بورقيبة وقضيّة إفطار رمضان

bourguibaalazitounaيقول الصحفي لطفي حجّي في كتابه  بورقيبة والإسلام: الزعامة والإمامةيعدّ موقف بورقيبة من الصوم الحلقة الأضعف في تعامله مع الإسلام والّذي مكّن خصومه من استغلاله لما تضمّنه من استفزاز واضح لمشاعر المسلمين“، ولعلّ ما ساهم في تعميق هذا الشعور مرور الزعيم الراحل من القول إلى الفعل، إذ قام بتناول كأس من العصير خلال شهر رمضان وذلك في خطاب ألقاه بالبلماريوم في 28 فيفري 1960.

وإن كانت هذه النقطة قد أثيرت من طرف أعداء الحبيب بورقيبة لاتهامه بمعاداة الدّين وإنكار ما هو معلوم منه بالضرورة، فإنّ المثير للاهتمام أنّ بورقيبة في دعوته للإفطار اعتمد على حجج من داخل الدائرة الإيمانية نفسها، لا من خارجها…حجج قد تناقش ولكن لها ما تستند إليه من الأدلّة الشرعيّة. ولم يفرض الزعيم الراحل في خطابه المذكور الفطر على المواطنين، كما يزعم البعض، بل أنّه قدّم قراءة لهذه المسألة، وكان واعيا خلال خطابه بما سيتعرّض إليه من انتقادات إذ صرّح في خطاب 5 فيفري 1960 “هذا ما يتعيّن عليكم إدراكه حقّ الإدراك دون أيّ التباس قد يركبه خصومنا الكثيرون مطيّة للتهجّم علينا وحملنا محمل الكفر والعياذ بالله. إني لا أدعو الأمّة إلى ترك الصيام...”[1]

وقامت قراءة بورقيبة على ثلاث منطلقات يمكن تبيّنها من خلال الخطاب المذكور:

1-      مقاومة الاتحطاط نوع من الجهاد: يقول بورقيبة في هذا الصدد “تونس البلاد الإسلامية تعاني درجة من الانحطاط تجلب لها العار في نظر العالم، ولا سبيل لأن ترفع هذه المعرّة عن جبينها إلا بالعمل الدائب المتواصل والشغل المثمر المجدي، والتخلص من هذا الانحطاط فرض وجهاد حكمه كحكم جهاد السيف“. ولا تخفى ما لقضيّة بناء الدولة الحديثة من مكانة في فكر الرئيس الأوّل للجمهوريّة وما بذله من جهد في سبيل تكريسها. ويؤكّد بورقيبة على أنّ هذا النوع من الجهاد هو من جوهر الدين: “وإذا ما قال قائل إن الدين يقعد بالمسلمين عن التطور والتقدم فإنّي أردّ عليه بأنه يستحيل أن يكون الدين سببا في تأخّرنا وفي ضعفنا.” ويضيف “إن الدين والحالة تلك لا يطالب بالاستمرار في الصوم ويراه غلوا ولا غلوّ في الدين. ولكنه الجهل جعل الناس يعتقدون أمورا ما أنزل الله بها من سلطان عن حسن نية“. ويؤكّد بورقيبة على أسبقيّة العمل على العبادة في الإسلام مستشهدا على ذلك بأدلّة من السنّة.

2-      الصيام قد يكون داعيا إلى تراجع المردوديّة: وفي جزء كبير من الخطاب، لا يعيد بورقيبة تراجع المردوديّة إلى الصيام نفسه، بل إلى عقليّة سائدة ترى أنّ رمضان جعل لغير العمل، كما يتبيّن ذلك من خلال هذا المقتطف:

إنّ التعبئة التي ندعو إليها والعمل المتواصل المتحتّم والضروريّ تعترضه عقبات يعتبرها الشعب ذات مصدر ديني، فيقول الناس: “أقبل رمضان ولا عمل فيه والأمر لا ينازع فيه منازع”، هذا هو الحدّ الذي وصل إليه الأمر … ويقولون: هل أسمى لدى المرء من دينه؟ ويرون أنّ صيام رمضان قد يؤدّي بالمرء إلى الإمساك عن كلّ عمل ولا جناح عليه. وعندما تريد أن تحاسبه عن تكاسله يتذرّع بالصوم ويتمسك برمضان.

إنّ أمّة بأكملها تسعى ما وسعها لتنمية الإنتاج القومي، وتبذل جهد طاقتها في ذلك السبيل، وبين عشية وضحاها ينهار إنتاجها ويكاد يضمحلّ تماما وتسأل عن السبب فيجيبك بأنّه رمضان. وتلتفت حولك فلا ترى إلا متثائبا أو مستسلما للنوم.

وهذا أمر لا يمكن أن يستمرّ لأنّه ليس من الدين في شيء“.

ولكن بورقيبة لم ينف كذلك أنّ الصيام قد يضعف البدن ممّا قد يضعف إقبال الصائم على العمل: “إنّ من يكون صائما وقائما بواجبه الديني حسبما يفرضه عليه الإسلام ثمّ يدرك أنّ ضعف بدنه لا يسمح له بالعمل فيستمرّ في الصوم تاركا العمل .. إنّ من يكون هذا شأنه لا يقرّه الدين عليه

3-      الشرع يرخّص في الإفطار حال الجهاد: وهي رخصة فقهيّة معروفة، يؤكّد عليها بورقيبة من خلال ذكره لفتح مكّة ودعوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه للإفطار حتّى يقووا على لقاء عدوّهم. ويحاول بورقيبة تقوية أثر هذا الخبر برمزيّة من رواه له: مفتي الديار التونسية محمّد العزيز جعيّط بحضور الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور.

وإجمالا، يمكن القول أنّ بورقيبة اعتمد القياس التالي: الشرع رخّص في الإفطار حال الجهاد، والعمل للخروج من الانحطاط ضرب من الجهاد، إذن يجوز الإفطار للحفاظ على مردوديّة عالية في العمل. وهذا القياس يبدو أنّ له وجاهته، وله ما يؤيّده من الأدلّة. ولعلّ نقطة الخلاف فيه بين بورقيبة ومعارضيه يكمن في مقدّمته الصغرى (العمل للخروج من الانحطاط ضرب من الجهاد) الّتي لم يستسغها الفقهاء التقليديون الّذين اعتبروا أنّ “العمل للخروج من الانحطاط” ليس جهادا إلا مجازا، في أفضل الأحوال، وهو ما لا يبيح استعمال الرخصة الشرعيّة.

ولعلّ من نقاط الضعف في استدلال بورقيبة خلال خطابه تركيزه على أنّ التكاسل في رمضان مشكل عقليّة أساسا، وهو ما يستوجب العمل على إصلاح مثل هذه العقليّة، لا إباحة الإفطار في رمضان. وقد يكون ذلك ما حاول الزعيم الراحل تداركه في آخر الخطاب بتأكيده على التدابير الّتي اتّخذت لمقاومة كلّ ما من شأنه أن يقلّل من المردوديّة كالحرص على إبقاء نفس توقيت العمل الإداري دون تغيير ومنع الحفلات الراقصة في المقاهي خلال الشهر الكريم، ومنع السهر بالمقاهي إلى ما بعد منتصف الليل. أمّا نقطة الضعف الأخرى، فتكمن في إحالات بورقيبة المتكرّرة خلال الخطاب إلى فتوى ستصدر لاحقا من المفتي محمد العزيز جعيّط في نفس اتّجاه الخطاب، وهو ما لم يحصل. بل على العكس من ذلك، جاءت فتوى 13 فيفري 1960 لتفنّد، ضمنيّا لا صراحة، ما ورد بالخطاب. فلئن ثمّن الشيخ جعيّط التدابير المتّخذة ضدّ “دور اللهو” في رمضان، فإنّه لم يشر بتاتا إلى أنّ العمل لمقاومة الانحطاط جهاد يجيز الفطر بل أنّه ذكر أنّ “الله تعالى… اهتم بأمر الصوم فجعله من دعائم الإسلام ونصّ على فرضه القرآن والسنّة وانعقد الإجماع على وجوبه واشتهر ذلك فصار من المعلوم من الدين بالضرورة يخرج منكر وجوبه من حظيرة الإسلام ويستحقّ المعتقد وجوبه المتخلّف عن أدائه لغير عذر شرعيّ عقاب الله في الدار الآخرة ذلك هو الخسران المبين.” ولم يذكر العمل/الجهاد في تعداده للأعذار الشرعيّة.

ويبدو أنّ هذا الموقف المخالف لتوجّه بورقيبة كان السبب المباشر في عزل المفتي جعيّط، ممّا انجّر عنه بقاء البلاد سنتين دون وجود من يشغل هذه الوظيفة إلى حدود تعيين الشيخ محمّد الفاضل بن عاشور سنة 1962.

ولعلّ هذا التباين في المواقف يعكس صداما بين فقه تقليدي ذي مرجعيات ثابتة تعوّد على احتكار قراءة النصّ الديني، وبين حاكم يعتبر نفسه مصلحا مجدّدا ويرى أنّ ”  من حقّ الحكّام بوصفهم أمراء المؤمنين أن يطوّروا الأحكام بحسب تطوّر الشعب” كما أكّد على ذلك في خطاب 18 مارس 1974. وتجدر الإشارة إلى أنّ بورقيبة تلقّى مساندة من بعض الفقهاء التقليديين أهمّهم أئمّة مدينة بنزرت والشيخ محمّد المهيري الّذي سبق أن شغل خطّة مفتي صفاقس والّذي أصدر بيانا بعنوان “بيان لأحكام الدين الإسلامي حول الجهاد الاقتصادي وصوم رمضان”، وهو عنوان يعكس بوضوح اتّجاه البيان الّذي استجلب، طبعا، ثناء الرئيس بورقيبة وإطراءه للشيخ المهيري باعتباره فقيها “مستنيرا” في مواجهة من يعتبرهم بورقيبة شيوخ الرجعيّة والتخلّف.

وكيفما كان تقييمنا لاجتهاد الزعيم الراحل، فإنّه من الأكيد أنّ موقفه من مسألة الصيام حلقة من سلسلة علاقة بورقيبة بالإسلام تعدّ من مواقفه الأكثر جرأة، لا سيّما وأنّ السواد الأعظم من المصلحين والمجدّدين المسلمين لم يثيروا قضيّة تطوير الأحكام إلا في ميدان المعاملات دون العبادات، مع استثناءات قليلة نذكر منها موقف محمد توفيق صدقي سنة 1906 من مسألة ركعات الصلاة والنصاب في الزكاة.


[1] يمكن الاطّلاع على مقتطفات من هذا الخطاب على الرابط التالي: http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D9%84%D9%8A%D9%91.html

Pin It on Pinterest

Share This