إلى سيادة رئيسة الجمهورية

هذا النص شرعت في كتابته وكدت أستكمله خلال نفس الفترة من السنة الفارطة وكنت أنوي نشره بمناسبة عيد المرأة الوطني. لم أوفق في ذلك وها أنا ذا أتدارك أمري وأقدمه إليكم اليوم. بعض من الأحداث التي نسجتها مخيلتي خلال السنة الفارطة أصبحت تماهي ما نعيشه هذه الأيام العصيبة. إني لا أدعي قدرةً على استقراء الأحداث وكل ما في الأمر هو مجرد صدفة… حزينة…  

 

 

 tunisie-femmes-revolution

التاريخ /  14 جانفي 2111 ميلادي

 

المكان : من تحت أرض تونس الجميلة

 

أكتب إليك من غياهب الظلمات، من مثواي الأخير تحت تراب أرض تونس العزيزة. لقد تناهى إلى مسامعي سيدتي خبر انتخابك لتتبوئي سدة رئاسة الجمهورية بعد 100 سنة من ثورة الحرية والكرامة.

أتى اليوم الذي أصبحت فيه امرأة تترأس الجهاز التنفيذي. إنه ليوم عظيم تخلص فيه شعب تونس من عقده السحيقة، يوم ملأ نوره العالم……

لقد وافتني المنية عن عمر يناهز التسعين عاماً، في سنة 2066، ولقد عشت نكسات وانتكاسات الثورة.

في سنة 2065، كانت ثورة النساء… كان ذلك عندما هبّت حرائر تونس يتصدين لمن سولت لهم أنفسهم ضرب حقوق المرأة من خلال إقرار قانون تعدد الزوجات والحد من حقوقها في عدة مجالات… لقد كانت الحلقة الأخيرة من سلسلة مناورات وقرارات نكلت بالمرأة وبالمجتمع التونسي : منع التبني، إقرار قوانين تضيق على النشاط الفني والرياضي للنساء، السماح بصفة رسمية للمدارس الخاصة بالفصل بين الفتيان والفتيات…. كما لن أنسى سلسلة الاغتيالات التي استهدفت جملة من مثقفي وفناني هذه البلاد الألمعيين: الصغيّر أولاد أحمد في 17 ديسمبر 2035 ، ألفة يوسف في 13 أوت 2045…..كل هذا والدولة المخترقة وقفت عاجزة، مطأطئة الرأس، بتواطؤ كامل، أمام هذه الجرائم في حق المجتمع والأفراد.

ولقد كانت مصادقة مجلس النواب في 12 أوت 2065 على قانون يتيح التعدد الكامل للزوجات القشة التي قصمت ظهر البعير، لقد بلغ عندها السيل الزبى. وفي الليلة الفاصلة بين 12 و13 أوت اندلعت مواجهات بين نساء هذا الوطن العزيز في عدة جهات وميليشيات الظلام. استشهدت المئات من النساء…. نساء بلادي نساء ونصف، هكذا كان يقول الصغيّر أولاد حمد. مرت البلاد بفترة من اللااستقرار، تدخل خلالها الجيش، وتميزت هذه الفترة كذلك بتذبذب خطير لأداء وزارة الداخلية بعد أن عاشت عقوداً من محاولات الإختراق والإرباك.

مثل يوم 25 جويلية 2075 نقطة تحول في تاريخ تونس ما بعد الثورة، حيث أجريت الانتخابات الموعودة التي طال انتظارها تحت إشراف الأمم المتحدة وأفرزت فوزاً كاسحاً للقوى التقدمية ممثلةً في جيلٍ جديدٍ من الشباب، قيادات جديدة، مثقفة وغير متكبرة، ثابتة على مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية. من الناحية الأخرى، كانت الهزيمة المدوية للحزب الإسلاموي الحاكم نهاية مرحلة لهذا الحزب، كانت نتائجها وخيمة للوطن والحزب، وسمعنا هنا وهناك عن مسار تصحيحي قد يمثل الأمل الأخير لتفادي تفكك واندثار الحزب.

لقد بلغتني هذه الأخبار وأنا مازلت حديث العهد بقبري… وأحسست ببداية اطمئنان على مصير الوطن العزيز.

سيدتي الرئيسة،

وأنت اليوم على رأس الدولة التونسية، أود أن أقدم إليك جملةً من الاقتراحات، أنا الذي آمنت طوال حياتي بالمساواة التامة بين المرأة والرجل وبأهليتها لتقلد أعلى المناصب.

أتمنى أن ينخرط عملك يا سيدتي الرئيسة في بحث دائم عن الوئام داخل المجتمع.  لست أتحدث البتة عن “الوفاق والتوافق”، تلك الفكرة المبهمة والخبيثة التي أخرت وأجهضت لعدة مرات الثورة الثانية التي اندلعت في النهاية شرارتها في أوت 2065.

إن أرضية المجتمع غدت جاهزة ليعيش المواطنون في وئام واحترام متبادل، وبحكم أنك قبل أن تكوني رئيسة لكل التونسيين أنت إمرأة لك القدرة بحسك المرهف الطبيعي أن تصلي إلى قلوب التونسيين، كل التونسيين. إن القناعة النابعة من التفاعل مع إحساس صادق مفعم بالرقة، تترسخ في النفوس وبإمكانها أن تسافر بهذا الشعب نحو أجواء من الخلق والإبداع….

سيدتي الرئيسة،

إن انتخابك يشكل موعدا استثنائيا ليصنع هذا الشعب التاريخ، بعد أن فوتوا عليه- أولاد الحلال- الفرصة تلو الأخرى ليهدم بنية النفاق والكذب وينطلق في مرحلة الإبداع والإحساس بالذات.

لقد أسست عليسة هذا الوطن، بل ابتكرته بفضل عبقريتها الحالمة، واليوم، سيدتي الرئيسة، فوضك الشعب لتعييدي بريقه المسلوب لهذا الوطن الجريح…وأنا على يقين بأنك لن تخذليه !

Please follow and like us:

اترك رد