في الشعب والديمقراطيّة

بقلم: إبراهيم خليفي

يبدو أن مساءلة الديمقراطية تقتضي في البدء تفكيكا لمفهوم على هيئة بنية مركبة. فالسؤال عن إمكانات الديمقراطية كنظام حكم هو سؤال بالضرورة عن محكوم نوعيا هو الشعب. لذلك فالقول في الديمقراطية مسبوق بالقول في الشعب. قد يقتضي اعتبار الشعب بدوره مقاما غير ذي تحديد نظرا لتباين السياقات الممكنة للقول أنّ هذا الشعب هو عينه. وبالتالي فإن له استعمالات حسب المقام ويصبح الإشكال الرئيسي في الفرق بين المجموعات التي يقال عنها شعب، وهنا يُدفع به إلى تساؤلات في علاقة بالكينونة أولا وبالوضع ثانيا أي من جهة السيادة والحكم: وهنا يمكن الارتباط الوثيق بين الشعب والديمقراطية على ألاّ يكون شعبا إلا ما كان مجموعة بشرية تُحكم ديمقراطيا. فنشير منذ البداية إلى ديمقراطية الشعب بين الإمكان واللاتقرر من خلال الأصل الاشتقاقي للكلمة، إذ ليس ثمة إمكان لفصل المفهومين كل على حدة والحال أن الديمقراطية نفسها لا تقال إلا وجه الإرتباط بما يسمى شعبا بما أنها في دلالتها حكم الشعب.

ما الذي نعنيه بالديمقراطية؟ وماهي علاقتها بالشعب؟ ماهي السياقات الممكنة للقول عن مجموعة أفراد أنها شعب؟ ما مدى إمكانات سيادة وحكم الشعب كتجسيد حقيقي للديمقراطية؟ وما المأمول في نظام ديمقراطي في علاقة بالسيادة والاجتماع؟

تجدر الإشارة مسبقا أن هدفنا في هذا البحث يتعلق بالنظر في مرحلة أولى في الصياغات الممكنة لكناية مجموعة ما بلفظ الشعب، وفيها نرصد خاصيات التعريف فَرْقاً بين ما هو الشعب وما ليس هو شعبٌ في علاقة بالفعل. وفي مرحلة موالية نعتزم توضيح حضور هذه الممارسة بماهي تجسيد شرط إمكان الحكم وتحقق سيادة هذا الشعب وبالتالي الديمقراطية كنظام ممكن الحضور.

إذا دأبنا على أن مفهوم الديمقراطية مفهوم مركب من لفظين، أي الشعب والحكم، فإنه يتحتم علينا تحديد دلالة كل منهما. هذا وإذ يرد في موسوعة “اينيفرساليس” تعريف الشعب كالآتي: ” من اللسان الفرنسي peuple والأصل اللاتيني populus: مجموعة أفراد يكوّنون جماعة تتعايش ضمن نفس المجال هو المدينة أو civitas وفق نظام ما، ولفظ الشعب دون شك هو أحد المعاني السياسية التي تمتلك أحد ابلغ الشحنات الرمزية وهو لا يحمل دلالة خارج الحقل السياسي. أما الديمقراطية التي تتألف من كل من لفظ الشعب والحكم فيقدم معجم المعاني الفلسفية فيها التعريف الآتي: الديمقراطية من الاشتقاق الإغريقي Demos ويعني عامة الناس وCratos أي الحكم، والديمقراطية هي نظام سياسي يُفهم حسب التعريف التقليدي بالصيغة التي يعطيها ابراهام لينكون (رئيس الولايات المتحدة السادس عشر بين 1861 و1865) على أنها حكم الشعب بالشعب، أو حكم الشعب بنفسه وللشعب.

لماذا القول بأن الديمقراطية تعرّف بأنها حكم الشعب والحال أن جزء اللفظ الأصلي يعني عامة الناس؟

ذلك يرجع إلى أنه في اللسان الإغريقي يقع التفريق بين معان ثلاث لعامة الناس أو لما سنقول عنه لاحقا الشعب: أولا المعنى السلبي Pléthos والتي يقابها الجماهير أو الحشود، أو الأغلبية فعند هوميروس يعني مصطلح بليتوس الأغلبية التي لا تحوز أي فضيلة والتي تشكل الجماهير العمياء. ثانيا المعنى الإيجابي أي Demos وظهر ذلك في القرن 5 قبل الميلاد مع بيركليس، ونقول عنه إيجابي بإعتبار أن الشعب قادر على تحديد اختياراته بطرق عقلانية بالرغم من النوازع التي تعتريه. أما المعنى الثالث، وهو أفلاطوني، هو plébes أي العوام، وهم أهل الدوكسا، أو الرأي، أي الذين يبنون معرفتهم بالأشياء انطلاقا من الرؤية الأولية للعالم الحسي، أي انعكاس الحقيقة.

بناء على هذا فإن الديمقراطية إذن هي حكم الشعب بالمعنى الإيجابي للفظ، أي القادر على تحديد خياراته، ومن هنا يكون التساؤل عن الكيفية التي يمكن من خلالها التمييز بين المجموعة التي يجب القول عنها شعبا مادامت ليست كل مجموعة، على ما يبدو، يمكن اعتبارها شعبا. فماهي السياقات الممكنة للقول عن مجموعة أفراد أنها شعب؟

يمكن طرح فرضيات متباينة في تعريف لفظ الشعب، كأن نضع الأمر بديهيا أنه متعلق بمجموعة أفراد، لكن يبقى وضع هؤلاء الأفراد هو الإشكال. بمعنى آخر أيّ وضع للأفراد حتى يمكن القول عنهم أنهم شعب؟ هنا في بادئ الأمر نتجه إلى فرضية وجوب حضور مفهوم الدولة ككيان سياسي: إذ ليست أي مجموعة تتواجد علائقيا يقال عنها شعب، بل وحتى في الظاهر كل مجموعة أفراد تتواجد علائقيا ووفق نظام سياسي. يطرح ذلك فرضيات أخرى في التمييز بين ما سيسميه باديو لاحقا الشعب الرسمي ونقيضه، أي المزيف وهنا بالأساس يحدد حضور الدولة من عدمه دورا في إكساب ما نسمّيه بالشعب في اعتباره رسميّا كشعب، بمعنى أننا أمام مفارقة تخص جملة من الأفراد، في مكان ما وزمان ما، من حيث إمكان اعتبارهم شعبا من عدمه.

إننا بكناية الشعب أولا، نسعى إلى فكّ اللبس عن خلط اعتبار المجموعات التي تنشئ علاقات فيما بينها من كونها حشودا، أو جماهير، أو عامة، أو حتى شعبا ونحن الذين اعتبرنا أنْ لا إمكان لنصفه بالشعب إلا المتواجد داخل دولة ويفرض بالممارسة استحقاقا. ما الشرط السابق للدلالي إذن في قول فصلٍ في الشعب؟

يمكن أن يكون الشعب هو-هو انطلاقا من عملية تكوين العبارة نفسها لغويا، بمعنى أن اللغوي نفسه يعدّ شرطا ايتيقيا في اعتبار الشعب شعبا، وهكذا فالشعب هو حاصل هُوويّ انطلاقا من اللغة قبل الفعل، إلا أن السؤال يظل دائما عمّا هو الشعب كيفا من جهته اللغوية هذه. ذلك بتطويع كلمة الشعب على أساس فعل كلامي ينتج عملا أثناء نطقه، كأن نقول نحن الشعب فنقول عمليا تظاهرا، تمردا، عصيانا ومقاومة وغيرها من المعاني التي تحيل على الممارسة. إن قول »نحن الشعب«، هنا وبهذا المعنى، هو أولا وقبل كل شيء فعل تسمية ذاتية وتكوين ذاتي. كأن يقول أحدهم »نحن« في الوقت الذي يقول فيه آخر، ثم بالمعاودة  تقولها المجموعة معا، وبهذا، يسعون إلى التكون »كشعب «. هكذا، وعبارة عن فعل كلامي، تكون كلمة »نحن الشعب« نطقا يسعى إلى إظهار التعددية التي [تُكْسبها] تسميتها. إنها لا تصفها، وإنما تسعى إلى جعلها موجودة. فهي إذن شكل تكون ذاتي لغويا يعمل داخل »نحن الشعب«.

تقول جوديث بيتلر ” »نحن الشعب « هي بكل تأكيد بداية تصريح لغوي طويل المدى، يعبر عن مطالب أو عن رغبات، أو يعلن عن حركات قادمة ومطالبات سياسية. إنها مقدمة تفتح السبيل إلى مجموعة تأكيدات مخصوصة، أي بداية جملةٍ تُهيئ لمطلب سياسي مهم”1. لماذا القول أنه تصريح لغوي طويل المدى؟

إن الظروف الزمنية حيث ينخرط الفعل الكلامي، تسبق وتتعدى، في آنٍ، لحظة النطق. بمعنى أن مجموعة الجمع المسمّى بهذه الكلمات لا يمكن أن تتجمع في نفس المكان ولا التحدث في نفس الوقت، حتى على الرغم من تجلي الظاهرة في كلٍّ من المكان والزمان. ومهما يكن الزمان والمكان حيث تُعْلَنُ السيادة الشعبية -سلطة التشريع الذاتي للشعب-فلا يتعلق الأمر على وجه التدقيق بلحظة بل بسلسلة أفعال كلامية وهكذا فالقول »نحن الشعب« لا يفترض ولا يصنع وحدة ولكن يؤسس سلسلة مناظرات حول طبيعة الشعب وحول وما يريده.

هكذا فالإقرار»نحن الشعب« في مرحلته اللغوية هو عبارة نستعملها لرمزية شكل سيادة شعبية مشترطين أن يقدر الأشخاص على الفعل معًا من أجل أن تحصل التسمية، ومن أجل أن يتجمعوا في شكل سياسي جمعي مدركين أن التكوين الذاتي هو مسار جماعي ومشترك. إن العبارة لا تقول من هؤلاء الأشخاص، ولكنها تبين شكل التكون الذاتي أين تتم المناظرة لمعرفة من هم ومن يجب أن يكونوا.

هذا التكون الذاتي هو بداية حكم الشعب بذاته، فهو بهذا المعنى يعبر عن إرادة بعينها ومطالبة ما، وهذه الإرادة بدورها تظل منقوصة نظرا لكون ” نحن الشعب” هذه تبقى في مستوى لغوي وذلك يقتضي حضورا ملموسا ونقصد تمَوْقع الجسد داخل الفضاء العام. هذا ونعني به الفعل الكلامي، فذلك يتطلب جسدا كعضو للقول، يكون شرطا عضويا ووسيلة لهذا القول. إن الجسد لا يتحول إلى فكر خالص عندما يتكلم، بل إنه يمثل الشروط العضوية للتلفظ. وإذا كان القول يُفهَمُ بشكل مقيد على أنه فعل صوتي، فليس هناك قول دون عضو للقول، وليس هناك فعل كلامي بدون لا شيء عضوي.

هكذا، وبنفس الطريقة، لا يوجد فعل لغوي خالص دون أفعال جسدية، فلا توجد لحظة فكر مفهومية خالصة منفصلة عن شرطها العضوي. ومما يخصص معنى عبارة «نحن الشعب»: هو أن العبارة سواء مكتوبة في نص أو منطوقة في الشارع، فهي تعني تجمعا على وجه فعل، والذي يُسمّى ويتكون. في هذا الفعل، تعمل هذه الأخيرة على نفسها، مع شرط تعدد الأجساد المتأصل، سواء تم التعبير عنها بالكلام أو لم يتم. هذا الشرط الجسدي، الجمعي والديناميكي، هو بعد تكويني لهذه اللحظة.

إن تشكل الأفراد على نحو جمعي يكسبهم وصف الشعب، ذلك أن الاجتماع هو صفة الشعب الأولى بما هو بداية الممارسة التي ترتبط بدورها بمفاهيم أخرى من قبيل الحق، العدالة، الحياة. إذ لا يمكن من هذا المنطلق الحديث عن مفاهيم من قبيل الحق دون المرور بحرية الاجتماع باعتبارها المفهوم المؤسس لديمقراطية الشعب، إذ يحيل هذا الأخير في هذه الوجهة على إمكانات كينونة، هي كينونة الشعب، على أنه لا يكون عينه إلا بتحصيل حرية الاجتماع من منطلق الممارسة الملموسة للفعل.

إذا كان القول بالشعب قولا ملموسا، فإن ذلك لا يقف عند اللساني بل إنه بنفس الإمكانات حضور جسدي صاخب: حيث يلعب الجسد دور المحرك لغويا وحيويا على حد السواء باعتبار أن الشعب أولا هو جملة أجساد تتعاضد وتكون جبهة مقاومة بالاجتماع، ضد الانتهاكات السياسية التي من شأنها أن تؤثر بالنسيان على معنى الشعب. إن الشعب حركة حياة يتحقق من خلاله الاجتماع بفرض تعريف مميز للأجساد، أين يضمها المكان والزمان بصيغة الجمع ويصبح مفهوم الشعب ديمقراطيا أساس الحرية والحق والحياة، وتكون الإشارة في ذلك خاصة إلى معنى الحياة بمعناها السياسي كميزة اختلاف، حياة جديرة بالاستمرار بفرض وجهة للثورة، تتميز عن العيش باعتباره هو الآخر شكل استمرار حيوي غير ذي نوعي، بل أكثر من ذلك حياة الجسد المقاوم، المُتموْقع اجتماعيا ضمن خط مقاومة لكل أشكال الانتهاك ضد العدالة بمعانيها المختلفة والهشاشة وتناول الحق بوجه غير محمل الجد.

إذا كان الشعب بهذا المعنى هو الذي ينتظم وفق نظام سياسي والذي يؤكد بالقول والفعل موقعا داخل النظام السياسي وموقفا بقدرته على الاجتماع والتعبير، فهل أن ذلك يعني أن ما كان شعبا هو فقط أغلبية مسموعة داخل الدولة؟ ألا يمكن أن تكون الحشود الخارجة عن النظام مهما كان نوعه ونوعها شعبا؟

ليس أنسب في هذا السياق من إقرار آلان باديو الآتي: “إن [ما نقول عنه] »شعب« ، في الديمقراطيات البرلمانية خاصة، قد أصبح في الحقيقة فئة الحق في الدولة. و بالصورة السياسية الزائفة للتصويت، »الشعب« المتكون من مجموعة ذرات بشرية”2.

إن هذا لا يزيد إلا عمق الشكوك على معنى الشعب، إذ هي تطرح بدورها شكوكا على مفاهيم أخرى تحايثه، أولها الحق، باعتباره ما به يعرف الشعب وهو إمكان يتقوم حسب الاتفاق عما نسميه شعبا، ذلك أن وصف الشعب ليس وصفا يتقوم بمعزل عن هذا المفهوم وإنما يعود إلى ضرورة إعادة النظر فيه لكونه متعين حسب التقويم السياسي لدولة ما للتجمع البشري.

ثمة في هذا الصدد معنى للحديث عن «عامة الشعب» بالمعنى الإغريقي pléthos، باعتبار أنهم ما يُعتبر، في نظر الدولة، الطرف الهجين. ونحن في تعريفنا هذا نصبح على حافة الموضوعية الاجتماعية والاقتصادية. إذ أن المجتمعات الديمقراطية تكوّن نواتها بمعزل عن الكتلة المغيبة من البروليتاريين والأقليات الهشة من جهة مشاركتها في الدور السياسي ونشاط إدارة الشأن العام، أما المجتمع الموجود نفسه، كما تعتبره الدولة، فمتكون من خليط من الأرستقراطية الوراثية والأثرياء. ومن هنا يصبح من المشروع الحديث عن «شعب» فيما يخص هذا المجموع، بقدر ما ليس له الحق، في نظر الدولة، في الاعتبار الذي يتمتع به الشعب الرسمي.

إن سيادة الشعب بهذا المعنى هي سيادة طبقة دون أخرى، خاصة في ظل نظام ديمقراطي تمثيلي، يمثًل طبقة منتخِبةً دون أخرى، مما يقتضي تعرية الزيف السياسي في تسمية الشعب من جهة أنه لا يمكن أن يكون خاصية تجمع بشري داخل دولة، وفق نظام وقانون ومؤسسات، أي ما تسميه الدولة سياسيا شعبا. وإنما يكون الأحق تسمية الشعب، جملة التجمعات على أساس عرقي، قبلي أو عمالي خاصة والتي تتواجد خارج الإطار السياسي للتجمع، أي الدولة. ويؤكد في ذلك قول آلان باديو: “إذا كانت السيادة لدى روسو مازالت تلك التي تَنتُج عن تجمع شعبي فعال وحَيٍّ -ولنتذكر أن روسو يعتبر البرلمانية الإنجليزية بمثابة تدجيل-، فمن الواضح اليوم أن هذه السيادة، بكونها تعدد آراء عاطلة ومبعثرة، لا تُكَوِّنُ أي موضوع سياسي حقيقي” 3

لما كان الموضوع السياسي في جوهره موضوعا نشيطا وفاعلا، بمعنى أنه في الأصل مقاومة، فإنه يتّضح، أوليا، أن الشعب ليس وصفا رسميا بقدر ما هو جوهر نتاج للمقاومة يكون الشعب فيها سلطة مقاومة لسلطة كيان سياسي ورغبة في انتزاع التسمية التي أصبحت حكرا على الدولة تحت الاعتبار الرسمي الذي يفصل القول فيما يخص المسمى شعبا عما سواه. وهكذا نتبين جدارة التسمية من جهتها الاجتماعية ليصبح الأدق بأن نبحث في الشعب خارج التعريف السياسي بل أكثر منه الاقتصادي وبالتالي في علاقة بالعمل ووسائل الإنتاج وحقوق العمال والأقليات…

من هذا المنطلق يصبح الأمر سؤالا عن مدى إمكان السيادة بدورها، أي هل أن الديمقراطية هي فعلا حكم الشعب دون استثناء؟ وإن يكن، فأي ديمقراطية هي ديمقراطية الشعب الذي كنا قد اعتبرناه معنى إيجابيا وفقا لقدرته على تحديد اختياراته؟

إذا كان الشعب الحر ديمقراطيا هو الشعب المدرك «أننا لسنا مضطرين إلا لطاعة القوة المشروعة» بعبارة روسو، فذلك يستوجب النظر في أساس المشروعية و [سؤال] التوتر الذي لا يمكن تجاوزه بين الشرعية والمشروعية. ومن واحدة لأخرى يظل النداء دائما مفتوحا. وإذا كانت الحرية هي «طاعة القانون الذي وضعناه»، فإنها تعني نفيها الخاص، اي «التنازل الكلي» من طرف كل شريك عن جميع حقوقه للمجموعة كلها، لأن «كل واحد يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد»، كذلك مثلما يؤكد روسو. من خلال وضع كل واحد شخصه تحت الوجهة السامية للإرادة العامة، وكل عضو يصبح «جزءا لا يتجزأ من الكل»، حيث يتكون شخص عام أو «جسد سياسي»، يسمى الدولة عندما يكون سلبيا ويسمى صاحب سيادة عندما يكون موجبا. إن الخضوع الطوعي إلى القانون غير الشخصي الصالح للجميع يحل إذن محل التبعية الشخصية والاعتباطي في النظام القديم. ولكن ذلك على حساب شمولية متفاقمة، تتعارض على الفور مع افتراضات العقد الليبرالية ومع الفردانية التملكية.

إن هذا العقد يضع هكذا بين المواطنين «المتساوين بالمواضعة وفي الحق»، مساواة معنوية ومشروعة، وهكذا فإن الإرتباط الأول للديمقراطية الحقيقية هو ارتباط مسألة الديمقراطية بمسألة الملكية.

إن فعل الارتباط هو «إلتزام متبادل» من العامة مع الأفراد. وهو يفترض أن كل متعاقد يتعاقد مع نفسه على أنه عضو من الدولة وعضو ذو سيادة، وهكذا يلزم نفسه تجاه الكل الذي ينتمي إليه. إلا أن طبيعة «الجسد السياسي» يعني بالتالي استحالة أن يفرض صاحب السيادة على نفسه قانونا لا يستطيع هو نفسه خرقه: «لا يمكن أن يكون هناك أي نوع من القانون الأساسي الإجباري بالنسبة لجسد الشعب، ولا حتى للعقد». بمعنى آخر، فإن العقد قابل للمراجعة دائما وأن السلطة التأسيسية غير قابلة للتنازل عنها. من هنا منطقيا، فإن حق التمرد هو الذي يملك قوة القانون، وتلك هي ديمقراطية الشعب الحقيقية.

ينتج عن هذا استحالة التمثيل، بما أن «صاحب السيادة، بهذا وحده، هو دائما ما يجب عليه أن يكون»4. إذا كانت السيادة ليست سوى «ممارسة الإرادة العامة»، فلا يمكن لها في الواقع أن يقع التنازل عنها. إن السلطة يمكن أن تُفوّض، أما الإرادة فلا وبالتالي فإن مهمة الشعب الحر هي تثوير الديمقراطية التي ظلت رهن الإتمام كي لا يتحول نقد الديمقراطية البرلمانية الموجود في الواقع إلى جهة الحلول السلطوية والمجموعات الأسطورية.

يتحدث رانسيار في هذا السياق عن «الفضح الديمقراطي». فيم يمكن أن تكون الديمقراطية فاضحة؟ بشكل دقيق لكونها يجب عليها، من أجل أن تدوم، أن تذهب دوما أبعد وتنتهك بشكل دائم نظمها الموضوعة، بأن تدفع الأفق وأن تضع المساواة تحت اختبار الحرية [للتحقق من إمكان مقاومتها]. لكونها تطمس دون انقطاع مشاركة السياسي والاجتماعي غير المؤكدة وتتحدى خطوة بخطوة انتهاكات الملكية الخاصة وتعديات الدولة على الفضاء العام والخيرات المشتركة. لأنها بالنهاية يجب أن تسعى بشكل دائم إلى توسيع التمكن من المساواة والمواطنة في كل المجالات. وإنما ليست هي عينها إلا ما كانت فاضحة إلى النهاية.

تتنزل كل هذه المفاهيم ضمن معنى واحد وهو ممارسة الحريات. هذه الممارسة إذا ما تقفينا تجسدها فسيكون من غير المنطقي الحديث عن ممارسة للحريات في أنظمة سياسية شمولية أو حكم استبدادي بل إنه كما ارتبط الحديث عن الشعب بالديمقراطية فهو يرتبط كذلك في الحديث عن الحريات بالديمقراطية، على أن الديمقراطية هي الفضاء الضامن للإرادة العامة بعبارة روسو، لممارسة الحريات والحقوق. وإذا كانت الديمقراطية في دلالتها الحقيقية ممارسة للحريات السياسية وانخراطا في الشأن العام، فإنها لا تخلو من بعد معياري: هو تحقق العدالة وضمان الحرية في الملكية وفي التعبير ومنه تحصيل المواطنة التي بدورها تعتبر أساسا لديمقراطية الشعب.

إن المواطنة لا تتحقق في إلا في ظل نظام ديمقراطي، هذا النظام الذي تكون فيه الإرادة العامة مصدر كل تشريع وتكون المصلحة العامة هي المحددة للقوانين ولممارسة السلطة ولكن السؤال الأساسي الذي لا نكفّ عن طرحه بعد روسو هو: كيف يمكن إيجاد ديمقراطية حقيقية؟ إنما الديمقراطية بهذا المعنى غاية منشودة دائما، مثل أعلى للوجود البشري عامة ولوجوده السياسي على وجه الخصوص إذ تحيل على المساواة والعدالة والنظام وهي كلها قيم أبعد ما تكون عن ملاءمة نوازع البشر وميولاتهم الأنانية لهذا يقول روسو ” لو وجد شعب من الآلهة لحكم نفسه ديمقراطيا. وإن حكومة كاملة لا تلائم البشر”.

يدفعنا كل هذا إلى التساؤل بدوره عن مدى استحالة القول بديمقراطية الممارسة ومنها الحق والمواطنة وغيرها من مفاهيم حاصلة عمليا كما عن مأمول الديمقراطية تلك بين الحضور والغياب؟

من الواضح أن “الشعب”، و”الحريّة”، و”التقدّم” هي العناصر الأساسيّة المكوّنة للديمقراطيّة. لكن إذا أفْلَتَ عنصر من هذه العناصر وانشقّ عن البقيّة ليصبح مبدأ منعزلاً ومتفرّداً، فإنّه يتحوّل إلى خطر يداهم الديمقراطيّة من الدّاخل، فإنّنا نتحدّث حينها عن “الأعداء الضامرين للديمقراطيّة”. يبدو أنّ مخاطر الديمقراطيّة ليست فقط وافدا خارجيا حتى تصبح شغفا كما يعبر عنه تودوروف، أي أن “يهزّنا الشغف الديمقراطيّ أملاً في الانعتاق من “قلق” الأنظمة المستبدّة ونشداناً للحريّة فكراً ووجوداً وأخلاقاً وسياسة. فالشغف الديمقراطيّ يحلّ حيثما غابت هذه الديمقراطيّة”5، بل هي مخاطر متأتية من فرضيّة عزل أو تمييز أحد مكوّناتها، فما يجمع بين هذه المخاطر الملتصقة بها على اختلافها هو حضور صورة من صور “الإفراط” و”التطرّف” و”المغالاة. وإذ يظل الخطر الرئيسي متأتٍّ من التحديد المفهومي للديمقراطيّة على أنّها “حكم الشعب”، فالشعب هو المحدّد لماهيّة الديمقراطيّة، لكن من تنقصه الفطنة في التمييز بين القرارات هو الذي يمثّل خطراً على الديمقراطيّة، فينخرط الشعب انخراطاً مباشراً في القرار تحت تأثير العاطفة وبعيداً عن العقلانيّة، ولعلّ حادثة إعدام سقراط استجابة لرغبة شعب أثينا وتحت تأثيرات البلاغة السفسطائية خير دليل على ذلك، وهذا الخطر يسميّه تودوروف الشعبويّة.

إلا أنه ورغم قصورها اللامختزل يبقى أفضل ما يُنسب إلى الديمقراطية هو ما ينسبه لها جاك رانسيار على أنها دائما فاضحة، لكأن قول الديمقراطية يتحد بحكم التعريف على أنها فعل فضح وتعرية.

الديمقراطية إذًا تتموضع موضع الوجه المقابل لنفس العملة مع الشعب بما هو في الأصل اجتماع أفراد وفق نظام سياسي يختاره، على أن لا إمكان لأن تكون مجموعة ما شعبا دون ديمقراطية. على هذا النحو إذن، تصبح المسألة السياسية في الديمقراطية مسألة تعبير، تعبير حر إذا ما اقتضى الأمر مقاومة وعصيان ضد كل نظام يقيد إرادة التعبير. وإذا كان المجتمع حرا وديمقراطيا بشكل معقول، وإن أمكن لكل فرد فيه أن يعبر، فلن يكون للمقاومة على ما يبدو موجبا لأن تكون. كما لو أن المعارضة، نوعا ما، لم يكن ليُعبَّرَ عنها على شكل المقاومة. إلا أن العصيان شكل مقاومة والمقاومة بدورها إذن لها مكانها جيدا في الديمقراطية كلما تعلق الأمر بضرورة فضح على الشكل المخصوص للعصيان المدني وللتعبير وللديمقراطية.

الهوامش

 

1Alain Badiou, Pierre Bourdieu et Autres, Qu’est-ce qu’un peuple, Paris, La Fabrique éditions, 2016, p.34.

2Ibid, p.4

3Ibid, p.7

4Jean-Jacques Rousseau, Le contrat social, Paris, Aubier, 1943, p. 187.

5Tzvetan Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, Paris, Robert Laffont, 2012. p.13.

 

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 13، مارس 2022، ص. ص. 8-11.

للاطلاع على كامل العدد: http://hourouf13.tounesaf.org

 

Please follow and like us:

اترك رد