عن الجمهورية…

بقلم: سوسن فري

assbah-repبمناسبة الإحتفال بالعيد الثامن والخمسين لإعلان الجمهورية في تونس، وبينما الطبول تقرع وبينما الأهازيج تتردد وبينما مجلس نوابنا الموقر يحتفل وبينما راديوهاتنا وتلفزاتنا تلهج بذكر مناقب هذا اليوم العظيم. خطر لي ، أنا التي تصطاد  دائما وأبدا في المياه العكرة، سؤال حارق أضناني وأقض مضجعي.

هل عرفنا يوما الجمهورية ؟ وهل بإمكاننا الحديث عن قيام جمهورية في ظل غياب دولة المواطنة ؟

” تعرّف الجمهورية على أنها كلمة لاتينية الأصل ، ذات مقطعين: Res وتعني “الشيء” وPublica وتعني “عام” فيصبح معناها “الشيء العام” أي أنها أسلوب الحكم الذي يقوم على مشاركة مجموع المواطنين.

وترتكز بالأساس على مجموعة من المبادئ الكبرى: سيادة الشعب، إستقلالية القرار الوطني والحرية . حيث يقول عنها  البعض أنّها أفضل وأرقى نظام حكم إبتدعه الإنسان ليجتمع وفقه ،  ويعتبر البعض الآخر أن  الإنسانية عاجزة عن خلق نموذج يوازي تفرّدها وتميّزها أو حتى يدانيه .

غير أن درس التاريخ يثبت لنا بأن هذه “الجمهورية” كانت على مرّ السنوات والعقود “جمهوريّات” ، إختلفت أشكالها وطرق إنتظامها وترتيبها للحقوق والحريات والمصالح العامة والخاص  وإنعكاساتها على مواطنيها بإختلاف العوامل والظروف الإجتماعية والجغرافية والسياسية والتاريخية. فبين جمهورية أسست لدولة المواطنة والمواطنين،  تكرس كل أجهزتها للذود عن كرامة مواطنيها وتجعلها الركيزة الأساسية لتواجدها وبين جمهورية أسست لدولة الرعايا ، تلك الدولة التسلطية التي تجمع بين آليات السلطة ومقدرات الثروة وتكرس كل أجهزتها للحفاظ على مكتسبات فئة أو طبقة معينة تمكنت من دوائر الحكم ، نجد أن البون شاسع والهوة سحيقة.

و لنا كمثال على ذلك، جمهوريّتنا التونسية. حيث فشلت نخبتنا في تكوين نموذج دولة المواطنة بعد الإستقلال وأسّست دولة وطنية هي عبارة عن مسخ مشوه بعد أن أسْقِطَتْ عليها نموذجا تحديثيا قسريا لم يعنى إلاّ بالجوانب الشكلية، كنشر التعليم ، حيث أنتجنا أجيالا من المتعلمين في تونس تجيد فكّ الحرف والقراءة والكتابة وعاجزة عن إنتاج ثقافة، جحافل من المتمدرسين تلج أبواب الجامعات وتحصل أعلى الشهادات وقاصرة عن فتح كتاب أو كتابة مقال.  والإنفتاح الإقتصادي  مع العجز عن خلق الثروة والإستهلاك السمج لمنتجات التطور والتقدم  التكنولوجي دون قدرة عن تصنيع وإختراع أبسط حاجياتنا  .

و قامت بسلبها أهمّ أسسها ، الحريات السياسية والإجتماعية والفكرية ، فضاع جوهر بناء دولة المواطنة .حيث ينعم الأفراد بحقوقهم ويلتزمون بواجباتهم ويتمتعون بحرياّتهم . إذ يقول “جون جاك روسّو”  بأنه “حالما يوجب سيّد لا وجود بعد لشعب يتصف بالسيادة” فلا يمكن الحديث إذن عن مواطنة في إطار حكم استبدادي  . وتمّ إنشاء مؤسسات هشّة ترتكز على بيروقراطية مقيتة لا تستجيب لتطلعات مواطنيها ، ممّا أدى إلى جعلنا نقع في أتون أوضاع إجتماعية وسياسية وإقتصادية مأزومة ومتفجرة . حيث تتجلّى مظاهر هذه الأزمة بالأساس في البطالة الخانقة وفي إنعدام الحقوق والحريات وإنتشار الفساد بكافة أشكاله في مختلف المستويات ( الرشوة ، المحاباة …) وفي تنفّذ الفئة الحاكمة على حساب باقي فئات المجتمع ، كما نعاني من قحط قيمي وروحي مرعب أدّى إلى إنتشار التطرّف والعنف بكافة أشكاله.

كما أننا عشنا ولأكثر من نصف قرن في ظل نظامي حكم إستبداديين ، نظام كل من الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي ، كرّسا الحكم الفردي وحرما الجماهير من التعبير عن الإرادة الشعبية العامة .

و رغم قيام الثورة منذ أربع سنوات ونيف ورغم إطلاق جحافل المفقرين  والمهمشين والمظلومين والمكلومين لصرخة يرومون من ورائها الإنعتاق والحرية ويصبون ليكونوا من خلالها مواطنين بمواطنة كاملة داخل جمهوريتهم ، إلّا أن النظام أعاد إنتاج نفسه للأسف بشكل من الأشكال وإنتكست الثورة .

فهل عرفنا يا أيّها التونسيون والتونسيات نظاما جمهوريا بحقّ في يوم من الأيام ! أم أنّها كذبة أخرى روّج لها المتمعشون وتبنّاها المتزلفون و صدّقها الساذجون ؟!

Pin It on Pinterest

Share This