المحاسبة بين المطلب الشعبي واللعبة السياسيّة

بعد الثورة في تونس، كان من المنتظر أن يخضع للحساب كلّ من ساهم في خنق هذا الشعب وتعذيبه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وظهرت المطالبات بمحاسبة كلّ الفاسدين في العهد السابق وارتفع شعار “Dégage ” في العديد من المؤسسات والإدارات في وجه من كان على علاقة بالنظام السابق واستفاد منه بطريقة أو بأخرى. غير أنّه، وبعد أشهر من الثورة، فمن الملاحظ أنّ هذا الشعار خفت صداه ولم يعد بالحدّة الّتي كان عليها، بل والأدهى أنّ مبدأ المحاسبة نفسه أصبح محلّ تساؤل بل وأصبحنا نسمع أكثر عن ضرورة القبول بمبدأ المصالحة وتجاوز أخطاء الماضي…وعفا الله، والشعب، عمّا سلف.
والأكيد أنّ ما نراه اليوم على الساحة السياسيّة في تونس ينبئنا بصعوبة الوصول إلى “المحاسبة” إن لم يكن باستحالتها أساسا. فمنذ البدء، ومع التأكيد على التوجّه نحو استبعاد فكرة العدالة الانتقاليّة والاكتفاء بالمحاكمات “العادلة والنزيهة” في ظلّ القوانين الموجودة حاليّا يعدّ أوّل عائق في طريق المحاسبة الحقيقيّة لرموز الفساد. فهي أوّلا تضيّق من دائرة المشمولين بفكرة الحساب ويتخلّى عن المحاسبة السياسيّة لكلّ من ساهم في تكريس ودعم وجود النظام البائد لأكثر من عشرين سنة على الأقل (كأحزاب المعارضة الكرتونيّة ورجال الحكم من أعضاء حكومة، مستشارين، نوّاب…) وهي أيضا تعطي امتيازا واضحا للفاسدين الّذدين كانوا قابعين في سدّة الحكم والمتحكّمين في كلّ فواصله خصوصا الجانب التشريعي إذ سنّوا القوانين  اللازمة لخدمة  أغراضهم وخصوصا لتغطية جرائمهم وإخلالاتهم، ولا أظنّ أنّ فكرة “المحاكمة العادلة” حسب الالقوانين الّتي وضعوها ستتمكّن من إيجاد الحجج اللازمة لتسليط العقاب ضدّ المتورّطين في هذه المنظومة والدّليل على ذلك أخبار الإفراجات المتلاحقة عن عديد الرموز الّذين كانوا قيد التحقيق وذلك لعدم وجود أدلّة كافية لتوجيه اتّهامات ضدّهم، وكأنّنا بهذا المنطق نتناسى أنّ الّذين كانوا ممسكين بالدّولة هم أقرب في عملهم بالمافيا منهم إلى رجال السياسة، وأنّ معظم جرائمهم كانت تتمّ عبر القانون أساسا الّذي كان يحوّر وينقّح حسب احتياجاتهم الخاصة.
كذلك من الواضح أنّ من وجّهت إليهم أساسا دعوات للمحاسبة قد تمكّنوا من تنظيم صفوفهم واستطاعوا إيجاد آليات عمل تمكّنهم من الضغط على الحكومة والشارع (مثل إضرابات نقابة القضاة أو نقابة أعوان الأمن وتعطيل سير المرافق العموميّة وإحداث  حالة من الانفلات في الشارع)
وصعّب أكثر هذه المهمّة كون العديد من المؤتمنين على هذه الثورة وأهدافها، والّذين من المفروض أن يكونوا مطالبين بتفعيل هذا المطلب السهر على تحقيقه يظهر أنّهم كغيرهم من الغارقين في هذا المستنقع أصلا ومن الّذسن ستطالهم أيدي القصاص عند كلّ محاولة جدّية لفتح ملفات الفساد وبالتالي فلا نرى رغبة حقيقيّة من قبلهم للمضيّ قدما في هذا الاتّجاه بل على العكس، فإنّ المنطق والواقع يشيران إلى توجّههم نحو دفن هذه المطالب في مقابر النسيان (أذكر هنا تصريح لجنة تقصّي الحقائق حول الفساد أمام أعضاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة مشيرا إلى تفشّي الفساد لدى الجميع).
وينضاف الفساد إلى تقاطع مع حسابات سياسيّة ضيّقة من أحزاب عدّة آثرت هي نفسها السكوت على هذا الملف مقابل نيل رضا التجمعيّين واستقطابهم إليها والاستفادة من كتلتهم الانتخابيّة، طبعا مقابل دفن أخطاء الماضي.
وعليه، فأعتقد أنّه آن الأوان لنكون صادقين مع أنفسنا، وأن نقرّ أنّ المحاسبة الحقيقيّة ستظلّ شعارا أو مطلبا جماهيريّا مرفوعا دون إمكانيّة حقيقيّة لتحقيقه، وأنّ كلّ ما يجري هو مجرّد إخراج رديء لأفلام تخرجها نخبة سياسيّة ستكون أسعد نهاياتها تقديم بعض الرموز أكباش فداء لإسكات الرأي العام وطمأنته مقابل المضيّ قدما في اللعبة السياسيّة القذرة.
وفي غياب المحاسبة، وحتّى لا يطوى ملفّ المرحلة السابقة من تاريخ تونس في صمت وتنسى كلّ الجرائم المرتكبة في حقّ هذا الشعب ويعفى مرتكبوها من المساءلة القانونيّة، فإنّ الحلّ الّذي يبقى لنا هو أن نضع هذه الفترة أمام المساءلة الأخلاقيّة، وأن نؤرّخ كلّ ما حصل أثناء هذه المرحلة وتقديمه إلى الشعب أولا ليعرف كلّ الحقائق حول “المافيا” الّتي حكمت حياتها زهاء ربع قرن وثانيا لكي نترك له الحكم والقرار ولو الأخلاقي على شياطين تلك الفترة ، فمصارحة الشعب هي الحلّ الباقي لنا، والأكيد أنّ المحاسبة لن تكون من قبل “الفاسدين” أنفسهم الّذين لم يكبّدوا أنفسهم حتّى عناء تقديم اعتذار للشعب.
فعلى الدولة واللجان المعيّنة والمنظمات وكلّ من له صلة بالموضوع أن يبحث ويؤرّخ ويوثّق لتلك الفترة، فمن كانت إمكانيّة مساءلته أمام العدالة متاحة، فالأولويّة لذلك، ومن استطاع أن يفلت من طائلة القانون، فلنضعه أمام حكم التاريخ والشعب ولنحمّله على الأقل مسؤوليّة أخلاقيّة في محاكمات شعبيّة رمزيّة قد لا تكون لها قوّة إلزاميّة لكنّها ترجع البعض من الحقّ الضائع وتعيد القليل من العدالة المسلوبة، حتّى لا يظلّ المبدأ في تونس أن تمرّ جرائم الفاسدين دون مساءلة.
والأكيد أنّ جرائم المرحلة الفائتة وعدد المتورّطين فيها يستلزم تأليف كتب عديدة وربّما مجلّدات كثيرة، ولكنّ توثيقها ونشرها ربّما يحقّق البعض من العدالة الشعب الّذي عانى وزرها لعقود ويمكّن من إيجاد نوع من المحاسبة، ولو كانت أخلاقيّة بالأساس، وذلك أضعف الإيمان

Please follow and like us:

اترك رد