ضريح الإمام علي بمدينة النجف

ضريح الإمام علي بمدينة النجف

في مثل هذا اليوم، السابع عشر من رمضان، من سنة أربعين للهجرة، قُتل عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

كان مقتل الإمام عليّ جزءا من مؤامرة أعدّها نفر من الخوارج لاغتيال من يعتبرونهم رؤوس الفتنة وهم عليّ ومعاوية بن أبي سفيان. ويروي إبن عبد ربّه في عقده الفريد قصّة مقتله كما يلي: “لما تواعَد ابنُ مُلْجَم وصاحباه بقَتل عليّ ومعاوية وعمرو بن العاص، دخَل ابنُ مُلجم المسجدَ في بُزوغ الفجر الأول، فدخل في الصلاةِ تطوُّعاً، ثم افتتح في القراءة، وجعل يُكرِّر هذه الآية “وَمِنَ النّاس مَنْ يَشْرِي نَفسه ابتغَاءَ مَرْضاةِ اللّه”. فأقبل ابنُ أبي طالب بيده مخْفَقة (أي سوط)، وهو يُوقظ الناس للصلاة، ويقول: أيها الناسِ، الصلاة الصلاة. فمرّ بابن مُلْجَم وهو يردّد هذه الآية، فظن عليّ أنه ينسى فيها، ففتح عليه، فقال: واللهّ رَؤوف بالعبادِ. ثم انصرف علِىّ وهو يريد أن يدخل الدار، فاتبعه فضَربه على قَرْنه (أي جانب رأسه)، ووقع السيف في الجدار، فأطار فِدْرة (أي قطعة) من آخره، فابتدره الناس فأخذوه، ووقع السيف منه، فجعل يقوِلَ: أيها الناس، احذروا السيفَ فإنه مَسموم. قال: فأُتي به عليّ فقال: احبِسوه ثلاثاً وأطعموه واسقُوه، فإن أعش أر فيه رَأيي، وإنْ أمت فاقتُلوه ولا تمثّلوا به. فمات من تلك الضرِبة.”

هذا العدل من أمير المؤمنين في ساعاته الأخيرة تجاه قاتله لم ينفع في درء الحقد والتشفّي من صاحب الجريمة النكراء إثر وفاة الإمام، فمُثّل بابن ملجم وقطعت أطرافه ولسانه قبل أن يقتل حرقا. بينما أرادت الأقدار النجاة لمعاوية وعمرو بن العاص، فلم ينجح الخارجيّ المكلّف بقتل معاوية إلا في جرحه جرحا غير قاتل. بينما قتل الآخر صاحبَ الشرطة بمصر خارجة بن حذافة، وهو يظنّه عمرو بن العاص، فلمّا قبض عليه، قال عمرو الناجي من المؤامرة لمن أراد قتله “أردتني وأراد الله خارجة”.

وهكذا كان الإمام عليّ كرّم الله وجهه هو الضحيّة الوحيدة لهذه المؤامرة الثلاثيّة. ولعلّه كان يشعر في نفسه بقرب منيّته. فقد روى أبو الفرج الأصبهاني في كتابه “مقاتل الطالبيين” أنّ الحسن بن علي قال ” خرجت أنا وأبي نصلي في هذا المسجد، فقال لي: يا بني، إني بت الليلة أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة يوم بدر لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فملكتني عيناي، فسنح لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود (الاعوجاج) واللدد (الخصومة الشديدة)؟ فقال لي: ادع عليهم. فقلت: “اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر لهم مني“. عانى الإمام عليّ ممّا لقيه من أعدائه من تكذيب واتّهام ونكث وقتال وممّا لقيه من أنصاره من عناد ولجاج وتقاعس فاستجاب الله دعاءه، واختاره لجواره في نفس الليلة.

وأسدل الستار بذلك على حياة علم من أعلام الإسلام. كان أوّل من أسلم وضحّى بنفسه افتداء لرسول الله ليلة الهجرة وآخاه النبيّ بعد الهجرة وكان زوج ابنته المحبّبة فاطمة الزهراء وأبا سبطيه، سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، وكان بطل الغزوات، لا سيّما بدر وخيبر وحنين، وكان أقضى الصحابة. والأحاديث الواردة في فضله لا تكاد تعدّ ولا تحصى، لعل أشهرها قوله صلّى الله عليه وسلّم “من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه” وقوله “أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيّ بعدي” وقوله “أنا مدينة العلم وعليّ بابها“.

 هذا الصحابيّ الجليل كفّره الخوارج، واعتبروه ضالا بعد واقعة التحكيم، وهم الّذين دعوه فيما سبق إلى قبوله، وطلبوا منه الإقرار بكفره والتوبة !!!  وقد فتحوا بذلك لفتنة التكفير بابا لا يزال قائما إلى الآن نعاني من ويلاته الكثير. وإنّ الجماعات التكفيريّة العديدة الّتي سرت في جسد الأمّة سريان النار في الهشيم هي قطعا جماعات خارجية في منهجها، وإن زعمت غير ذلك في عقيدتها.

ولم تكن هذه الجريمة أوّل اغتيال سياسي في الإسلام. بل كان الإمام عليّ ثالث ثلاثة من الخلفاء الراشدين لقوا حتفهم قتلا. ولم يكن كذلك الاغتيال الأخير. وهذه الأنهار من الدماء لم تجفّ وظلّت تتجدّد عشرات القرون بروافد سالت ضحايا للتعصّب والجهل ولمكر السياسة. وهذا التاريخ الدموي الحالك بدأ منذ عهد دأب العديد على اعتباره عصر النقاء والمثالية والمدينة الفاضلة، متناسين أنّه كان عهد الاقتتال على الحكم وبدء الصراعات المذهبيّة الّتي لا تزال تشقّ الأمّة. ورحم الله الإمام مالكا حين يقول عن الصحابة المتقاتلين في ذلك العهد، عهد الفتنة الكبرى “والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر“.

وكانت هذه الجريمة أوّل اغتيال لأحد أفراد آل البيت، الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. وتبعته سلسلة طويلة من الاغتيالات لأسرة يدعو لها المسلمون عقب صلواتهم إذ يقولون “اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد” ولا يمانعون مع ذلك في استباحة دمائهم بل والتمثيل بهم والتنكيل بجثثهم كما حدث ذلك مع الحسين بن علي في فاجعة كربلاء وزيد بن عليّ في مأساة الكناسة. ويكفي الاطّلاع على كتاب أبي فرج الأصبهاني “مقاتل الطالبيين” للتعرّف على عمق مأساة آل البيت. وكأنّي بالسموأل يعنيهم بقوله:

تسيل على حدّ الظبات نفوسنا

وليست على غير السيوف تسيل

هذه المأساة طبعت بقتامتها مذهب الشيعة فكان لهم منها ذاك اللون الجنائزي الحزين الّذي حملوه منذ ذلك الحين. وكان الصدع في الإسلام كبيرا بتفرّق أهله إلى سنّة وشيعة، صدع لم يرأب أبدا رغم مرور القرون. فلا تزال كلّ من الطائفتين غارقة في مثالياتها، عاجزة عن إعادة قراءة تاريخها، قاصرة عن الانفتاح على أختها…إلا من رحم ربّك.

Pin It on Pinterest

Share This