المنظومة التربوية التونسية: المكاسب، الرهانات، النتائج

بقلم: محمد حمدي

 

1. مدخل                                                         

 schoolمن البديهي أن تطور الشعوب مرتبط بمدى إهتمامها بالتربية وبالعملية التربوية  فكلما كانت التربية متطورة كان الشعب متطورا ماديا وثقافيا وتقنيا وإجتماعيا  ولعل اليابان والدول الاسكندنافبة خير مثال على ذلك ..إلا أن دول العالم النامي لا زالت تكابد وتصارع من أجل تطوير تربيتها أملا في النهوض بالإنسان وبالمجتمع نهوضا يمكنه من القطع من الفقر والجهل والامية والتخلف. وتعتبر تونس إحدى الدول النامية التي أولت أهمية كبرى للتربية منذ الاستقلال  ووضعت أهدافا وغايات سعت لتحقيقها عبر عقود وقد إختلقت هذه الغايات من مرحلة أخرى

فماهي المراحل التي مر بها النظام التربوي التونسي ؟ وماهي مكاسبه ؟ وماهي مظاهر علله ؟ وكيف السبيل لأصلاح ذلك ؟؟

2. المراحل التي مر بها النظام التربوي في تونس

أ. مرحلة مابعد الاستقلال

غادرت فرنسا البلاد عسكريا ويقيت بإداراتها ومؤسساتها ومدارسها التي كانت تعتمد اللغة الفرنسية وتشكو ضعفا  في موادها المدرّسة  وقلة في عددها وعدم أنتشارها خارج المدن أو بالاحرى بعض المدن لذلك سعت الدولة الى نشر التعليم في كامل البلاد وأ،شأت مدارس في القرى والارياف والمناطق الداخلية  وتعاون السكان مع الدولة على ذلك  وتم إقرار إجبارية التعليم ومجانيته للجنسين  ولقد كان قانون 1958 يركز على الفعل التربوي القائم على المحتويات أي على الجانب المعرفي المحض  وغايته تكوين أطارات لسد الحاجة الملحة للدولة وتعريب الادارة التونسية بتكوين أطارات وطنية لإدارتها  وقد نجحت الفترة الاولى في ذلك وبدأ الاعتماد على الفرنسيين يتقلص تدريجيا وإنتشر التعليم بصفة كبيرة في البلاد بقطع النظر عن سن أوجنس المتمدرس  إلا أن ذلك لم يكن كافيا وخلّف أشكالات منها

– محدودية الخارطة التربوية

– الانقطاع المدرسي  في مختلف مراحل التعليم

–  ظاهرة الانتقاء أي الاهتمام بالاذكياء والمتفوقين فلم يعد التعليم شعبيا عموميا بل صار نخبويا إقصائيا

– الثقافة التقييمية التي تعتمد على الشهائد دون مراعاة التعلم كتعلم ببعديه الانساني والاجتماعي لتكوين الفرد وتأهيله إجتماعيا ونفسيا

ب. مرحلة الاصلاح الثاني  قانون 1991

سبق هذا القانون محاولات أصلاحية في 1963 و1969و1982 وكانت كلها اصلاحات جزئية لا ترقى إلى مستوى الاصلاح الشامل  ولم يغير من الفلسفة التربوية المعتمدة

وكان هذا القانون الاصلاحي يعتمد على مقاربة الفعل التربوي القائم على الاهداف والمحتويات أي أنه صار للعملية التعليمية أهدافا محددة تصبو الدولة لتحقيقها  وراهنت على:

– تغطية الخارطة التربوية لكافة المناطق

– مقاومة الانقطاع المدرسي

– الوقاية من النكوص والرجوع للامية التي وقع تخفيض نسيتها

– إقرار التعليم ألأساسي  كمرتكز للمنظومة الجديدة

 وقد حقق هذا الاصلاح بعض المكاسب منها :

– تعريب التعليم وذلك بتدريس العلوم بالعربية  كالرياضيلت والعلوم الطبيعية والتفنية

–  إرتفاع نسبة التمدرس

– تقليص نسب الرسوب

– تقليص نسب الانقطاع بين سن الـ 6 سنوات والـ16 سنة

إلا أن ذلك لم يحل بشكل نهائي الاشكالات القائمة مثل:

– ضعف مردود المؤسسة التربوية

– سيطرة المنحى الكمّي على العملية التعلمّية التعليمية

غياب الاحتراف أي الكادر المختص والكفء

– غياب الثقافة التقييمية للعملية التربوية فكل محاولة إصلاح تتم دون تقييم علمي مسبق  وتغلب عليها الارتجالية والابعاد السياسية

.ج. مرحلة الاصلاح الثالث: قانون 2002

 جاء بعد فشل تجربة التعليم الاساسي التي سقطت في أول إختبار لها بعد 9 سنوات إذ بينت النتائج ضعف نسب النجاح وتراجع المستوى المعرفي للتلميذ

 فصدر هذا القانون الاصلاحي الذي يرتكز فعله التربوي على الكفايات الأساسية

 وراهنت الدولة على:

– تكوين عقول مفكرة بدل حشو الادمغة

– التحكم في التكنولوجيا الجديدة

– توفير تربية جيدة للجميع

– إعداد الناشئة للحياة النشيطة

– التفاعل الايجابي مع المحيط

– تحرير المبادرة

– إدخال مواصفات الاحتراف على المنظومة التربوية

ومازال هذا الاصلاح ساريا وهناك دعوات ملحة للتغيير الجذري للمنظومة التربوية وللإصلاح الشامل حيت أن الكفايات الاساسية كمنظومة تربوية أثبتت فشلها في مدارسنا وذلك لكل عوامل اهمها عدم توفر الإمكانات المادية وضعف البنية التحتية وضعف الاطار المختص خاصة بعد غلق مدارس ترشيح المعلمين التي كانت تكوّن معلمين مختصين وعلى درجة عالية من الكفاءة المعرفية والبيداغوجية  ولم يفع تعويض المدارس بمؤسسات قادرة على أيجاد اطار كفء للتربية والتدريس حتى أن تجربة  المعاهد العليا لتكوين المعلمين أثبتت هي الاخرى فشلها فتم غلقها ووقع سد النقص في الإطار التربوي بإنتداب  أساتذة لا علاقة لهم بالتكوين المتخصص   وزج بهم إعتباطيا في المدارس الابتدائية مع تكوينهم لفترة قصيرة  فتم ظلمهم وظلم التلاميذ فزاد الوضع التربوي سوء.

  1. مكاسب المدرسة التونسية

لا أحد ينكر ما قدمته المدرسة التونسية  وما حققته من مكاسب عدة فاقت ما تحقق لدى غيرها من الدول الاكثر غنى  ولعل من أبرز مكاسبها

– إنتشار التعليم في كامل البلاد  ووصول نسبة التمدرس الى أكثر من 90 بالمائة

– مجانية التعليم وإجباريته

–  تحقيق الاكتفاء الذاتي من الاطارات  التي تحتاجها البلاد لا بل فقد صارت تفيض عن الحاجة وتمثل إشكالا يزعج الدولة التي صارت عاجزة عن توظيفهم

تحسّن المستوى الثقافي وتراجع مستوى الاميّة وتحسن المستوى الصحي والاجتماعي

– تعلم المرأة وتربية الناشئة على قيم التسامح والمواطنة وحقوق الانسان

  1. مظاهر علل االنظام التربوي

رغم كل هذه المكاسب فإن النظام التربوي في تونس يشكو هنات عديدة وعلل كثيرة أهمها:

– ضعف مردود المؤسسة التربوية

ويتجلى ذلك في العدد الكبير من المنقطعين  رغم تحسن نسب الارتقاء

– سيطرة المنحى الكمّي  على البرامج التعليمية: حيت تتراكم الاهداف الجزئية وتتعدد الانشطة التعليمية : أكثر من 13 مادة لطفل عمره 6 سنوات، مع عدم تكامل هذه الاهداف  مما أدى الى ضعف وتدهور مكتسبات المتعلمين المعرفية

–  ضعف مكتسبات التلاميذ  وتراجع مستواهم في اللغة العربية، أضف إلى ذلك اللغات الاجنبية  كالفرنسية والانجليزية

 –  المركزية المفرطة في تسيير النظام التربوي وعدم فسح المجال للمبادرات والحلول  الصادرة من الجهات

 –  غياب الاحتراف (ذلك أن الاحتراف يتوقّف على تكوين أساسي للموارد البشرية )

 – غياب ثقافة تقييمية  وذلك بالاعتناء أكثر بالمتفوقين دون غيرهم  وإقصاء الباقي

  1. التحديات الجديدة وطرق الإصلاح

بات هذا الوضع مترديا ويتطلب أصلاحا شاملا  وتحديات جديدة  وذلك بـ:

– تبني فلسفة تربوية جديدة واضحة وممنهجة

– تحديد اهداف التعليم وغاياته المرحلية والمستقبلية بشكل واضح

–  إعادة الاعتبار لمدارس التكوين المهني وللحرف داخل المدرسة  من أجل إعداد الطفل للحياة العملية

– مراجعة الوظائف التقليدية للمدرسة  ودور المعلمين فيها

– الانتقال من عمل يقوم على التجزئة للمهام والتخصص المفرط والتطبيق الالي للتعليمات إلى التمكن من عملية الانتاج بأكملها والقدرة على المشاركة فيها

–  مراجعة نظام التقييم

–  بناء كليات للتربية

– إدخال التكنولوجيات للمدارس وتكوين المربين في ذلك

– خلق تعليم جيد للجميع متكافئ الفرص

 –  تحسين الوضع المادي  والتكويني للمعلمين وإعادة الاعتبار لهم  وتحسين المناخ التربوي وإزالة التوتر القائم وجعل المدرسة فضاء لحياة نشيطة فاعلة ومنتجة  وتطبيق مقاربات تربوية  تربط الطفل بواقعه وهويته وحضارته وتجعله متفتحا على العالم والحضارات الاخرى دون إنبتات أو تغريب

خاتمة

 تبقى التربية الوسيلة الوحيدة القادرة على النهوض بالأمم والشعوب وهي محرار تقدمها ورقيها ورفاهها  ويبقى الاهتمام بها رهين الارادة السياسية لكل دولة  ويبدو أن الدولة التونسية تدرك تماما أن الوقت قد حان للتغيير وأنه آن ألأوان لتستمع لصرخات المربين  المنادين باتلاصلاح الشامل والتغيير الجذري … لا حل ولاخيار لنا غير الاصلاح ثم الاصلاح …

 

Pin It on Pinterest

Share This