أفضى إليه الفكر الماركسي وهو دكتاتورية البروليتاريا.

وقد نشأت هذه الفكرة من إعادة الفكر الماركسي النظر في مفهوم السّيادة واعتباره أداة تخدم مصالح الطبقة البورجوازية. ويرى لينين أنّها تحالف بين البروليتاريا والفئات الشغيلة من غير البروليتاريين كذلك مثل البورجوازية الصغيرة وأرباب العمل والمثقفين. ولمّا كانت الغاية التّصدّي للرّأسمالية فللطبقة العاملة دور جوهري لأنّها تنذر بالتّحوّل من النظام الرأسمالي إلى النظام الشيوعي. [19]بناء على ذلك، اعتبرت دكتاتورية البروليتاريا مرحلة ضرورية فاصلة بين الرأسمالية والاشتراكية. وهي تقتضي العنف والثورة لمقاومة كلّ أشكال الاستغلال.

 إنّ دكتاتورية البروليتاريا تنبئ عن تطوّر في النظر في المفهوم الذي كان مختزلا في سيادة الملك المطلقة، فإذا به يخضع إلى سيادة الفئة الأضعف والأكثر تهميشا. ولاريب في أنّ الأمر موصول كما ألمعنا بالواقعين التاريخي والسياسيّ اللذين وجها الفكر السّياسيّ هذا المنحى. فكلمّا تعقد الواقع وأفرز متغيّرات جديدة تمّت إعادة النظر في مفاهيم كثيرة. ولا ريب في أنّ ما انتهينا إليه في هذا المستوى من البحث يفضي إلى الانفتاح على أعمق ما طرأ على مفهوم السّيادة في عصرنا الراهن، وهو ما اصطلحنا عليه بالسيادة المقيدة.

3-السيادة المقيدة.

لاريب في أنّ هذا المصطلح يحيل على محدودية السيادة وارتهانها بعدة مستجدات، ولعلّ أولاها تلك المرتبطة بالعولمة التي تختزل كلّ مسعى إلى “دمج سكان العالم في مجتمع واحد” [20]وتعني ظاهرا الانفتاح والعالمية والوحدة والاعتراف بالآخر، لكنّها في الواقع استعلاء واستغلال، لهذا لم يخطئ من اعتبرها أعلى مراحل الرأسمالية[21]

ولا يمكن تبيّن ذلك إلا بالنظر في مستوياتها الثلاثة: الاقتصادي والسياسي والثقافي. أمّا الاقتصادي، فيعني أنّ العالم سوق مفتوح، يتمّ فيه تبادل السلع بحرية. وتجد الشركات متعدّدة الجنسيات مجالا مفتوحا للاستثمار، فضلا عن المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة. وهو ما يمكّنها من السيطرة على الدول الضعيفة.

ولا يمكن عزل السّيادة الاقتصاديّة عن السّيادة السياسيّة لأنّ الدولة التي يخضع اقتصادها إلى دولة أخرى تفقد القدرة على تدبير شؤونها الداخلية والخارجية فتصبح في حالة تبعية مطلقة.

 أمّا المستوى الثالث، فهو ثقافي. ولا ريب في أنّ السعي إلى تنميط البشر وفق معايير محددة – هي معايير الغرب- عبر وسائل الإعلام ووسائل الاتصال خير مثال لذلك. فإذا فقدت الدولة سيادتها على مواطنيها، فأيّ معنى للسّيادة؟ وإذا خضعت الدولة إلى الدول الأخرى وباتت تعتمد على المساعدات، فأيّ معنى للسّيادة التي تفقد أحد شروطها وهو الاستقلالية؟

 ألا تجعل العولمة العالم قائما على قطبين دول مسيطرة ودول مسيطر عليها، على خلاف مفهوم التجانس الذي تدّعيه؟ وإذا بنيت العلاقة على هذا النحو فأيّ معنى للمساواة المعنوية بين الدول التي تشكل شرطا أساسيا للسّيادة ؟

إنّ العولمة اختراق ثقافيّ واقتصاديّ وسياسيّ يتمّ تقنينه بترويج بعض المفاهيم المقنعة من قبيل التبادل والانفتاح والعالميّة. ولعلّ هذه المسائل تزداد تعقيدا في ظلّ الإشكالات البيئيّة والصحيّة التي ظهرت في الآونة الأخيرة من قبيل الاحتباس الحراري ومخاطر التغيّر المناخي وانتشار الأوبئة واندلاع الحروب، ولاريب في تأثيراتها الوخيمة على كل الدول، إلا أنّ الدول الضعيفة الأكثر تضررا، الأمر الذي يضاعف حاجتها إلى الاعتماد على المعونات الخارجية ويعمّق مشاكلها الاقتصادية.

ولعلّ أقسى آثار العولمة تتجلّى في هشاشة الدول القومية وضعف كيانها أمام تنامي ما يصطلح عليه بالحكومة العالمية التي تستمد شرعيتها من القانون الدولي [22]الذي تحوّل إلى سلطة بيد الأقوى والأكثر تأثيرا. فقد تجاوزنا الأمن القومي إلى الأمن الجماعي والسّلام الجماعي، وهي مفاهيم مستجدّة تربط أمن الجزء بأمن الكلّ، فتبيح مراقبة الدول والتّدخل في شؤونها وعقد الاتفاقيات وفضّ النزاعات دفاعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. [23]

حينئذ، تفقد الدول سلطتها على حدودها الداخلية والخارجية، وتخضع قسرا إلى قواعد العلاقات الدولية، حيث باتت وسيلة لتحقيق “الخير العامّ” الذي يفرضه المجتمع الدولي. فأيّ معنى للسّيادة حينئذ والحال أنّ مبدأ عدم التّدخل موثق في ميثاق الأمم المتحدة ؟

 يبدو أنّ البون شاسع بين مفهوم السّيادة القانوني ومفهومها السّياسيّ، فقد أصبحت تختزل في قدرة الدولة على فرض نفسها في المجتمع الدولي. وهي ليست بالمسألة الهينة لاسيما في واقع الثورة التكنولوجية التي جعلت الحدود بين الدول افتراضية، وهذه مسألة أخرى حرية بالنظر، تدرج في ما يعرف بالسّيادة الرّقميّة.  ففي عصر المعلومات يرتبط العالم بشبكة الكترونية واحدة تنقل الأخبار والبيانات وتتميّز بسرعة البثّ والانتشار. فإلى أيّ مدى يمكن للدولة السيطرة على مواطنيها والسيطرة على حدودها؟ وهل يمكن الحديث في ظلّ الثورة الرّقميّة عن حدود؟

إنّ تداول المعلومات في كل أنحاء العالم والانفتاح على تكنولوجيات الاتّصال جعلا كلّ المعطيات تنتقل بين الحدود بسهولة، فلاضوابط لحماية تدفق المعلومات. وهو ما جعل سيادة الدولة محدودة  جدا. فلئن اعتمد مفهوم السّيادة قديما على مبدأ السيطرة الإقليمية، فقد بات هذا الإقليم اليوم افتراضيا يختزل في منظومة المعلوماتية أو قواعد البيانات التابعة للدولة التي من الممكن اختراقها أو التجسّس عليها[24]. ولعلّنا نؤيد ولتر رستون الذي ذهب إلى أنّ مفهوم السيادة قد أفل[25]، وأن ّالسيادة اليوم هي سيادة المعلومات[26]، فالدولة التي تمتلك سيادة هي القادرة على حفظ بياناتها ومقاومة الجرائم السبيرانية. [27]

بناء على ما بيّنا، يمكن لنا القول إنّ كلّ ما بني عليه مفهوم السيادة التقليدي قد تمّ تقويضه في ظلّ هذه التّحوّلات، فالأمر بات أقرب إلى السّيادة الدولية التي تمارسها الدول العظمى القادرة على حفظ أمنها السبيراني والتّحكّم في المجتمع الدولي.

 

الخاتمة:

لقد حاولنا أن نضبط مفهوم السّيادة، فتناولناه من زوايا مختلفة، غايتنا الوقوف على ماهيته وتبيّن ما طرأ على فهمه وممارسته من تغيرات. وانتهينا إلى أنّه اكتسب دلالات مختلفة داخل الفضاء السّياسيّ. ولاريب في أنّه قابل لاكتساب دلالات أخرى بناء على ما يمكن أن يطرأ في المستقبل. وقد أوقفنا ذلك على الفرق بين السّيادة كمبدأ والسّيادة كواقع. إنّ ما بيّنا يدلّ على أنّ ما توصّلنا إليه لا يمثل سوى جزء يسير من مبحث عميق. إذ يظلّ الموضوع محلّ مساءلة ومراجعة مستمرين. وهو ما يفضي إلى التطرق إلى قضايا متشعبة، وليست غايتنا سوى تمهيد السّبل للخوض فيها.

 

 

الهوامش

  1. .hekmah.org موسوعة ستانفورد الفلسفيّة، مصطلح السيادة، ترجمة محمّد رضا، تحرير محمّد النبهان.
  2. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9 .
  3. Philoclub.net محمّد غنام: “مفهوم السيادة عند جون جاك روسو”
  4. ولتر رستون، أفول السيادة، ترجمة سمير عزت نصار وجورج خوري، دار النسر للنشر والتوزيع، ، عمّان، 1995، ص 19.
  5. موسوعة ستانفورد الفلسفية، مرجع مذكور.
  6.  لم يكن ظهور مفهوم السيادة الشعبية وليد الصدفة، إذ لايمكن فهمه دون اعتبار عصر الأنوار وقراءة واقع أوروبا بعد معاهدة وستالفيا 1648 التي وضعت حدّا للحروب الدينية التي دامت ثلاثين عاما ووضعت حدّا كذلك لسلطة الكنيسة وبشرت بظهور الدولة. ثم تلا ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 الذي أكّد أنّ كل سيادة يجب أن تكون مستمدة من الشعب وأنّها غير قابلة للتجزئة فضلا عن الإقرار بمبدإ المساواة في السيادة، حيث تتمتع كل الدول بنفس الحقوق وتلتزم بنفس الواجبات.
  7. Albert Rigaudière «: l’invention de la souveraineté », Pouvoirs, n°67, Novembre 1993, p 5.
  8. تعني السلطة القوّة والقدرة على الشيء، وتمثّل الحقّ في إصدار القوانين والحقّ في ممارستها. وهي تختصر في الممارسة الفعلية للهيئة الحاكمة في الدولة، فهي مصدر ممارسة السيادة ومظهر من مظاهرها، إلا أنّ السيادة تظلّ أعمّ منها. إذ تشمل كما بيّنا علاقة الدولة بغيرها من الدول. ولا يمكن اعتبار السيادة كذلك مرادفة للقوّة. فالقوّة تعني القدرة على فرض الطاعة. فهي لا تحيل على السيادة إلا جزئيا. أمّا الاستقلال، فيعني انفراد الدولة بتدبير شؤونها بنفسها وسنّ قوانينها بمفردها، ويمكن أن يكون هذا الاستقلال كليا أو محدودا، فما الاستقلال سوى شرط من شروط تحقّقها. (انظر موسوعة ستانفورد، م،م، والمعجم السياسي لوضاح زيتون، م،م، ص 212)
  9. وضاح زيتون، المعجم السياسي، م،م، ص 217.
  10. موسوعة ستانفورد، مرجع مذكور.
  11. المرجع نفسه.
  12. عرفت انقلترا حروبا أهلية وفتنا دينية خلال القرن السابع عشر (1640-1660)
  13. تعني أنّ الإنسان أناني بالفطرة، مسكون بالرغبة في حفظ الذات، ميّال إلى إعلاء المصلحة الذاتية. وهي حالة لا يمكن أن تفضي إلا إلى النزاعات والحروب.
  14. علاء حمروش: تاريخ الفلسفة السياسية، دار التعاون للطبع والنشر، 1986، ص 124.
  15. علاء حمروش: تاريخ الفلسفة السياسية، م،م، ص 128.
  16. موسوعة ستانفورد، م،م.
  17. علاء حمروش: تاريخ الفلسفة السياسية، م،م، ص 127.
  18. موسوعة ستانفورد، م،م.
  19. Political –encyclopedia.org/dictionnary
  20. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%88%D9%84%D9%85%D8%A9.
  21. حسن البزار: عولمة السيادة، م،م، ص.74
  22. يمثل القانون الدولي النّصوص التي تحدّد مسؤوليات الدول القانونية في التعامل بينها، وتشمل عدة قضايا دولية مثل حقوق الإنسان والجريمة الدولية. انظر محمّد العبيدي: السيادة بين تحديّات أمن الدولة وأمن الإنسان”، المجلّة الأكاديمية للبحوث القانونية والسياسية، المجلد2، عدد9، 2018.
  23. حسن البزاز: عولمة السيادة، م،م، ص 139.
  24. يمكن أن نشير إلى امتلاك شركات التكنولوجيا مثل غوغل وفايسبوك موارد قوّة تفوق الدول وتسمح لها بامتلاك قواعد البيانات التي تؤثر من خلالها على اقتصاديات الدول.
  25. ولتر رستون، أفول السيادة م،م، ص 10.
  26. المرجع نفسه، ص 172.
  27.  في ظلّ هذه التغيرات ظهرت مصطلحات جديدة من قبيل الأمن السبيراني والقوّة السبيرانية. إذ تتمثل القوّة السبيرانية في قدرة الدولة على حماية معطياتها المعلوماتية. أمّا الأمن السبيراني فيختزل” مجموعة الإجراءات المتّخذة في مجال الدفاع ضدّ الهجمات السبيرانية ونتائجها التي تشمل تنفيذ التدابير المضادة المطلوبة” انظر المعجم السياسي، م،م.

 

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 19، سبتمبر 2022، ص. ص. 4-7.

 للاطلاع على كامل العدد: http://tiny.cc/hourouf19

Please follow and like us:

اترك رد