ثورة 2011 وانقشاع الأوهام (الجزء الثاني)

بقلم: حمزة عمر

لمّا ترشّح يوسف الصدّيق لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 2011، صرّح آنذاك بما معناه أنّ المجلس يجب أن يضمّ الفلاسفة والمؤرّخين وعلماء الاجتماع وغيرهم قصد بناء مشروع مجتمعي متكامل، لا أن يظلّ حجرة لنقاشات تقنية بحتة.

لم ينجح يوسف الصدّيق في الحصول على مقعد في المجلس، هذه المؤسسة التي كانت أبعد ما يكون عن فضاء لنقاش هادئ وعميق حول ما نودّ أن نفعله بثورتنا، بل كانت ساحة للمغالبة السياسية انتهت أغلب الوقت بتوافقات عرجاء تخرج منها جميع الأطراف راضية دون أن يكون هناك فعلا فهم موحّد لمضمونها. ما الّذي يعنيه مثلا الإقرار بدين للدولة في فصل والقول بمدنيتها في الفصل الذي يليه؟ ما الذي يعنيه ضمان حريّة الضمير وتنصيب الدولة حامية للمقدّسات في نفس الفصل؟

لا يعني ذلك بالضرورة أنّ دستور 2014 نصّ رديء. ربّما لو قيّضت له محكمة دستورية تؤوّل المتشابه منه وتفصل في النزاعات حوله لكان أفضل حالا ولما وصلنا إلى تعليقه الفعلي الآن. لكنّ هذا لا ينفي أنّه وُلد مع عيب أصلي: أنّه لم يكن فعلا تعبيرا عن رغبة في البناء المشترك.

ربّما كان من العسير تصوّر نتيجة أفضل من مجلس انتُخب أعضاؤه بشكل مباشر بعد تسعة أشهر فقط من سقوط نظام كان على مدى نصف قرن يقوم على حكم الفرد. لا الشعب ولا الطبقة السياسية كانا جاهزين لذلك.  كان من الطبيعي أنّ من حاز على الأغلبية حينها لن يرى فيها سوى فرصة من السماء لممارسة السلطة، دون أن يأبه بمستقبل البلاد. وفي الحقيقة، المسار نحو انتخابات مجلس وطني تأسيسي أملاه اعتصاما القصبة، اللّذين ناديا كذلك بنظام برلماني، هو نفسه الآن ما يسعى “الشعب” (أو على الأقل من يزعم تمثيله) إلى إبداله بنظام رئاسي.

عكس ما يدّعيه الشعبويون، الشعب لا يعرف ماذا يريد. مباشرة بعد ثورة من المفروض أنّها ترفع شعار العدالة الاجتماعية، اتّجه الشعب إلى انتخاب أكثر الأحزاب رسوخا في الرأسمالية والمحافظة (النهضة). بعد ذلك بثلاث سنوات، انتخب شعب الثورة الحزب الّذي جمع أكثر عدد من ممثّلي النظام السابق الذي استهدفته الثورة (نداء تونس). كيف يمكن الركون إلى نزعات شعب شهّال بدّال؟

نحن لا نريد أن ننظر إلى أنفسنا في المرآة. ليس من حكمونا طوال السنين السابقة سوى صورة عنّا. ربّما كنّا نطمح إلى من يكونون خيرا منّا ليقودونا إلى الجنّة بالسلاسل، ولكنّنا في النهاية لم نصب إلّا ما نستحقّه. في ظلّ ما نحن عليه، لن يكون أيّ تغيير في النظام السياسي بمفرده ذا معنى. ما الّذي يعنيه عمليا في الواقع اليومي للأشخاص كون النظام برلمانيا أو رئاسيا إذا كانت لا يمكن أن تقضى حوائجك إلّا إذا كنت تعرف فلانا أو أعطيت فلتانا قهوته؟

في عقده الاجتماعي، يدافع جون جاك روسو بحماسة عن النظام الديمقراطي المباشر. لكنّه كذلك يعترف أنّ هذا النظام لا يمكن أن يقوم دون مواطنين من ذوي الفضيلة ممّن يتفانون لأجل المصلحة العامة. ويقرّ روسو “إذا كان هناك شعب من الآلهة، فيمكن أن يحكم نفسه ديمقراطيا. إنّ حكما بمثل هذه المثالية لا يصلح للبشر“.

لنتأمّل في حال الفضيلة والمصلحة العامة عندنا ويمكن حينها أن نتبيّن ولو قليلا لما آل الحال إلى ما هو عليه. ليست الانتخابات إلّا آلية تقنية لتجسيد الديمقراطية. أمّا روح الديمقراطية، فتقبع في الأفراد أنفسهم الّذين يمارسونها. إذا كنّا تربّينا على الفساد والاثرة ورفض الاختلاف وفرض الآراء بالقوّة وإذا كنّا في واقعنا لا نلتزم بالطوابير ولا يحترم بعضنا بعضا ونلقي القمامة على قارعة الطريق ولا نتقيّد بقواعد المرور ونتهرّب من الضرائب، لماذا نتصوّر أنّ مجموع أصواتنا ستنتج أفضل ممّا نحن عليه؟

إنّ الشعب ليس كائنا مقدّسا ليتعالى على التفكيك والنقد. كان من أوكد ما ينبغي أن نقوم به بعد الثورة أن ننكبّ على دراسة المسائل التالية: لم نحن على ما نحن عليه الآن؟ ما الّذي نطمح أن نكونه؟ وكيف السبيل إلى أن نكون كذلك؟ وكان المفروض أن يكون المجال للمفكّرين والفلاسفة والباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية للتعمّق في كلّ ذلك. ما فعلناه في الحقيقة هو أن استسلمنا “لعربدة الضوضاء وتشنّج الهويات” حسب عبارة أحمد ونيّس، فأضحى المهرّجون الّذي تقدّمهم لنا وسائل الإعلام ويظهرون كالفقاقيع في وسائل التواصل الاجتماعي هم قادة الرأي في البلاد.

ربّما يحيل صعود قيس سعيّد إلى سدّة الرئاسة إلى رغبة شعبية في تجاوز كلّ مظاهر السقوط الّذي نعيشه بما يحيل إليه الرجل من تسام أخلاقي1. لكنّ المشكل يكمن في رؤيته للشعب والمشروع الذي يتوجّه به إليه. الشعب في نظر قيس سعيّد مفهوم جامد ومكتمل يكاد ينحصر في أبناء الأحياء الشعبية والمهمّشين ويقتصر دور الساسة على تنفيذ إرادته كما هي، بينما الشعب في الحقيقة شديد التنوّع وقابل للتطوّر دائما بما يسمح أن يكون دور الساسة هو صنع هذه الإرادة. وحتّى الآلية التي يقترحها الرئيس لتنفيذ مشروعه لا تعدو أن تكون تعويض آلية الانتخاب على مستوى دوائر جهوية بانتخاب على مستوى دوائر محليّة يصعد على إثرها الممثلون إلى المستوى الجهوي والوطني عن طريق القرعة. إذا كان الناخبون هم أنفسهم في جميع الحالات، بكلّ الممارسات سابقة الذكر التي تصدر عنهم، كيف يمكن أن نأمل في نتائج أفضل فقط لأنّنا صغّرنا حجم الدوائر الانتخابية؟

لا نظنّ أنّ تغيير النظام الانتخابي أو النظام السياسي يمكن أن يشكّل حلّا حقيقيّا. يجب أن تتجه المقاربة إلى ما يمكن أن يغيّر جذريّا العلاقة بين المواطنين فيما بينهم وبينهم وبين الدولة بحيث تضحي المصلحة العامة شأن الجميع دون استثناء. نرى أنّه يمكن واقعيا العمل على ذلك من خلال العمل على تغيير منظومتين أولاهما من شأنها أن تحوّل هذه العلاقة في المدى المتوسّط وثانيهما تحوّلها في المدى البعيد. نعني بالأولى المنظومة الجبائية التي يجدر تغييرها من خلال إلغاء مظاهر التمييز فيها (وأبرزها الخصم على المورد) لتكريس مفهوم المواطن دافع الضرائب الّذي من حقّه أن يرفع صوته عاليا للمطالبة بالخدمات التي يمولّها من جيبه. أمّا الثانية فهي المنظومة التربوية الّتي يجب إصلاحها في اتّجاه تخريج جيل جديد ممّن يربّون منذ نعومة أظفارهم على قيم المواطنة والحرية والمساواة. والحديث يطول في إصلاح هذين المنظومتين…

 

الهوامش

1انظر مقالنا: “لماذا نجح قيس سعيّد بهذه الفصحى؟“، حروف حرّة، العدد الأوّل، مارس 2021، ص.7.

 

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد الثامن، أكتوبر 2021، ص ص. 6-7.

للاطلاع على كامل العدد:  http://tiny.cc/hourouf8

 

 

 

Please follow and like us:

اترك رد