ثورة 2011 وانقشاع الأوهام (الجزء الأوّل)

 

المصدر: nawaat.org

 

بقلم: حمزة عمر

مرّت أكثر من عشر سنوات على ثورة 2011، ولا شكّ أنّها كانت حافلة بالأحداث: فرار بن علي، القصبة 1، القصبة 2، انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، اغتيال شكري بلعيد ومحمّد البراهمي، الحوار الوطني، المصادقة على الدستور، المواعيد الانتخابية لـ2014 و2018 و2019، وفاة الباجي قائد السبسي…

فضلا عن الأحداث، كانت العشريّة الأخيرة حافلة بالآمال. لمّا فرّ بن علي، ظنّ العديد من أبناء الشعب التونسي أنّ عهد الظلم والقهر والقمع قد ولّى إلى غير رجعة. لكن مع مضيّ الزمن، ما فتئت هذه الآمال تتبدّد شيئا فشيئا. ومع أزمة الكورونا وعجز أجهزة الدولة الفاضح عن معالجتها وما صحبها من تردّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي، بلغ الإحباط أعلى مستوياته.

مع إعلان الرئيس قيس سعيّد تفعيل الفصل 80 من الدستور، سرت حالة من الاستبشار لم نعهدها منذ فترة طويلة في الشارع التونسي، وهو ما تشير إليه استطلاعات الرأي الأخيرة التي رأى فيها حوالي ثلاثة أرباع التونسيين أنّ البلاد تسير في الطريق الصحيح. على أنّه يجدر اعتبار 25 جويلية قطيعة مع كامل المسار الذي سارت فيه البلاد منذ 2011. فبغضّ النظر عن مآل هذه الإجراءات، فهي تمثّل تحرّكا لشخص واحد يلبس جبّة المنقذ ويماهي بين إرادته وإرادة الشعب دون رقيب عليه في مقابل مسار مؤسساتي وضعه دستور 2014، على علّاته، من المفترض أن تتوازن فيه جميع السُلط المؤسّسة القائمة (بشكل مباشر أو غير مباشر) على المشروعية الشعبيّة.

بهذا المعنى، يشكّل 25 جويلية رجوعا، وإن كان مؤقّتا، إلى حكم الفرد وذلك بمباركة الشعب وتهليله. لا يمكننا إلّا نسجّل فشل المسار الّذي انطلق منذ 2011 برمّته. هذا الفشل كانت له بوادر منذ وقت سابق، ربّما لم ننجح في استقرائها في حينها.

وهم الثورة من دون قيادة

منذ الأيّام الأولى التي تلت 14 جانفي، تكاثرت التحاليل المنبهرة بهذه الثورة الأفقية التّي لم يقدها أحد بعينه، وإنّما انخرط فيها الشعب التونسي بمختلف أطيافه بشكل عفوي. إن سلّمنا بذلك جدلا، فإنّ غياب القيادة قد يكون ميزة في فترة الهدم، لكنّه يتحوّل إلى عائق كبير وقت البناء. في الفترة الأولى الّتي اقتصرت فيها الثورة على الأفعال الاحتجاجية، قد يكون غياب القيادة قد أربك النظام الّذي لم يعرف من يواجه بالضبط: هناك محتجّون في الشوارع، لكن من يحرّكهم وينظّم خطواتهم؟ أمّا بعد أن فرّ بن علي، كانت هناك حاجة إلى أن يكون هناك حوار حول ما يجب فعله، وهذا الحوار لا يمكن أن يقوم به كائن هلامي اسمه “الشارع” أو “الشعب”.

يمكن أن نلمح هذا التخبّط من خارطة الثورة في مسألة جوهرية في 2011: من الّذي سيقود المسار الانتقالي آنذاك؟ اعتصاما القصبة كانا بوضوح ضدّ مشاركة أركان النظام السابق في هذا المسار، وحتّى بعد التحوير الّذي أجراه محمّد الغنوشي على حكومته، ظلّ هناك إصرار على إسقاطها إلى أن سقطت فعلا. لكن لم تعوّضه شخصيّة تتمتّع بأيّ قدر من المشروعية الثورية، بل عوّضه الباجي قائد السبسي الوزير في عهد بورقيبة ورئيس مجلس النواب في عهد بن علي. المثير للانتباه أنّ مطلب إسقاط الحكومة خمد بعد هذا التعيين. لماذا حصل ذلك؟ أيملك قائد السبسي مشروعية لا تتوفّر في محمد الغنوشي؟ في الحقيقة، كان لقائد السبسي قدرة على عقد الصفقات لم يملكها محمّد الغنوشي رجل الاقتصاد التكنوقراط المرتبك أمام الذي يحصل. كان يكفي لقائد السبسي أن يجلس مع اتّحاد الشغل واتّحاد الأعراف وأهمّ الأحزاب ليضمن استمراريّة حكومته إلى حين إجراء الانتخابات.

طبقة سياسية قاصرة

يمكن أن نعتبر أنّ الثورة “صودرت” منذ ذلك الحين، إذ أنّها لم تعد ملكا للشارع، وإنّما لمن يتنافسون على استلام السلطة ويتفاوضون/يتنازعون في هذا الصدد. بعد عقود من التصحّر السياسي، لم تكن لدينا طبقة سياسية قادرة فعلا على أن تقوم بأعباء المرحلة وتعبّر عن مطالب فئات الشعب. فجأة تصدّرت المشهد السياسي أحزاب بعضها لم يكن في الأمس القريب قادرا على تنظيم أصغر اجتماع دون ضغوط كبيرة، وبعضها كان متشتّتا بين العمل السرّي والمنفى، وظهرت أحزاب أخرى كالفقاعات. لم تكن لمختلف هذه التشكيلات حتّى الفرصة لكي تنظّم صفوفها وتبني هيكلة صلبة، بما أنّ الموعد الانتخابي كان قريبا للغاية، فمالت إلى الارتجال في عملها، وهو ما أنهكها وأدّى بعدد كبير منها إلى الانهيار، سواء كان ذلك مباشرة بعد انتخابات أكتوبر 2011 أو بعد حين.

سرعان ما اكتشفت القوى الجديدة، وخصوصا من صعد منها إلى الحكم وظلّت جزءا من السلطة طوال هذه الأعوام، على غرار حركة النهضة، ميزات الموقع الّذي تبوّأته وخاصة لمّا تبيّنت أنّه لا محاسبة تذكر على ما أنجز أو ما لم ينجز. يكفي أن تجترّ مقولة “لم نحكم بمفردنا” لتتفصّى من كلّ شيء ولا يتحمّل المسؤولية أحد. ربطت هذه القوى علاقاتها مع أصحاب المصالح والمتنفّذين لتتمعّش من المنظومة (“السيستام”) كما تشتهي، معوّضة الفساد السابق الذي كان شديد التمركز حول عائلة الرئيس الأسبق بفساد معمّم يمكن فيه لكلّ صاحب نفوذ، وكذلك لكلّ فئة أو قطاع منظّم (كالنقابات والتنظيمات التجارية والمهنية) بشكل يسمح له بالضغط على الدولة متزايدة الوهن، أن يحقّق ما يشاء من مكاسب له ولدائرة علاقاته، حتّى لكأنّ الديمقراطية أضحت تعني لدى الكثيرين حقّ الجميع في الاستفادة من الفساد.

ما الّذي يريده الشعب؟

كان من الصعب على “الشعب” أن يقف في مواجهة السيل، وفي الحقيقة أنّه عكس المقولات الشعبوية من طينة “الشعب يريد ويعرف ما يريد”، لم يكن يبدو انّ “الشعب” واع فعلا بما يريده. لئن كان شعار “شغل، حريّة، كرامة وطنية” من أكثر الشعارات التي رفعت في فترة الاحتجاج، فأنّ مضمونها لم يكن واضحا بالمرّة. مثلا، لِمَ يقع فصل الشغل عن الكرامة في حين أنّه ليس إلا وسيلة لتحقيقها؟ وما الشغل المقصود، إذ يبدو أنّ الكثيرين أرادوا به “مسمارا في حيط” في الوظيفة العمومية وهو ما تعجز الدولة -بداهة- عن ضمانه؟ وما الحريّة التي نبغيها وما حدودها؟ هل يمكن حدّها مثلا بـ”المعلوم من الدين بالضرورة” أو بعدم الاعتداء على المقدّسات؟ وما الذّي تعنيه حقّا عبارة “الكرامة الوطنية” إذا كان النجاح في استجداء الهبات والقروض إنجازا عظيما يُقابل بالتهليل؟

هذا الالتباس حول ما يريده الشعب أتاح صعود العديد من الشعبويين، بدءا بالعريضة الشعبية في 2011 وانتهاء بالرئيس الحالي. لا يملك الشعبويون حلولا حقيقيّة في مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الّتي تغرق فيها البلاد، وإنّما يملكون مقولات شديدة التعميم يلوكونها في جميع المناسبات، وإن فضُل بعضهم الآخر فذلك بفضل بلاغته أو إحسانه استغلال نفاذه إلى المنابر الإعلامية، لا لامتياز برنامجه، إن وجد.

ربّما تجد خيبة الأمل في واقع ما بعد الثورة أجلى انعكاس لها في تراجع نسب المشاركة في الانتخابات منذ 2011. وفي حقيقة الأمر، فإنّ آلية الانتخاب نفسها عجزت أن تكون تعبيرا صحيحا عن الإرادة الشعبية إذ أنّها لم تعد أن تكون وسيلة تقنيّة في بناء مؤسساتي شديد الشكلانية طغى على كامل المسار.

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد السابع، سبتمبر 2021، ص.ص. 10-11

للاطلاع على كامل العدد: http://tiny.cc/hourouf7

Please follow and like us:

اترك رد