طبيعة السّيادة في فكر الطّبقة السياسيّة التّونسيّة-قيس سعيد نموذجا

بقلم: محمّد حدّاد

مقدمة

يحظى مفهوم السّيادة بأهمّية بالغة في مجال القانون، خاصّة منه مجال القانون الدستوري. فقد عرفت السيّادة أو الدّولة أو ما ماثلهما من مصطلحات كمّا هائلا من التنظير والتفسير في مختلف الاتّجاهات المعرفيّة. ذلك أنّ جلّ هذه التّعريفات المتعدّدة تتمحور حول ثنائية السّيادة الدّاخلية/الخارجيّة وثنائية سيادة الشّعب/الأمّة. ولن نسعى إلى التعمّق في هذه المفاهيم بقدر سعينا إلى تحليل طبيعة السّيادة لدى قيس سعيد باعتباره حديث السّاعة داخل الأوساط الأكاديميّة والسّياسية. ولفهم طبيعة السّيادة في فكر قيس سعيد، كان لزاما علينا دراسة طبيعة السّيادة في فكر الطّبقة السياسية الّتي حكمت العشرية الأولى بعد الثورة، ومن قبلها إعطاء لمحة عن طبيعة السّيادة في فكر الطّبقة السياسية بعد الاستقلال.

السّيادة وصاحب السّيادة

يصعب تحديد مفهوم السّيادة في معناه المطلق أو الضّيّق ما لم تتوفّر مقوّمات أساسيّة منها “الدّولة”، والّتي تتعدّد محاور دراستها انطلاقا من مدلولها وأشكالها. فامن ناحية الشكل، نجد الدّولة الموحَّدة بنظاميها المركزي واللاّمركزي والدولة المركّبة سواء كانت اتّحادية أم غير اتّحادية. أمّا مدلولها فنجد فيه أوّلا تحديد أركان هذه الدّولة، والّتي نجدها تتكوّن من المجموعة البشريّة والّتي تعتبر شرطا ضروريّا لتكوين الدّولة إضافة للإقليم والسّلطة، وثانيا نجد الشّخصية القانونيّة للدّولة وسيادة الدّولة[1]. ويمكن وفق هذا التأصيل الاصطلاحي والنّظري أن نوجّه اهتمامنا إلى مصطلحين مهمّين هما المجموعة البشريّة والسّيادة. فما هي السّيادة؟

يتمحور مفهوم السّيادة في نظر جوليان لافريار حول ثلاث ميزات أساسية[2]؛ أوّلها، أنّ السّيادة تنبني أساسا على القانون المتجسدة اساسا في وضع القواعد قانونية اللاّزمة. وثانيها، اعتبار السّيادة سلطة أصلية أي أنّها لا تخضع إلى سلطة خارجية، أمّا الميزة الأخيرة فهي أنّ السّيادة سلطة عليا تفرض على باقي مكوّنات الدّولة الانصياع إليها. إذن فمع انعدام أحد هذه الميزات يمكن أن ينجرّ عنه خلل في ممارسة الدّولة لسيادتها إمّا داخليا أو خارجيا. ويمكن أن نذكر المراحل الثلاث التي مرّت بها الدّولة التّونسية منذ الاستعمار الفرنسي غابت فيه السيادة داخليا ودوليا، ثمّ مع توقيع اتفاقيّة الاستقلال الدّاخلي في 3 جوان 1955، وانتهت المرحلة بإعلان الاستقلال التّام يوم 20 مارس 1956 وبذلك أصبح للدّولة التّونسيّة سيادة كاملة على إقليمها داخليّا ودوليّا. وهنا ننتقل من الحديث من نوع السّيادة إلى الحديث عن صاحب السّيادة. إذن من هو صاحب السيادة؟

ولا يمكن تصوّر دولة لا يكون الرّكن البشري أحد مقوّماتها، فمن دون شعب لا توجد دولة. كما لا يمكن للشّعب أن يشكّل أمّة إلاّ بتوفّر مشترك يوحّده. حيث نجد النّظرية الموضوعيّة تعتمد العِرق أو اللّغة أو الدّين وغيرها من الانتماءات الثقافيّة عي تشكّل الأمّة، وهي عناصر في مجملها تكون نسبية ولا تؤول حتما إلى تكوين أمّة. وهو ما حاولت النظريّة الشّخصيّة تجاوزه من خلال التركيز على الانتساب إلى ماض مشترك مع شرط وجود إرادة جماعية تقوم على بناء مستقبل مشترك[3]. فتوفّر هذين العُنصرين لهو جدير بقيام الأمّة وقيام الدّولة معا، حيث يلعب كلّ من الأمّة والدّولة دور المؤثر على الآخر. ولكن تبقى الأمّة في نهاية المطاف مجرد ركن من أركان الدولة، ويختلط مفهومها بمفهوم الشّعب لذلك يصبح لدينا مصدرين من مصادر السّيادة؛ سيادة الشّعب وسيادة الأمّة.

وبينما تعتبر النّظريات القديمة أنّ الإله هو مصدر السّلطة، وهو جوهر النّظريات التيوقراطية في تحديد صاحب السّيادة، على غرار نظرية الحق الإلهي. نجد في المقابل نظريّة سيادة الشّعب، حيث يقول روسو “لو فرضنا أنّ الدولة مؤلفة من عشرة آلاف فرد فإن كل فرد يملك جزءًا من عشرة آلاف جزء”[4]. فهذه النظريّة تعني أنّ الشّعب هو مصدر السّيادة داخل الدّولة فلكلّ فرد جزء من السّيادة، وعلى هذا الأساس تصبح السّيادة مجزّأة ومقسّمة بين الأفراد بحسب عدد أفراد الجماعة[5]. فممارسته للسلطة باعتباره صاحب السّيادة تندرج ضمن نظام الديمقراطية المباشرة حيث يمارس الحكم بنفسه دون وساطة، وذلك عن طريق الاستفتاء أو الانتخاب، وكلاهما حّقّ لكل مواطن باعتباره يملك جزءًا من السّيادة. فنتائج الاقتراع تصبح تجسيما لإرادة الأغلبية. ويعتبر النائب وكيلا في حدود السّيادة التي تم التفريط بها له من قبل ناخبه ويعتبر مسؤولا أمامهم فقط، وعلى عكس ذلك يمكن عزله من قبل الناخبين.

إنّ سيادة الشعب وإن كانت تعتبر نظريّا هي الأقرب لمفهوم الديمقراطية في مختلف أبعادها الإجرائيّة، إلاّ أنّ الانتقادات التي طالتها يمكن أن نلخّصها في مستوى تجزئة السيادة بين أفراد الدّولة، ممّا يؤدي إلى أن تكون السيادة غير مستقر بسبب التجدد الدوري لأعضاء مجلس النّواب. وهو ما أجبر رجال الثورة الفرنسية مثلا على الأخذ بنظرية سيادة الأمّة[6]. كما تعتبر هذه النظرية هي ثاني النظريات الديمقراطية الخاصّة بتحديد صاحب السّيادة، لتكون السيادة حسب هذه النظرية مملوكة لأفراد الشعب لا بصفتهم الشّخصية بل بوصفهم هيئة معنوية مجرّدة هي الأمّة، والّتي تتميّز عن شخصية الأفراد المكوّنين لها[7].

وعلى عكس نظرية سيادة الشعب فإنّ نّظرية سيادة الأمّة لا تقوم على تجزئة السّيادة، فالأمّة تمثّل وحدة مجردة لا تقتصر على الأجيال الحاضرة فقط وإنّما تشمل أيضًا الأجيال السابقة واللاّحقة. كذلك نجدها تعتمد في بعدها العملي على نظام الحُكم القائم على التمثيل، لتكون فيه الهيئة المنتخبة مالكة لحق التعبير عن إرادة الأمّة، ولا تمثّل النّاخبين. فالنّاخبون هنا لا يحقّ لهم إعطاء تعليماتهم لنّواب الأمّة عند ممارستهم لسلطاتهم التشريعيّة باعتبار ان الاقتراع لا يعتبر حقًا وإنما هو وظيفة، فأعضاء المجلس النيابي يقومون بمهمتهم هذه وفقًا لما تتطلبه مصلحة الأمّة، ولا يكونون مسؤولين عن أعمالهم أمام الناخبين.

ولم تقتصر الانتقادات فقط على نظرية السّيادة الشعبية، فقد تعرّضت نظرية سيادة الأمّة أيضا إلى عدّة انتقادات؛ “خاصة مسألة اعتبار الأمّة وحدة مستقلة عن أفرادها، واعتبارها شخصًا معنويًا، مما يرتب وجود شخصين معنويين يتنازعان السّيادة هما: الأمّة والدولة. كذلك فإنّ الأخذ بهذه النظرية توجد فيه خطورة على حقوق وحريات الأفراد، باعتبار أن ممثلي الأمة قد يستبدون بالسلطة عن طريق القيام بأعمال تمس بهذه الحقوق والحريات على أساس أنها تعبر عن إرادة الأمة، لا يجوز الاعتراض عليها“[8].

ورغم الانتقادات الموجّهة للنّظريّتين، إلاّ أنّهما قد لعبتا دورا أساسيّا في تطوّر حقل القانون الدستوري وميدان الفكر السّياسي. فهما رغم اختلاف أسسهما الفلسفيّة تتفقان على أنّ السّيادة ملك للشعب خاصة من الناحية العملية، سواء عن طريق النّظام النيابي أو من خلال الدّيمقراطيّة المباشرة وغير المباشرة. وهو ما قد يوضّح سبب الأخذ بالنظرتين معا في أغلب الدّول.

وبناء على ما سبق نتساءل، كيف كانت طبيعة السّيادة في فكر قيس سعيد؟ وفيما سبقها في فكر الطّبقة السّياسية الّتي حكمت العشريّة الأولى بعد الثورة؟ ومن قبلها في فكر الطبقة السياسية التي حكمت قبل الثورة التونسية؟

طبيعة السيادة لدى قيس سعيّد

لا يمكن فهم طبيعة السّيادة إلاّ من خلال دراسة الدّساتير الثلاث الّتي عرفتها تونس بعد الاستقلال، بدءا بدستور 1959، والذي يمكننا من فهم طبيعة السّيادة بعد الاستقلال، خلال فترة الرئيسين الحبيب بورقيبة وبن علي. ومرورا بدستور الثّورة الذي تمتة المصادق عليه من قبل المجلس التأسيسي في 27 جانفي 2014، والذي يلخّص لنا طبيعة السّيادة بعد الثورة، وصولا إلى دستور قيس سعيد محور الاستفتاء في 25 جويلية 2022.

نجد في توطئة دستور 1959 التنصيص على أنّ الشعب هو صاحب السيادة، كما تمّ التأكيد في الفصل الثّالث على انه يمارسها من خلال السّلطة التشريعيّة بواسطة “مجلس الأمّة”، وإذا دققنا في القانون عدد 86 لسنة 1959 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس الأمّة، نلاحظ أنّ الدّولة تأخذ بمفهوم سيادة الشعب من خلال عملية الاقتراع، خاصة في الفصل الثالث عندما تمّ التأكيد على أنّ “الانتخاب هو حق للجميع”. وفي المقابل نجد في الدستور أحد شروط نظرية سيادة الأمّة في الفصل 25 حيث يعتبر “نائب مجلس الأمّة نائبا للأمّة جمعاء”، والمقصود بالأمّة هنا هي الأمّة التونسية. فالنائب لا يمثل من انتخبه فحسب وإنّما يمثّل أيضا أمّة كاملة. ولا نعثر في فصول الدستور على إمكانيّة سحب الشّعب للثّقة من ممثّليه ولا يمكن له كذلك مساءلة من ينوبه. وقد تمّ سنة 1975 تنقيح الدستور الذي اسند بصفة استثنائية الرّئاسة مدى الحياة للرئيس الحبيب بورقيبة. فبناء على ما تم إضافته للفصل 40 من دستور 59 عن طريق القانون الدستوري عدد 19 لسنة 1975 ظلّت نظرية سيادة الأمّة سائدة في شخص الحبيب بورقيبة. اما في سنة 1981 فقد تم تنقيح الدستور عن طريق القانون الدستوري عدد 47، وتم من خلاله تعويض مصطلح مجلس الأمّة بمجلس النواب. كما تمّ الإبقاء على الفصل 25 والذي يقرّ بأنّ النائب يمثل الأمّة جمعاء والإبقاء على عبارة أنّ الشعب هو صاحب السيادة رغم ما وقع من تنقيحات منذ بداية عهد بورقيبة إلى عهد زين العابدين بن علي والتي كانت آخرها سنة 2008. وهو ما يمكن أن نفسّره بانتهاء سيادة الشّعب مع نهاية العمليّة الانتخابية، لتبدأ سيادة الأمّة عبر نواب الشّعب أو رئيس الجمهورية. وكما رأينا في مجمل الانتقادات التي وُجّهت إلى نظرية سيادة الأمّة، خاصّة إمكانيّة استبداد ممثلي الأمة بالسّلطة عن طريق القيام بأعمال تمس بالحقوق والحريّات باسم إرادة الأمة نفسها.

فكانت الثورة التونسية ردّة فعل على سياسة الدولة منذ الاستقلال إلى غاية اندلاعها وهروب بن علي يوم 14 جانفي 2011. ذلك أنّها كانت سياسة مبنية على الديمقراطية في ظاهرها، ولكنّها تجذّر قيم الدكتاتورية التي نقرّ بوجودها من خلال ازدواجية صاحب السّيادة طيلة فترة ما قبل الثورة. ليتمّ بعدها إعادة انتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور جديد، ثمّ المصادقة عليه يوم 26 جانفي 2014، بعد مساجلات حادّة لثلاث سنوات. ولا يمكن معرفة صاحب السّيادة في هذه الفترة إلاّ بتحليل فصوله، فاللافت للنّظر في التوطئة الدستور أنّ السّيادة للشّعب يمارسها عبر الانتخابات. أمّا من ناحية السّلطة التشريعية فالشّعب يمارسها إمّا عن طريق ممثّليه أو عن طريق الاستفتاء على عكس الدّستور القديم الذي ينصّ على ممارسة السّلطة التشريعية عن طريق مجلس الأمّة. وفي المقابل لا نجد أنّ النائب يمثّل الأمّة جمعاء في حين أنّ أداء القسم الموجود في الفصل 58 يعلن النائب ولاءه التّام لتونس وليس لناخبيه، ولا نجد كذلك أنّ النّائب يُساءل عن أعماله أو إمكانية أن تُسحب منه الوكالة.

ونتساءل هل أنّ هذا الدستور في تطبيقاته أرسلنا دون أن نشعر إلى رحاب الدكتاتورية؟ خاصّة مع إشارة مضمونه كما الدستور القديم إلى سيادة الأمّة. فإذا عدنا إلى التوطئة نجد أنّ النظام هو نظام جمهوري تشاركي بين السلطة التنفيذيّة والتشريعيّة، فعلى غرار النائب فإن رئيس الجهورية كذلك لا يكون ولاءه إلا لتونس وليس لناخبه. وينتهي بذلك دور الناخب مع عملية الاقتراع، لكنها لا تنتهي عند حد الانتخاب، لتحضر أحيانا في شكل حركات احتجاجيّة. وتتحوّل سيادة الأمّة لتظهر من جديد بعد الإعلان عن النتائج، ولكنها سيادة مجزّأة لا بين أفراد الشّعب وإنّما بين ممثليه في مجلس النّواب ورئاسة الجهورية. ولم تظهر هذه التجزئة للعيان في ظلّ التّوافقات الّتي وقت بين كتلة حركة النهضة والرّئيس الرّاحل الباجي قائد السبسي، إلاّ أنّها عرفت مأزقا في ظل ترؤس راشد الغنوشي لمجلس النّواب وقيس سعيّد لرئاسة الجمهوريّة، ليتنازعا سيادة الأمّة بتعلّة المشروعيّة الانتخابية المستندة على سيادة الشعب، إلى جانب رئيس الحكومة المنبثق عن الأغلبية البرلمانية. ممّا أدّى إلى تجميد مجلس النواب في 25 جويلية 2021 وانقسام الشعب التونسي بين معارض لهذه الإجراءات ومؤيّد. فما هي طبيعة السّيادة في فكر قيس سعيّد؟

لا يمكن فهم طبيعة السّيادة في فكر قيس سعيّد إلاّ بالرّجوع إلى مراجع القانون الدستوري التي يستند عليها. ونستند في تحليل طبيعة هذه السّيادة إلى بعض تصريحاته منذ انتخابه رئيسا للجمهورية وانطلاقا من الدستور موضوع الاستفتاء في 25 جويلية 2022. فمن أهمّ تصريحاته ضدّ الأحزاب هو اتهامها بإغراق الدولة في متاهات اجتماعية واقتصادية طيلة العشر سنوات التي تلت الثورة وقد حرص على تأكيد ذلك في جلّ تصريحاته. كما أكّد على مفهوم الأمّة الإسلامية وعلى مقاصد الشّريعة في، وهو ما تمّ تجسيده في الفصل الخامس من مسودّة الدّستور الجديد موضوع الاستفتاء، ليعتبر تونس جزء من الأمة الإسلامية ويؤكّد التزامه بمقاصد الإسلام.

ونجد في دستور 2014 أنّ الفصل 62 يختص مجلس النواب بممارسة المبادرة التشريعية بمقترحات قوانين من عشرة نواب على الأقل. منا يمكن لكلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تقديم مشاريع قوانين، أمّا مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات ومشاريع قوانين المالية فهي من اختصاص رئيس الحكومة. وقد ركّز هذا الفصل على أولوية النّظر في مشاريع القوانين المقدّمة من رأسي السلكة التنفيذية على حساب مقترحات القوانين المقدمة من النّواب. أمّا  الفصل 68 من الدستور الجديد موضوع الاستفتاء، فيقترب في معناه العام إلى المعنى المبين في الفصل 62 من دستور 2014. واللاّفت للنّظر هو إلغاء دور رئيس الحكومة في تقديم مشاريع قوانين، أمّا تقديم مشاريع قوانين الموافقة على المعاهدات ومشاريع قوانين المالية فقد أصبحت من اختصاص رئيس الجمهورية. وتأكيدا على إلغاء دور رئيس الحكومة، نلاحظ في الفصل 101 من الدّستور الجديد أنّ السياسة العامة للدولة يضبطها رئيس الجمهورية السّياسة العامّة ويحدّد اختياراتها الأساسيّة على عكس الدّستور القديم عندما كان يختص بها رئيس الجمهورية بعد أن يستشير رئيس الحكومة. وأصبحت الحكومة تنفّذها طبقا لتوجهات رئيس الجمهورية. أمّا من ناحية المسؤولية فقد أصبحت الحكومة مسؤولة عن تصرفها أمام رئيس الجمهورية (الفصل 112 من دستور 2022) عوضا عن مجلس نواب الشّعب (الفصل 95 من دستور 2014).

وإذا أكملنا مقارنة فصول الدستورين، فعلي عكس دستور 2014 وتفتتيه للسيادة بين السّلط الثلاث، نجد أنّ الدستور يعمل في مرحلة أولى على إلغاء دور رئاسة الحكومة وإضفاء دور التبعيّة لرئاسة الجمهورية، وبالتالي توحيد قطبي السّلطة التنفيذية. أمّا ما يهمّ السلطة التشريعية فعلى عكس الدّستور القديم يمكن أن نلاحظ في الدّستور الجديد أنّه قد تمّ إضافة مجلس جديد أطلق عليه اسم “المجلس الوطني للجهات والأقاليم”، أصبح يتقاسم إمكانية المصادقة على قانون المالية ومخطّطات التنمية مع مجلس النواب، خاصّة بعد تقليص مهام مجلس النّواب كإعطاء الثقة أو سحبها من الحكومة ليصبح سحبها من اختصاص رئيس الجمهورية. وبقي دور المجلس في الدّستور الجديد مقتصرا على التّوجه لأعضاء الحكومة بأسئلة كتابية أو شفاهيّة أو الدّعوة إلى الحوار حول السياسة التي تتبعها الحكومة. ولئن تمّ توحيد السّلطة التنفيذية بصلاحيات أكثر، وهو ما نجده مماثلا لدستور 1959. فقد تمّ في المقابل تقليص دور مجلس النواب بتقاسمه للسلطة التشريعية في جزء منها مع المجلس الوطني للجهات والأقاليم. نجد أزمة التصادم بين الرئاسات الثلاث الّتي وُسم بها دستور 2014 تعود في صيغة جديدة بعد أن قام الدستور الجديد بتصديرها داخل السلطة التشريعية بين مجلسين، ولتلعب السلطة التنفيذية في شخص رئيس الجمهورية دور المنقذ في حال التّصادم بينهما، وهو ما نرجّح وقوعه في مناسبات عديدة.

إنّ دور رئيس الجمهورية  يستمدّه من نظرية سيادة الأمّة والتي نجد أثرها في توطئة الدستور الجديد بالتركيز على ربط أمجاد الماضي وآلامه بمستقبل الأجيال القادمة، أي أنّ هذا الدّستور يعبّر عن الماضي والحاضر والمستقبل. وهو ما يمكن أن نفهمه في أداء اليمين بالنسبة لرئيس الجمهورية وتركيزه على الرّعاية الكاملة للوطن (الفصل 92 من دستور 2022)، وتتجلّى هذه الرّعاية في ربط ماضي البلاد بمستقبلها، وهذا ما نجده في مفهوم سيادة الأمّة. اما ملامح سيادة الشعب فنجدها خاصة تقف عند حدود العملية الانتخابية. اما من ناحية سحب الوكالة (الفصل 61 من دستور 2022) وفق هذه النظرية يبقى غير مفهوم ومرتبط بصدور القانون الإنتخابي[9]. ونظر إلى الخلط بين سّيادة الشّعب وسّيادة الأمّة إلا ان مفهوم سيادة الأمّة كان طاغيا في هذا الدّستور الجديد. خلط وإن أنتج لنا دكتاتورية قبل الثورة وأنتج لنا صراعا بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لنتساءل بعدها عن إمكانية إعادة إنتاج دكتاتورية جديدة أو ممارسة لدكتاتورية مصبوغة بالديمقراطية الصورية. وهو ما يمكن اعتباره مشكلا أساسيّا في مرحلة الانتقال الديمقراطي بعد الثورة.

الفعل التواصلي كحل بديل لتفادي الازمة السياسية

نطرح هذا الحّل ردّا على طريقة التّعاطي مع المآزق السّياسيّة التي شهدتها تونس، خاصّة في فترة ما بعد الثورة وفي فترة ما بعد 25 جويلية 2021. لنعتمد نظرية الفعل التواصلي التي أحدثها يورغن هابرماس لتجاوز الفعل الأداتي. فإذا نظرنا إلى الفعل الأداتي الذي يعبّر عنه بالعقل الأداتي، عقل يعتمد أساسا على البرمجة والتخطيط في بعده النظري كما يستند إلى البعد العملي النفعي من خلال التنفيذ والتسيير، والاعتماد على الوسائل التقنية والعلمية. ومن بين الوسائل الأداتية التي تتركز عليها الطبقة السياسية هي القوانين والدساتير، والتي تمّ تكريسها للسّيطرة على الشعوب بتعلة الديمقراطية وممارسة الحرية، فاستحالت تقنيات للاستعباد والاستغلال. فـ”العقل الأداتي هو جهاز تكنوقراطي يسيّر المعرفة والمجتمع من المركز ويهمّش الأطراف ويؤسس للشخصية السلطوية والنظام الشمولي والإدارة البيروقراطية والاستبداد الديمقراطي والحكم الفردي”[10].

ويقترح هابرماس العقل التواصلي كحل بديل للعقل الأداتي في ظل نظرية الفعل التواصلي. فبعيدا عن المنطق الغائي للعقل الأداتي ينبني العقل التواصلي على الاتفاق بعيدا عن الضغط والتعسف لبلورة إجماع حول عدة مسائل مشتركة وقضايا جوهرية دون تعسّف من أيّ طرف من أطراف النّزاع على الآخرين. ليكون الاتفاق نتيجة نقاش موضوعيّ. ولن يثمر نتائج ترضي الجميع إن لم يقع “التّحرر من مختلف أشكال الضغط والسيطرة والإكراه والهيمنة وتمكين جميع الأطراف من التعبير عن آرائها والدفاع عن نفسها وتكريس ديمقراطية النقاش التي تضمن الإجماع عن طريق الإقناع بالحجة الكافية والتفاعل الايجابي بين الذوات وتقريب وجهات النظر وتقديم التنازلات دون إقصاء لمختلف المكونات المعنيّة”[11]. ويمكن إن نلمح هذا الإقصاء في اكتفاء الشّعب بممارسة سيادته في حدود الانتخابات لينتقل بعدها مفهوم سيادة الأمّة إلى إقصاء دور الشّعب في بلورة أهمّ السياسات الاستراتيجية. ولبلوغ ذلك يجب تعميم الفعل التواصلي داخل الفضاء السياسي حتّى يصبح مهمّا ومعتدّا به قبل تعميمه داخل الفضاء العمومي.

خاتمة

سيظلّ تحليل مختلف أنواع السّيادة أو معرفة صاحب السيادة في أي دولة متّصلا اتّصالا مباشرا بنصوص الدّساتير مهما اختلفت مرجعيّاتها ومساراتها السّياسيّة. واللاّفت للنّظر أنّه مع تقدم الزّمن وتطوّر الشّعوب أصبحنا نلاحظ مزجا بين سيادة الشّعب وسيادة الأمّة، إلاّ أنّ ذلك لا يحول دون الاتجاه إمّا نحو الديكتاتورية في ظل النّظام الرئاسي أو نحو تفتيت سيادة الأمّة داخل النظام البرلماني وهو ما عرفته تونس تحديدا بعد الثورة، وفي كلتا الحالتين يزّج بنا هذين النظامين إلى مآزق سياسية واجتماعيّة لا يمكن الخروج منها إلا بتطبيق فعليّ وجدّي للفعل التواصلي داخل الفضاء السّياسي، وضرورة التّحلي بإيطيقا النقاش بين السياسيين، ذلك أنّهم يمثّلون على نحو ما مرآة المجتمع.

الهوامش

  1. لمزيد التّوسّع راجع؛ عبد الفتاح عمر، الوجيز في القانون الدستوري، مركز النشر الجامعي، كلية الحقوق والعلوم السياسية، تونس 1987، العنوان الاول من القسم الاول؛ الدّولة، ص. ص. 159-198
  2. عبد الفتاح عمر، الوجيز في القانون الدستوري، مركز النشر الجامعي، كلّية الحقوق والعلوم السياسية، تونس 1987، ص 177-178
  3. راجع الفقرة الأولى من المبحث الأوّل من الفصل الأوّل من العنوان الأوّل من القسم الأوّل؛ المجموعة البشرية والأمّة، من كتاب الوجيز في القانون الدّستوري للعميد عبد الفتاح عمر، مرجع سابق، ص 160-168
  4. Rousseau, Du Contrat social, éd. GF-Flammarion, Paris, 1996, Ρ.87
  5. راجع محمد رضا بن حماد، المبادئ الأساسية للقانون الدستوري والأنظمة السياسية، مرجع سابق، الباب الثالث من الجزء الأوّل؛ السيادة في الدولة، ص 155-165
  6. سام دلّة، القانون الدستوري والنظم السياسية، ص 88-87 https://lib.imamhussain.org/lib/book/6131
  7. راجع محمد رضا بن حماد، المبادئ الأساسية للقانون الدستوري والأنظمة السياسية، مرجع سابق الفقرة الأولى من المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الثالث من الجزء الأول؛ الأمّة هي صاحبة السيادة، ص 157
  8. سام دلّة، القانون الدّستوري والنّظم السياسيّة، مرجع سابق، ص91
  9. تمت كتابة وتقديم هذه الورقة البحثية في الجامعة الصيفية الثالثة تحت عنوان “الشعب والسيادة” التي نظمتها جمعية تونس الفتاة ومؤسسة كونراد أديناور، والتي انتظمت قبل استفتاء 25 جويلية 2022 وقبل تنقيح القانون الإنتخابي في 15 سبتمبر 2022، وذلك في سوسة من 14 إلى 18 جويلية 2022.
  10. زهير الخويلدي، العقلانية الأداتية والعقلانية التواصلية: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=627936
  11. المرجع السابق

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 20، أكتوبر 2022

 للاطلاع على كامل العدد: http://tiny.cc/hourouf20

Please follow and like us:

اترك رد