العريّض….رجل دولة !

“يا أشباه الرجال ولا رجال”  

” مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التُّهَمَةِ فَلاَ يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ”  

 علي بن أبي طالب

 

laareydhهنالك رجالٌ ليسوا ككل الرجال، لهم صولات وجولات ومواقف لا تنسى….عبد الناصر، ديغول،بورقيبة، تشرشل….

و هنالك رجالٌ، وإن كانوا يفتقدون للعبقرية السياسية والكاريسما المؤثرة، فإن واقعيتهم وفهمهم لتغير مجريات الأمور وخاصةً بحثهم عن مخرج يحفظ لهم الحد الأدنى من ماء الوجه، جعلتهم في النهاية يخرجون بأخف الأضرار (نسبيا) من مطبات أو من مسارات تنبئ ببئس المصير : نيكسون، عبدو  ضيوف……

و يبقى في هذا التصنيف، جمع، بل فلنقل رهطٌ من الكائنات السياسية، بعيد كل البعد عن العبقرية  ويفتقد للواقعية ولكن له “باع وذراع” واختصاص وتمكن في ميدان الرداءة السياسية…  وما أدراك ما الرداءة السياسية…. ورئيس حكومتنا العتيدة، حاضنة الإرهاب في أشهره الأولى وراعية الإبتذال والجهلوت، ينتمي لهؤلاء عن  اقتدار…

العريّض….رجل دولة !

 “دليلي احتار”، كيف أبدأ ؟ “نبتدي منين الحكاية” يا ترى ؟ لأنه في حقيقة الأمر “عشنا فيها ياما عشنا وشفنا فيها ياما شفنا !”

فلاش باك : 9 أفريل 2012، قمع لمظاهرة للقوى الديمقراطية بمناسبة عيد الشهداء ، سبقها منعٌ تعسفي للتظاهر بشارع الحبيب بورقيبة الهدف منه إحكام قبضة حديدية على أي نفس احتجاجي.

علي العريّض يتحدث عن مولوتوف تبين في الأخير (و لنكون أدق “إلى حد الآن”، أي بعد عام ونصف) أنه مولوتوف وهمي. تعهد بفتح تحقيق لتفكيك رموز الهجمة الشرسة لأعوان الأمن…تحقيق هو كذلك وهمي بامتياز….

العريّض….رجل دولة !

ثم كانت أحداث السفارة الأمريكية بالبحيرة، فضيحة ب”جلاجل”، الدولة التونسية غير قادرة على  درء هجوم عن سفارة، هكذا خلنا في البداية، وقلنا علي “على نياتو”…بوهالي…”نستناو فيهم ملقدام ياخي جونا من تالي”…و “شلك” المؤسسة الأمنية معاه. لكن تبين بعد قليل أن من قاموا بالهجوم تحولوا فرادا وجماعات، حاملين السلاليم وكلهم غبطة وتصميم للقيام بعملية نوعية سوف يكثر عنها الحديث لاحقاً : “نكاح” …. السفارة !

العريّض….رجل دولة !

أبو عياض…أو بالأحرى “فنطوماس”  صدرت فيه برقية تفتيش ولكن… تمكن “شبيح” من الخروج من جامع الفتح المطوق من قبل قوات الأمن …ممتطياً دراجة نارية ومتخفياً في “منشفة” أو “ملحفة” …”تشليك” الدولة متواصل ولكن ما الحكمة يا ترى في ترك أبي عياض، المتشبع “فكرياً” بأدبيات القاعدة وذي السيرة الذاتية الإرهابية المميزة في جبال تورابورا وقندهار، يفلت كالماء بين أصابع الأمن ؟ إنه الإحتياطي أو المخزون الإنتخابي لحركة النهضة الذي كان في الميزان…و ربما كذلك مخزونها العسكري غير المعلن (بخلاف روابط حماية الثورة، الميليشيات الأمنية المعلنة في أرض الواقع). العريّض كغيره من قيادات الجماعة مسكون بالهوس الإنتخابي والجماعة غير مستعدة للاستثمار سياسياً في قطاعات أوسع للشعب التونسي وتفضل الاحتفاظ بالورقة الثمينة، ورقة الشعبوية الدينية، “السبعة الحية ” إن لم تكن “اللص إلي يهز الكل” في بعض الحالات !

العريّض….رجل دولة !

دون أدنى شك، سوف يدون التاريخ بأحرف دامية جريمة الرش بسليانة، عملٌ جبان يتنزل في إستراتيجية المعاقبة الجماعية لمنطقة شامخة وأبية، لا ترضى الظلم والهوان. الرش يستهدف عيون مواطني سليانة، هكذا أجرم العريّض في حق شعبه ودخل تاريخ الخزي والعار من بابه الكبير. ولكن نسي علي أنه حتى إن انطفأت شعلة البصر فإن البصيرة تبقى متقدة….”عيون القلب” لا تموت !

 العريّض….رجل دولة !

 و كان اغتيال شكري بلعيد ! بعد أن ترعرع الإرهاب واشتد عوده، مر إلى مرحلة التصفية الجسدية : 6 فيفري 2013، حصل المحظور وتحركت يد الإرهاب بكل ثقة في النفس واختطفت إلى الأبد رجلاً ليس ككل الرجال…. رجلاً ليس ككل الرجال !

شكري شهيد الوطن والحرية كان يحلم ببستان فيه ألف زهرة وزهرة ولكن أنت وشيخك وجماعتك خربتم الحلم وزرعتم بذور الفتنة وتركتم الإرهاب يتغلغل كالسرطان الخبيث، في تطبيق مفزع ومكيافيلي لنظريات آدم سميث الليبيرالية “دعه يفعل، دعه يمر” ….في ميدان تنمية الإرهاب وخلق الأجواء المواتية له، بالطبع…

 الرجل أهدر دمه في بيوت الله، دعوات صريحة للقتل وتهديدات تتزايد يوماً بعد يوم….  وأنت يا العريّض عندما كنت وزيراً للداخلية تركت الحبل على الغارب ؟؟؟

ترى ألم تكن تتمنى  في قرارة نفسك أن تتخلص منه إلى الأبد…شكري الوحيد الذي كان قادراً على كشف سوآتكم باقتدار. يا علي، اننا لم ننس قصة لطفي دمق وأعضاء لجان حماية الثورة وإقتناء الأسلحة…شكري كان على رأس قائمة الإغتيالات المبرمجة….تم التسويق لهذه المسألة على أساس أنها عملية استخباراتية ولنا اليوم أن نتساءل ما مآل هذه القضية ؟ لماذا التعتيم على حيثياتها ؟

العريّض….رجل دولة !

الأصعب في الأمور البدايات، والإرهاب يحب رائحة الدم ويستسيغ مذاقه. 25 جويلية 2013 ، تتم تصفية محمد الابراهمي في وضح النهار كذلك، في يوم ليس ككل الأيام، في عيد الجمهورية التونسية. قبل بضعة أيام، كانت فرقة مكافحة الإرهاب على وشك القبض على أبي بكر الحكيم  لكن يبدو أن عملاء الإرهاب  الذين تم تجنيدهم أو زرعهم في “جواجي” وزارة الداخلية قد قاموا بالواجب….

و أنت كرئيس للحكومة لم تحصد إلا ما زرعت عندما كنت على رأس المنظومة الأمنية : تعيينات مشبوهة؛ إبتزازات مفضوحة واختراقات مدروسة لتصبح المنظومة مضمونة…

العريّض….رجل دولة !

 مجزرة الشعانبي مثلت مرورا إلى مرحلة جديدة، مرحلة “البورنو الإرهابي”: ذبح، تنكيل ودماء تسيل : إنها بداية التوقيع بالدم.

قبلاط، سيدي علي بن عون….تواصل ممنهج لمسلسل القتل المباغت ، والهدف  واضح : ضرب معنويات الجيش والجهاز الأمني…للمرور بعد ذلك للإرهاب الاستعراضي القريب من المواطن، “إرهاب الواقع” الذي سيكنس كنسا برامج تلفزة الواقع….

كم من مرةٍ تساءلنا بحيرة عن الإمكانيات المتاحة لمواجهة هذا الغول الدموي…أين الصدريات الواقية من الرصاص يا علي ؟ أين الصدريات الواقية من الرصاص يا علي ؟….أنت لا تسمع ولا ترى…”العلوش أولى من صدريات الكرتوش” ذلك شعاركم في حكومة الفشل الذريع والخطاب الهزيل !

العريّض….رجل دولة !

صوت شكري بلعيد مازال يدوي كالرعد وهو يحذر وينبه ” الوطن مهدد، الإرهابيون يتدربون في الجبال ويعدون العدة لأيام سوداء، أيام الشؤم والدم !”….أنت لا تسمع ولا ترى يا العريّض….

تأسيساً على بؤسك الفكري وإنطلاقاً من استخفافك  بشعب تونس، دفعت بخادمك المطيع “طروش”، لينفي قصة معسكرات التدريب الإرهابية …لأنها في الحقيقة لا تعدو أن تكون سوى “معسكرات تدريب رياضية”….

 تهاون يرتقي إلى درجة التواطؤ إن لم يستبطنه فعلاً….

العريّض….رجل دولة !

أنت وشيخك  ومن لف لفيفكما دفعتم بالبلاد إلى أتون الإرهاب، فشكراً جزيلاً على ما فعلتم.

حتى في السويعات الأخيرة السابقة للحوار الوطني، سمحت لنفسك، أن تضع البلاد على صفيح ملتهب وتخاطر  بانسياقها في مسار يستبطن حقلاً من الألغام ! لن ألتزم بالإستقالة !…كم أنت شجاع يا علي !

كم أنت عبقريٌ يا العريّض عندما تستنبط نظرية “تلازم المسارات” ليكون موعد استقالتك لا موعداً !

العريّض….رجل دولة !

 كيف تستطيع أن تنظر إلى تقاسيم وجهك في المرآة دون أن يداهمك التقيؤ ؟ كيف لك أن تختلي بنفسك دون أن يجتاحك إحساس جامح بالذنب الكبير ؟

لم تكن وحدك في سيمفونية الخراب الأحمر، فشركاؤك معروفون ومعاونوك فيهم المكشوفون وفيهم أولئك المدسوسون…

لن يرحمك الوطن…و لن يرحمك التاريخ…يا علي…يا العريّض…..يا علي العريّض… يا رجل دولة !

وأكتب عنك بلاداً ويحتلها الآخرون

 وأرسم فيك جواداً ويسرقه الآخرون…”    

محمود درويش  

Please follow and like us:

اترك رد