الأغذية المعدّلة وراثيا: بين المنافع والمخاطر

تعد الأغذية المعدلة وراثيّا من الموضوعات الساخنة الّتي طغت على الأخبار الصحفية والعلمية في الآونة الأخيرة ، وقد تضاربت الآراء حولها ما بين مؤيد ومعارض، وعلى وجه الخصوص في الدول الأوروبية أين وجدت عدّة اعتراضات على الأغذية المعدلة وراثياً في صفوف منظمات ومناصري البيئة وفي الرأي العام عموما. وقد نشرت أبحاث ودراسات حديثة كانت محل خلاف وجدل عن تأثيرات وعواقب الهندسة الوراثية على الأغذية… ولما كانت هناك الكثير من التساؤلات والاستفسارات التي طرحت، إضافة إلى المطالبات بتكثيف الأبحاث والدراسة للتأكد من سلامة استخدام هذه الأغذية، ومطالبات أخرى بإنشاء نظم وإجراءات جديدة لتقنين التعامل مع الأغذية المعدلة بأمان، سأحاول التطرق لأهم المحاولات والقضايا مدار البحث وإيضاح بعض الجوانب المهمة حيال هذا الموضوع الحساس.
الأغذية المعدلة وراثياً هو مصطلح أصبح شائع الاستخدام يشير إلى النباتات التي يتم تخليقها للاستهلاك الآدمي والحيواني باستخدام أحدث تقنيات علم الأحياء، والهندسة الوراثية “هندسة الجينات”. والغرض من تحوير وتعديل النباتات في المختبر هو الارتقاء بالخواص المرغوبة من حيث الجودة وتحسين القيمة الغذائية، والمذاق وتوفير الإمداد الغذائي الكافي لسكان العالم. إضافة إلى زيادة مقاومة النبات للعوامل البيئية، والأمراض والآفات الحشرية التي تضر بالمحاصيل من عدة قرون، والحرص على حماية البيئة والحياة الفطـرية.

إن تحفيز الخواص المرغوب فيها كان قد تم الاهتمام به في محاولات قديمة من خلال العناية بالنباتات، وزراعتها ورعايتها بالطرق التقليدية المتعارف عليها لتحسين المحاصيل الزراعية باختيار السلالات الجيدة والتلقيح والتهجين، لكن تلك الطرق فيها هدر كبير للوقت والجهد والمال، وهي غير مضمونة النتائج، والتقنية الحيوية الجديدة هي امتداد للطرق التقليدية القديمة، ومن خلال الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية للنبات يمكن نقل عدد كبير من المعلومات الوراثية ( الجينية )، وبالتالي توفير نباتات حسب الرغبة من حيث المواصفات المطلوبة بدقة وبسرعة أكبر.
وسيكون التحدي الأكبر خلال السنوات القادمة هو توفير الموارد الغــذائية لسكان العالم الذين عرف عددهم زيادة كبيرة. إن الأغذية المعدلة وراثياً تعد بمواجهة هذا الاحتياج بعدة طرق، إضافة إلى الفـوائد الأخــــرى للتقنية الحديثة وأهمها ما يلي: إنتاج محاصيل زراعية مقاومة للأمراض، مقاومة المحاصيل للأعشاب، مقاومة الأمراض النباتية، تحمل الجفاف والملوحة، تحمل البرد والصقيع، إيجاد نباتات لإصلاح البيئة، ومقاومة أمراض الحيوان.
و في مقابل ذلك حذرت الهيئات الصحية والمنظمات الدينية وجماعات أنصار البيئة في العالم وغيرهم من العلماء، والدوائر الرسمية والمؤسسات المهنية من خطر الأغذية المعدلة جينيا، كما انتقدوا الأبحاث التي توصي بزراعتها من أجل طلب الربح بغض النظر عن تأثيراتها ومخاطرها، كما انتقدوا أيضاً الحكومات لفشلها في سن القوانين والتشريعات الكافية. ومعظم الاهتمامات التي تشغل بال الجميع حيال الأغذية المعــــدلة وراثياً تنصب على ثلاثة أمـــــــــــور هي:  الأضرار البيئية ـ المخاطر الصحية ـ الآثار الاقتصادية.
ولم تثبت الأبحاث العلميّة بشكل قاطع وجود مخاطر صحيّة لهذه المحاصيل،(ولو أنّ هناك شكوكا حول قيام اللوبيات المسيطرة على صناعة الغذاء في العالم بدفع مبالغ كبيرة للباحثين لتفادي نشر إثباتات لمخاطر الأغذية المعدلة وراثيّا). و رغم ذلك، فقد قامت بعض البلدان باتّخاذ إجراءات للحدّ من اللجوء إلى هذه المنتجات.
فهناك بعض الولايات في البرازيل التي قد منعت المحاصيل المعدلة، بل أنّ هناك قضايا ودعاوى قضائية تم رفعها لمنع استيراد المحاصيل المعدلة وراثياً. وفي الولايات المتحدة، يجب أن يكون مركز إدارة الأغذية والعقاقير لسلامة الأغذية والتغذية التطبيقية موافقا على الخصائص الغذائية للأغذية المعدلة وراثيا على أساس المقارنة بالأطعمة التقليدية المنتجة.
يتضح من ذلك أن التقنيات الحديثة للهندسة الوراثية تهتم في الأساس بعملية تحسين نوعية النباتات، وتعديل الجينات لكي تقاوم وتبقى مدة أطول أثناء خزنها واستخدامها، وعلى الرغم من أن هناك حذراً وريبة وتخوفاً من تقنية الأغذية المعدلة وراثياً إلا أن التوجهات العلمية المستقبلية تشير إلى أن الهندسة الوراثية حتمية لا نملك إغفالها وإهمالها.

إنّ المنتجات الجديدة التي يتم تعديلها بالتقنية الحيوية تعتبر أغذية واعدة وتبشر بالخير، ويتوقع أن تكون أكثر سلامة في المستقبل، والعلماء يشعرون بالرضا من خلال الأبحاث، والطرق الحديثة التي تعمل حقيقة على الإسراع بعملية تحسين نوعية البذور والمنتجات الغذائية الحديثة.  أختم بالقول أن الأغذية المعدلة وراثيا و إن كانت تمثل جانبا من الحل لأزمة الغذاء في العالم فإن ذلك لا ينبغي أن يكون بغضّ النظر عن مخاطرها الصحية إن ثبتت. فمعالجة مشكل اقتصادي لا يجب أن يكون على حساب صحة الانسان.

Pin It on Pinterest

Share This