هل أنّ الرأسمالية اختراع أوروبي؟

الأنثروبولوجي البريطاني جاك غودي (1919-2015). المصدر: marefa.org

بقلم: فهمي رمضاني

مثّل انتقال أوروبا من العصور الوسطى المتسمة بسيطرة الكنيسة والنظام الإقطاعي إلى العصور الحديثة التي صاغت تصورا جديدا للعالم تحولا جذريا أعلن عن ولادة تحولات فارقة أسهمت في انبعاث مفاهيم جديدة في الفكر والسياسة وخاصة في الاقتصاد. فقد أدت حركة الاكتشافات الجغرافية الكبرى التي قامت بها أوروبا منذ القرن الخامس عشر إلى توسّع مجال التجارة العالمية وبداية تراكم رؤوس الأموال وتطور الصناعة ووسائل المواصلات، وبالتالي بداية ظهور البوادر الأولى لنظام اقتصادي جديد سيفرض سيطرته على العالم قاطبة وهو النظام الرأسمالي.

وقد أدّى ذلك إلى ظهور قراءات متعلقة بالتاريخ الاقتصادي، اعتبرت أن “الاقتصاد – العالم” انطلق من أوروبا خلال القرن السادس عشر زمن انفتاحها على العالم وبداية مراكمتها لرؤوس الأموال، فتم التركيز بذلك على اقتصاد العالم الأوروبي ودوره في اختراع النظام الرأسمالي ضمن قراءة مركزية للتاريخ قائمة على سردية معينة تعلي من الدور الحضاري لأوروبا وتقصي الشعوب والحضارات الأخرى. فالقراءة الماركسية مثلا للتاريخ ترى أن النظام الإقطاعي الذي ساد في أوروبا طيلة العصور الوسطى أدّى الى بروز النظام الرأسمالي، وذلك ضمن تمثّل خطّي للتاريخ متمركز حول أوروبا. أما القراءات الأخرى، فقد أكّدت على تفرد أوروبا باختراعها للنظام الرأسمالي، حيث تم التأكيد على أن الرأسمالية قد ظهرت في شمال غرب أوروبا في بريطانيا وهولندا في القرنين السادس عشر والسابع عشر وتحولت من رأسمالية تجارية فصناعية ثم مالية، وبالتالي تم التركيز على أن الرأسمالية اختراع أوروبي محض متعلق فقط بالعالم الغربي.

بيد أنّه ومع تقدم الدراسات الما بعد كولنيالية التي وجهت النقد للعديد من السرديات الغربية، وجب اليوم إعادة النظر في التاريخ العالمي وتجاوز مقولة الاختراع الغربي للرأسمالية التي تبقى ثمرة سيرورة تاريخية طويلة تعود للألف الثانية ما قبل الميلاد أسهمت فيها شعوب وحضارات مختلفة في المجال وفي الزمان، الأمر الذي يقودنا الى طرح تساؤلات عديدة حول الظروف التاريخية الممكنة المؤدية الى نشوء الرأسمالية و حول إمكانية تكوّن الرأسمالية خارج الفضاء الأوروبي وأخيرا حول عوامل تحوّل القارة الأوروبية فقط الى الرأسمالية عكس بقية أجزاء العالم.

 

السردية الغربية لتاريخ الرأسمالية

تتأسس السردية الغربية لتاريخ الرأسمالية على تصور خطي قائم على تطور الرأسمالية عبر ثلاثة مراحل: الرأسمالية التجارية الماركنتيلية والرأسمالية الصناعية والرأسمالية المالية. ففي مرحلة أولى ارتبط ظهور الرأسمالية التجارية أو الماركنتيلية بحركة الاكتشافات الجغرافية الكبرى واتّساع مجال التجارة العالمية حيث فتح ذلك طرقا تجارية جديدة أمام التجار الأوروبيين وفرصا لتحقيق الأرباح من خلال استقدام السلع المتنوعة ومراكمة الثروات.

تميزت هذه المرحلة ببروز الامبراطوريات الاستعمارية القائمة على تكديس الثروات من العوالم الجديدة كالإمبراطورية الاسبانية والإمبراطورية البرتغالية. ولا ريب أن للتحولات الفكرية العميقة التي شهدتها هذه الفترة دورا أساسيا في تحفيز الرأسمالية التجارية، فقد أسهمت فلسفة التنوير التي تمجّد الثروة بدلا من إدانتها في تحفيز الناس على التجارة وجمع الأموال.

أما المرحلة الثانية، فتتمثل في ظهور الرأسمالية الصناعية في القرن الثامن عشر نتيجة الثورة الصناعية التي ميزت أنجلترا ثم دول أوروبا الغربية فيما بعد، حيث تم اكتشاف تقنيات جديدة للإنتاج واختراعات مهمة كالمحرك البخاري وآلة الغزل وقد تزامن ذلك كله مع ظهور الدولة القومية ونهاية عصر الامبراطوريات، الأمر الذي شجع البورجوازيات الوطنية على تكثيف الانتاج وتطوير الاقتصاد وقد ظهرت في هذه الفترة الحاجة إلى الاهتمام بمسائل الاقتصاد واكتشاف أصل الثروات وشروط وكيفية مراكمة رؤوس الأموال. وقد ظهر مؤلف عالم الاقتصاد الأسكتلندي آدم سميث “بحث في أصول ثروات الأمم” خلال فترة اتسمت بتسارع عجلة النظام الرأسمالي بصورة غير مسبوقة زمن التصنيع وتعاظم دور التجارة وانتقال الملايين للعيش في المدن والتطور التكنولوجي المذهل خاصة في وسائل المواصلات. وتمثل أهم فكرة لسميث هو أن السوق تعمل من تلقاء نفسها وبشكل طبيعي من خلال ما أسماه “اليد الخفية”.

تتمثل المرحلة الأخيرة في الرأسمالية المالية في القرن التاسع عشر وهي مرحلة عرفت ظهور المؤسسات المصرفية العالمية الكبرى والشركات القابضة فقد غير القرن التاسع عشر العالم حيث أصبحت أوروبا في ذروة نهضتها حاملة لحضارة كونية مزدهرة تسود العالم.

لئن ركّزت معظم السرديات الغربية على اختراع أوروبا للرأسمالية فقد حاول بعض المؤرخين فهم أسباب ظهور هذا النظام الاقتصادي في هذه الرقعة تحديدا من العالم وليس في غيرها.

إذ يرى ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني الذي درس أثر تصورات الدين على الاقتصاد أن الأخلاق البروتستانتية ساعدت على تكوين الرأسمالية الجديدة فقد بين أن البروتستانتية على عكس الكاثوليكية التي تمثّل “انفصالا عن العالم” عقيدة تهتم بمباهج الحياة وترى أنّ على الفرد أن يعيش باستمتاع واثارة ومجازفة، فقد أظهر البروتستانت ميلا لتطوير العقلانية الاقتصادية أي زيادة الانتاجية واستخدام أفضل للموارد وبمعنى آخر الكسب لأجل الكسب.

 كما يعتقد ماكس فيبر أن الدول البروتستانتية مثل بريطانيا وأمريكا تطور فيها الاقتصاد والصناعة بفارق شاسع عن الدول الكاثوليكية ويحلل ذلك بعلاقتها بالأخلاق البروتستانتية ليستنتج اخيرا بأن التصورات الدينية هي محرك أساسي للسلوك الاقتصادي.

أما المؤرّخ الفرنسي فرناند بروديل صاحب أطروحة “المتوسط والعالم المتوسطي زمن فيليب الثاني” فإنه يتحدث عن فرادة المسار الأوروبي وسهولة دخول الممارسات الرأسمالية وتبنيها من قبل السلط السياسية لأنها لم تتعارض مع الذهنيات البورجوازية السائدة التي تشكلت منذ العصور الوسطى زمن صعود المدن التجارية الإيطالية مثل البندقية وبيزا وجنوة وفلورنسا وسيطرتها على الاسواق الخارجية.

لكن هل أن الرأسمالية اختراع أوروبي كما يعتقد ماكس فيبر وماركس وكثيرون؟ أم إننا نجد جذورها في الحضارات الآسيوية والشرقية والأمريكية؟ أليست الرأسمالية ثمرة سيرورة تاريخية طويلة تعود الى الألف الثانية قبل الميلاد؟

تاريخ الرأسمالية: تاريخ متشعب ومتنوع الجذور

لقد بينت عديد الدراسات وعلى رأسها دراسة الأنثروبولوجي جاك غودي “سرقة التاريخ أو كيف فرضت أوروبا قصة ماضيها على العالم” أن الرأسمالية هي الثمرة الطبيعية للتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي التدريجي والمتتابع الذي عرفته الشعوب والحضارات خلال قرون طويلة.

فقد عرفت عديد الحضارات غير الأوروبية بوادر تشكل النظام الرأسمالي، إذ كانت الصين في عهد سلالة السونغ (1127-1279) دولة ذات سلطة سياسية مركزية نجحت في القيام بتحديث اقتصادي كبير أدى الى توسع مجال تجارتها الخارجية وازدهار سوقها الداخلية، كما قامت باختراعات وتجديدات تكنولوجية هامة من خلال جلب أدوات فلاحية واختراع نظم جديدة في الري والزراعة والحرف هذا بالإضافة الى تطور تقنيات الملاحة لديها.

 ويرى البعض أن المنطقة الصينية المتمركزة في دلتا نهر يانتزي كانت لها مستويات انتاج واستهلاك تساوي أو تفوق انجلترا الى حدود القرن السابع عشر، فالمسار الصيني هو المسار الطبيعي لصنع الثروات ومراكمتها إذ هو قائم على ازدهار السوق الداخلية والتجارة بعيدة المدى وتطور التقنيات وبالتالي إمكانية التحول نحو النظام الرأسمالي. قد بيّن جاك غودي في كتابه المذكور سلفا أن أوروبا قد جلبت التقنيات التجارية والمالية من الحضارات الآسيوية وعلى رأسها الصين.

أما بلاد الرافدين فقد شكلت هي الأخرى حضارة اعتمدت على تنظيمات سياسية قوية ظهرت في شكل دولة مركزية وتجارية تعتمد على التجارة بعيدة المدى في الفضاء المتوسطي والشرق القديم كما استندت الى أسواق رأسمالية ووسائل انتاج متطورة.

عرفت كذلك هذه الحضارة اختراعات وتجديدات اقتصادية أسهمت بحظ وافر في تثوير البنى الاقتصادية مثل الناعورة والمحراث. وعموما فإن ما يؤكد عليه جاك غودي هو أن الممارسات الرأسمالية والبحث عن الربح هي رغبات موجودة منذ القديم ولدى عديد الحضارات فهي ليست حكرا على القارة الأوروبية لكنها لم تتحول الى شكل رئيسي لتنظيم المجتمع إلا حينما تم التملك الفردي لوسائل الانتاج وظهور الأسواق الحرة في العصر الحديث وخاصة ظهور ما يسمى باقتصاد السوق.

لا ريب في أنّ تاريخ الرأسمالية متشعّب ومتعدد الجذور، اذ يجب البحث في تاريخ ظهور الممارسات الرأسمالية الأولى ودور الحضارات الانسانية جمعاء في تشكل النظام الرأسمالي العالمي حتى نفهم العديد من الإشكاليات التي لا تزال الى اليوم تثير نقاشا حادا بين المؤرخين والمفكرين وعلى رأسها أسباب تحول القارة الاوروبية فقط الى الرأسمالية وعجز بقاع أخرى عن اختراع أنظمة اقتصادية أكثر تطورا.

صدر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد الثالث، ماي 2021، ص. ص.6-7.

لتحميل كامل العدد:  http://tiny.cc/hourouf3

Please follow and like us:

اترك رد