قرآنيّة الأحاديث*

 Hadithكان عبد الله بن مبارك رحمة الله عليه  يقول مما اشتهر عنه” الاسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء“. نفس هذا المعنى نجده بوضوح أيضا في مقدّمة مسلم ابن الحجاج لصحيحه حيث يورد عن محمد بن سيرين أنّه قال:” لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سمّوا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم“.

و في الحقيقة، فإنّ كتب الأحاديث تزخر بعديد الروايات المشابهة التي تتفق في التّأكيد على أهميّة الاسناد و محوريّته في الدين عموما و علم مصطلح الحديث خصوصا.

 والإسناد و جمعه أسانيد هو سلسلة الرجال أو الرواة الذين ينقلون الحديث أو الخبر كلّ راو عمّن فوقه إلى منتهى السّند أي إلى القائل أو الفاعل، فإذا كان منتهى السّند الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وسلّم، نقول أنّ الحديث مرفوع وإذا كان منتهى السّند أحد الصّحابة، فيصبح الحديث موقوفا. أمّا إذا آل السند الى أحد التّابعين، فالحديث يصير مقطوعا (لا يجب الخلط هنا بين الحديث المقطوع المروي عن احد التابعين من جهة و الحديث المنقطع أي منقطع السند من جهة أخرى) .

واهتماما منهم بصحّة الأسانيد، وضع العلماء والمحدّثون قواعد وضوابط لنقل الأحاديث والأخبار كما وضعوا شروطا يجب أن تتوفّر في الرّاوي كالضّبط والعدالة والموثوقيّة حتّى يقبل خبره واشترطوا اتّصال السّند وسلامة الخبر من الشذوذ والعلّة، ووضعوا ما يسمّى بعلم الجرح والتعديل أو علم الرجال كما صنّفوا كُتُباً كثيرة في أسماء الرجال وسيرهم وبيان حال كلّ واحد منهم من حيث قبول روايته من عدمها.  و يمكن أن نذكر من هاته المؤلفات و المصنّفات  التاريخ الكبير للبخاري، الثّقات لابن حبّان، الجرح و التعديل لابن أبي حاتم، الاستيعاب لابن عبد البرّ، الكمال في أسماء الرجال لعبد الغني المقدسي، تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني و غيرها من المراجع المتخصّصة في علم الجرح و التعديل. كما صنّف العلماء كتبا بذاتها خاصّة بالضعفاء و المتروكين من الروّاة لعلّ أهمّها ميزان الاعتدال للإمام الحافظ الذّهبي.

و هكذا فقد جعل المحدّثون من صحّة الأسانيد و موثوقيّة الرواة المعيارين الحاسمين و المفصليّين في الحكم بصحة الآحاديث  من عدمها. حيث يقول الحاكم النيسابوري (صاحب المستدرك على الصحيحين) أنّ” علم الجرح و التعديل ثمرة علم الدراية، و المرقاة الكبيرة منه” و هو ما أشار اليه صراحة الحافظ العراقي حين قال” واعن بعلم الجرح والتعديل  فإنّه المرقاة للتفصيل
بين الصّحيح والسقيم“. وقال السّخاوي شارحًا ذلك : ” ( واعن) أي اجعل أيّها الطالب من عنايتك الاهتمام ، ( بعلم الجرح ) أي التجريح ، ( والتعديل ) في الرّواة فهو من أهمّ أنواع الحديث، وأعلاها وأنفعها .

    وقال ابن أبي حاتم : ” ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله ـ عز وجل ـ وعن رسوله صلّى الله عليه وسلم ينقل الرواة ، حق علينا معرفتهم ، ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم ، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة ، والثَّبت في الرواية بما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته .. وأن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم ، وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ . . . الخ  .[1]   و يتابع ابن ابي حاتم فيقول ففيه (علم الجرح والتعديل)

  ولعّله اتضح لك شئ من منزلة هذا العلم ، وأنه السّبيل إلى الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف”[2]

و بيان ذلك أنّ منهج العلماء و المحدثين كان يقوم أساسا على إحراز وثاقة الراوي أو عدم احرازها، ليثبت به إمّا صحّة الرواية سندا بمعنى وثاقة جميع روّاتها و إمّا ضعفها سندا بمعنى عدم ثبوت وثاقة الرواة.

هاته المكانة المفتاحية التي تبوأها السند جعلت من علماء الحديث لا يهتمون كثيرا بالمتن  في تصحيح و تضعيف الروايات فيكفي ان يكون السند صحيحا لتكون الرواية صحيحة . فالمعادلة هي معادلة تامّة بين صحّة السّند و صحّة الرواية، الأمر الذي جعل المستشرقين يجزمون بأنّ علماء الحديث لم يعتنوا بنقد متون الروايات، بنحو يمكّنهم من اكتشاف الوضع في الروايات التي لا تتّفق مضامينها مع الظّروف الزمانية التّي وجدت فيها.[3]

هذا المنهج في الحقيقة هو منهج غير سليم و قاصر لأنّ غلبة الظن[4] بصدور الرواية سندا عن الرسول صلّى الله عليه و سلّم لا تؤدّي بالضرورة الى العلم بصدور مضمونها عن النّبي الأكرم صلّى الله عليه و سلم. فصحّة سند الرواية لا يقطع بمضمونها و متنها لأنّ الرواة و إن كانوا ثقاة وعدولا فهم غير معصومين، هذا الى جانب التأثير الكبير للعديد من الاعتبارات السياسية والمذهبية و الذاتية في توثيق الرجال و تضعيفهم، و يكفي هنا أن نقول أنّ رجالا وثّقهم البخاري، ضعّفهم مسلم و العكس صحيح. كما أنّ ضعف سند الرواية، من جهة أخرى،  لا يؤدي الى العلم بعدم صدورها، لأنّ الفاسق لا يكذب على طول الخطّ، و لأجل ذلك قالوا “أنّ الكاذب قد يصدق، و إن غير الضابط  قد يصيب[5].

لذلك فمن الضروريّ، أن ندعّم صحّة السند و نؤكدّه بصحّة المتن و ذلك بعرض متن الحديث ونصّه على كتاب الله سبحانه و تعالى و المتواتر من السنة و على ما هو متيقن كالبديهيات العقلية و الحقائق التاريخية و القوانين العلمية. و سنهتّم في هذا المقال خاصّة بعرض الروايات على كتاب الله المحكم.

و قد تفطّن العلماء في السّابق الى أهميّة منهج نقد المتن في تصحيح و تضعيف الروايات، من ذلك مثلا ما قاله الإمام ابن الجوزي “إنّ المستحيل لو صدر عن الثقات ردّ، و نسب اليهم الخطأ، ألا ترى أنّه لو اجتمع خلق من الثقات، فأخبروا أنّ الجمل قد دخل في سمّ الخياط، لما نفعتنا ثقتهم، ولا أثّرت في خبرهم، لأنّهم اخبروا بمستحيل، فكلّ حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم انه موضوع[6].

و هو ما ذهب اليه ابن قيّم الجوزية حينما قال : ” و سئلت : هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فهذا سؤال عظيم القدر، إانّما يعلم ذلك من تضلّع في معرفة السنن الصحيحة… و صار له اختصاص شديد بمعرفة السّنن و الآثار… و نحن ننبّه على أمور كليّة يعرف بها كون الحديث موضوعا“.[7]

ثم ضبط ابن القيّم في كتابه “المنار المنيف” أكثر من اثني عشر معيارا لنقد متون الروايات مشفوعة بأمثلة تطبيقية للتبيان.

نفس الفكرة نلمسها أيضا عند الشيخ المفيد الذي يبيّن أنه ” و متى وجدنا حديثا يخالف الكتاب، ولا يصّح وفاقه له، اطّرحناه لقضاء الكتاب بذلك، و اجماع الأئمة عليهم السلام عليه[8]، و كذلك إن وجدنا حديثا يخالف العقول اطّرحناه، لقضية العقل بفساده“.[9]

أورد ابو عبد الله الشافعي في كتابه الأمّ أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلّم خطب فقال “إنّ الحديث سيفشو عليّ، فماأاتاكم عنّي يوافق القرآن، فهو عنّي و ما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس عنّي.”

لكن سرعان ما ردّ الكثير من علماء الحديث المتقدمين و المتأخرين هذا الحديث لضعف سنده ونكارة متنه.

فمن ناحية الاسناد، يقول الامام البيهقي مثلا : “أشار الامام الشافعي في ما رواه خالد ابن أبي كريمة، عن أبي جعفر، عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: “ان الحديث سيفشو عليّ، فماأتاكم عنّي يوافق القرآن، فهو عنّي و ما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس عني.” …. و خالد مجهول، وأبو جعفر ليس بصحابي، فالحديث منقطع[10].

و من ناحية المتن، فقد عدّ العديد من العلماء حديث المعارضة هذا إنكارا لحجيّة السنة النبوية. من ذلك ما ذهب اليه ابن عبد البر حين قال :” و قد أمر الله عز و جلّ بطاعته و باتباعه (الرسول صلى الله عليه و سلم)أمرا مطلقا مجملا، لم يقيّد بشيء، و لم يقل : وافق كتاب الله كما قال أهل الزيغ[11].

في الحقيقة، تعامل العلماء مع هذا الحديث كان تعاملا متسرّعا غير دقيق وردّهم له كان ردّا متهافتا وغير سليم. و هو متهاو، متهافت من وجهين اثنين : سندا و متنا.

فيما يخصّ السند، حديث العرض ورد بطرق أخرى غير طريق خالد الذي ذكره الشافعي،  فقد اخرج أبو الحسن الدارقطني عن زرّ ابن حبيش، عن علي ابن أبي طالب قال :” قال رسول الله صلى الله عليه و سلّم : انّها تكون رواة يروون عنّي الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فخذوا به، و ما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به[12].

و قد أخرج الامام الطبراني عن الأشعث عن ثوبان، أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال :” ألاّ إنّ رحى الإسلام دائرة، قال : فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال : اعرضوا حديثي على القرآن، فما وافقه فهو منّي، و أنا قلته[13]. و عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و سلّم قال :” سيأتيكم عنّي أحاديث مختلفة، فما جاءكم موافقا لكتاب الله و سنتي، فهو منّي و ما جاءكم مخالفا لكتاب الله و لسنّتي فليس منّي[14].  و عن عليّ ابن أبي طالب أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلّم قال :” سيأتي  ناس يحدّثون عنّي حديثا، فمن حدّثكم حديثا يضارع القرآن، فأنا قلته، و من حدّثكم حديثا لا يضارع القرآن ، فلم أقله“.[15] و عن ابن أبي مليكة، أنّ ابن عمر حدّثه أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم  جلس في مرضه الذّي مات فيه الى جنب الحجر، فحذّر الفتن، و قال : “إنّي و اللّه لا يمسك النّاس عليّ بشيء، لا أحلّ الا ما أحلّ الله في كتابه، و لا أحرّم إلاّ ما حرّم اللّه في كتابه[16]. و أخرج الإمام أحمد في مسنده أنّ الرسول صلى الله عليه و سلّم قال : “ أطيعوني ما دُمتُ فيكم ، فإذا ذُهِبَ بي فعليكم بكتاب الله، أحلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه“. [17]و هذا الحديث مما صحّحه الألباني في سلسلته للآحاديث الصحيحة.[18]

و  أورد الحافظ الذهبي في ” تذكرة الحفاظ ” أنّ الصّديق أبا بكر جمع الناس بعد وفاة النبي فقال : ” إنّكم تحدثون عن رسول الله أحاديث … فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً فمن سألكم  فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.”

يتبيّن لنا إذن من كلّ ما سبق، أنّ رواية العرض وردت من طرق عديدة، و هو ما يقوّض الزّعم القائل بأنّها ضعيفة السّند. و هو ما يفسّر أنّ الامام البخاري أخرج في صحيحه في كتاب العلم، في  باب ” من سمع شيئاً فراجع حتى يعرفه” الحديث التالي :

حدثنا يحيى ، يعني ابن سعيد القطان ـ حدثنا أبو يونس القشيري حدّثنا ابن أبي ملكية عن القاسم عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم  قال: “ليس أحد يحاسب إلا هلك، قلت، يا رسول الله أليس الله يقول: حساباً يسيراً؟ قال: ذاك العرض، ولكن من نوقش الحساب هلك“.[19] 

و في هذا الحديث، يبيّن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم  أن الحساب الذي يكون صاحبه هالكاً هو الحساب مع المناقشة، وذلك بعد أن استشكلته عائشة مع قوله تعالى: )فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه ِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ). حيث أنّ الآية أثبتت الحساب مع النجاة، وبهذا البيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم،  يتبيّن أنّه لا منافاة بين الآية والحديث، فالهلاك الذي يكون لمن حوسب فيما إذا نوقش الحساب، والنّجاة التي تكون لمن حوسب حساباً يسيراً فيمن لم يناقش الحساب، وهذا هو وجه الجمع بين الآية والحديث.

الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه “فتح الباري” الذي يشرح فيه صحيح البخاري ، بيّن أنّ   هذا الحديث يقيم الدّليل على جواز معارضة السنّة بالكتاب. و اللاّفت للنّظر في هاته الراوية ، أنّ أمّ المؤمنين سمعت الحديث مباشرة من فم رسول الله صلّى الله عليه و سلّم لا عن طريق الرواية و النقل عن فلاّن و عن علاّن ، لكن لم يمنعها ذلك من استشكال الحديث و ردّه الى كتاب الله. فهكذا ربّى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم زوجاته و علّمهن الخطة الإلهية التي تردّ كلّ شيء الى كتاب الله و تعارضه به. فمن باب أولى و أحرى، أن نحاكم، نحن، على القرآن الكريم آحاديثا وصلتنا عن طريق النقل و لم نسمعها مباشرة من عند رسول الله.

أمّا من ناحية المتن، فإنّ الاستنتاج الذي توصّل اليه أغلب العلماء من أنّ رواية العرض فيها   انكار لحجيّة السنّة النبويّة و استبعاد قطعي لها لا يصحّ بتاتا لأنّ رواية العرض لا تحاكم الأحاديث التي سمعناها مباشرة من عند رسول الله بل الأحاديث المرويّة عن الرواة و المسندة الى  رسول الله  . فروايات العرض لا تقول اذا سمعتم مني حديثا أو اذا قلت لكم حديثا بل تستعمل دلالات و مصطلحات النقل و الرواية عن الرسول صلى الله عليه و سلّم (إنها ستكون رواة عنيّ…. سيفشو الحديث عنّي…)، و هذا هو الفرق الشاسع و الكبير، فعندما نحاكم حديثا على الكتاب فهذا لا يعني أنّنا نرّد على رسول الله بل  نحاكم الرواية المنتقلة من راو الى آخر على كتاب الله. و كما قلنا منذ الأول، فان كان الرواة ثقات و عدولا، فإنّهم غير معصومين و يمكن أن يخطئوا أو ينسوا أو يسهوا لأنهم مجرّد بشر.فحتّى علماء الحديث أنفسهم يتفقون بأنّ الحديث المروي عن ثقات لكن بطريق واحد لا يعدو أن يكون إلاّ حديث آحاد ظنيّ الثبوت بعكس الحديث المتواتر و المرويّ عن ثقات، لكن بطرق متعددة و كثيرة. فالحديث الآحاد لا يتمتّع إلا بقرينة بسيطة في الصحّة، أي قرينة بسيطة في أنّ الرسول صلى الله عليه و سلم قاله و أتى به. ولتدعيم هاته القرينة البسيطة، قرينة صحة السند، وجب عرض متن الحديث على كتاب الله الحق، على كتاب الله الحكيم، الذي “لا يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه” (سورة فصّلت)، الكتاب الوحيد الذي لا ريب فيه و لا اختلاف ، ف “َلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (سورة النساء ، الآية 82)   كيف لا و قد وصفه الله سبحانه و تعالى بقوله ” إنّه لقول فصل ” (سورة الطارق، الآية 13)، و قوله ” و نزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكلّ شيء” (سورة النّحل، الآية 89) ، فالله سبحانه و تعالى ما فرّط في كتابه من شيء (سورة الأنعام ، الآية 38)، و علينا أن نجعل من كلماته التامات العليّات الكلمات الفصل في الحكم على الأحاديث التي تردنا و تصلنا عن طريق النقل و الرواية و الأسانيد. و هو ما دفع بالإمام الشاطبي  إلى التّصريح دون تردّد بأنّ رواية العرض صحيحة حتّى على عدم فرض صحّة سندها. ” فلا بدّ لكلّ حديث من الموافقة لكتاب اللّه،كما صرّح به الحديث المذكور، فمعناه صحيح، صحّ سنده أو لا[20].

الاحتكام الى كتاب الله و ما وافقه من أحاديث هو المنهج العلمي و الشرعي الأسلم الذي سيمكننا من الانتصار لديننا و صورة نبينا، فتقديمنا للأسانيد و المرويات على القرآن الكريم أوصلنا الى مآزق أضرّت بديننا و نبينّا. و كمثال على هاته الإشكاليّات و المآزق سنورد و إن كان على وجه العجلة و الاجمال رواية موت النبيّ بالسمّ الموجودة في الصحيحين، حيث أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة: ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم.[21]

هذه الرواية تشير الى الحادثة المعروفة التي وقعت بخيبر حين دسّت امرأة يهودية السمّ في ذراع الشاة فأكل منها الصّحابي بشر ابن البراء ابن معرور  فمات. لكنّ الرسول صلى الله عليه و سلّم لم يسغ الطعام و لفظه، وقال أنّ ذراع الشّاة أخبرته أنّها مسمومة. لكن بقي ألم ذاك السّم يتعاوده إلى أن أماته فيما بعد بقطع أبهره. و الأبهر أو الوتين هو الشريان الرّئيس في القلب.

و شكلّت هاته الرواية مصدر فخر للعديد من العلماء، فهي كما ذهب الى ذلك ابن اسحاق مثلا في سيرته تبيّن أنّ اللّه سبحانه و تعالى أكرم النبي بالشهادة الى جانب النّبوة فهو مات شهيد السمّ الذي دسّ اليه.

لكن ألا يقول الله في كتابه العزيز  مخاطبا رسوله ” ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  فما منكم من أحد عنه حاجزين(الحاقة : 44-46). في هذه الآية يقول اللّه تعالى أنّ الرّسول لو كذب عليه، لأماته بقطع و تينه. فموت الرسول بانقطاع وتينه أو أبهره هو موت توعّده الله به اذا تقوّل عليه و كذب، ثمّ نجد رواية في الصحيحين على شرط الشيخين تورد أن الرّسول مات بانقطاع وتينه!!! هل نقبل بهاته الرواية صحيحة السّند المخرّجة في الصّحيحين و نسيء لصورة نبينا أم نردّها ردّا قطعيّا لمخالفة متنها كتاب الله و ننزّه بذلك رسولنا من هاته التشويهات التي تطاله جرّاء الآحاديث و المرويّات؟؟؟

الانتصار للإسلام وصورته و للرسول الاكرم و سمعته لا يتّم بحرق السّفارات او بمقاطعة البضائع الأجنبية و غيرها من ردود الأفعال العاطفية الانطباعية السطحيّة بل بتدبّر القرآن العظيم و جعله المعيار الأول و الأخير في كلّ شيء و بالاحتكام الى قرآنية الأحاديث، حتّى لا يصحّ فينا قوله تعالى ” و قال الرّسول يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا” (الفرقان ، الآية 30)

 


الهوامش

* استعرنا هذه الصياغة أو التركيب من الحقل الدلالي للعلوم القانونية، فعندما نتحدّث مثلا عن دستورية القوانين فهذا يعني أنّ النصوص التشريعية يجب أن تكون متطابقة أو متلائمة على الأقلّ مع الدستور. فقرآنيّة الآحاديث تعني بالتالي ضرورة تطابق الآحاديث مع القرآن الكريم أو تلاؤمه معه على الأقلّ.

[1]ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل ص 5 ، 6.

[2] المرجع السابق ص 10

[3] علي حسن مطر الهاشمي، منهج نقد المتن في تصحيح الروايات و تضعيفها، دار البحار، بيروت، 1989، ص18.

[4] نظرا لأن الاغلبية الساحقة من الآحادبث هي آحاديث آحاد ظنية الثبوت و  الآحاديث المتواترة، التي تكون قطعية الثبوت يبقى عددها ضئيلا.

[5] السيوطي، تدريب الراوي، ص.40

[6] ابن الجوزي، الموضوعات، المجلّد الأول، ص 106

[7] ابن قيّم الجوزية، المنار المنيف، ص. 43

[8] كان منهجنا في البحث و لا يزال الانفتاح على كل المذاهب من سنة و شيعة و غيرها و ما يهمنا هنا هو تأكيد الشيخ المفيد على ضرورة عرض الحديث على كتاب الله. أمّا مسألة عصمة الائمة التي أوردها في المقولة فنحن لا نرى بها و هي عصمة تخالف بدورها كتاب الله، لكن هذا مبحث آخر.

[9] الشّيخ المفيد، تصحيح عقائد الامامية، ص.149

[10] ذكره السيوطي في مفاتيح الجنة في الاعتصام بالسنة،ص.43

[11] ابن عبد البرّ، جامع بيان العلم و فضله، المجلّد الثاني، ص.1190

[12] سنن الدارقطني،  المجلّد الثالث، الحديث 4396،ص.401

[13] الطبراني، المعجم الكبير،المجلّد الثاني، الحديث 1429،ص.97

[14] سنن الدارقطني،المجلّد الرابع، الحديث 17، ص.208.

[15] ابن حزم الظاهري، الإحكام، المجلّد الثاني، ص.211.

[16] المصدر السّابق، ص. 213.

[17] مسند احمد، الحديث 6381.

[18] الألباني، سلسلة الآحاديث الصحيحة، الحديث1472.

[19] أخرجه أيضا مسلم في صحيحه، وأبو داود و الترمذي في سننهما و الامام أحمد في مسنده.

[20] الشاطبي، الموافقات، المجلّد الرّابع، ص.16

[21] البخاري، الحديث 4165

Please follow and like us:
One Comment
  1. Avatar

اترك رد