الورد الحرام (1)

تريدون أن أعترف..لا بأس سأعترف..نعم يا أخواتي و يا إخوتي الطيبين أنا لا أعترف بمؤسسة إسمها الزواج..لا وجود لهذا المصطلح في قاموس حياتي…مجرد الفكرة تشعرني بالاختناق..و تسألون لماذا؟؟..و لكن المتزوجين منكم يعيشون الجواب حتما..و يغوصون في وحل المسؤوليات حتى أخمص القدمين…

كان الزواج ليكون رابطا نبيلا و مقدسا كما وقع تعريفه في القران الكريم..هذا لو تشبثنا بالهدف الرئيسي و الحقيقي و هو تأطير علاقة عاطفية صادقة ..حتى لا تكون عشوائية وحتى لا تنمو في الظل و تشب على هامش الحياة و حتى لا تكون عرضة لانتقادات الطفيليين التي لا نهاية لها …لكنه في المجتمعات العربية لا يعدو أن يكون سجنا اختياريا أبديا مع الالتزام بالأشغال الشاقة ..لا يعدو أن يكون حربا خاسرة منذ البداية وانتقام الذات للذات…

للأسف الشديد ..نحن لا نتزوج من أجل بداية حياة  مشتركة نقتسم فيها اللقمة والدمعة وأشياءنا الصغيرة…نحن لا نتزوج من أجل تعزيز طاقة الحب الكامنة فينا و مضاعفتها لتحتوي كل من يحيط بنا..نحن لا نتزوج من أجل الحب..بل نحن نتزوج بغاية الزواج..بغاية إرضاء هذا المجتمع الدغمائي المتعصب اللذي لا ينفك يملي علينا اراءه البائسة و أ فكاره البالية و يسلط علينا عينه الخبيثة التي لا تنام … أتعتقدون أن المجتمع مقدس و أن اراءه معصومة من الخطأ؟؟…لكن المجتمع يمثل الأغلبية و يمكن للأغلبية أن تخطأ..فلماذا نسلم مهمة تقرير مصيرنا للمجتمع؟…لماذا تصاب الفتاة منا بهوس الاحتمالات و تظهر عليها بوادر اليأس و الاحباط إن تجاوزت العشرينات و لم تتزوج بعد؟؟؟…ما ذنبها إن لم تجد بعد الشخص المناسب؟؟؟…ما ذنبها إن كانت إنسانة مسؤولة قضت سنوات حياتها تطلب العلم في سبيل تكوين شخصية متكاملة الأركان..حرة و مستقلة…

المجتمع هو الذي يقرر من ستتزوج ومن ستقضي بقية حياتها عانسا…يصنفونها في خانة المجرمين  أو المجانين..و يرمونها بنظرات غريبة و يتحدثون عنها في الخفاء و يشفقون عليها كما لو كانت فتاة لقيطة و يتيمة أو مريضة بداء عضال…المسكينة ..تجاوزت الثلاثين ولم تتزوج..المسكينة.. أمر محير حقا..يظهر أنها سيئة السمعة.. أو ارتكبت سلسلة من الحماقات في فترة المراهقة أو الشباب …الله يلطف بنا…و تهز المرأة فينا طرف الثوب المشدود إلى صدرها وتبصق داخله بغباء و تترنح كالمشعوذة المخبولة ..لتطرد الأرواح الشريرة أو الحظ السيء …و تنتشر الشائعة بين خلايا المجتمع المريض فيكبرها ويصغرها و يحرك كل الخيوط …و تصبح فتاة الثلاثين بين عشية وضحاها منبوذة يتجنبها الجميع كما يتجنبون الحيوان الأجرب..يغلفونها بغبار خيالاتهم المريضة ثم تنسى…كأنها لم تكن…هذا هو المجتمع..هو الفيصل الأول والأخير…مجتمع أحمق أخرق مبني على ثقافة الرفض المباشر و الأحكام المسبقة و تلفيق التهم..ثقافة النبذ والاحتقار و الحقد والكراهية والتشفي ..

أي مجتمع هذا الذي أتزوج لأرضيه ؟؟ و أي مفهوم للزواج هذا اللذي أطوع من أجله تفكيري ومن أجله أغير نمط حياتي و أبيع حريتي بأبخس الأثمان…

أنا مع الحب ..ولست مع الزواج…بعضكم يقول..لكن ماهي فائدة الحب ان لم ينتهي بزواج؟؟..وكيف يقبل مجتمع شرقي علاقة حب لا يؤطرها زواج؟؟ …هذه العلاقة باطلة

 لأن كل ما فيها حرام ..القبلات في إطارها حرام.. المواساة والتآزر وتقاسم الحياة بما فيها من آلام حرام و حتى الورد الذي يجلبه حبيب لحبيبته خارج إطار الزواج حرام…

أنتم تحرمون ما تشاؤون…ادخلوا إلى المنازل –الشرعية – و ستعرفون الحرام الحقيقي..ادخلوا لتشاهدوا بأعينكم  ما الذي يقصد بزواج على التركيبة الشرقية…شخصان يعيشان تحت سقف واحد ولا تجمعهما نقطة اشتراك واحدة…شخصان غريبان في نفس المكان ..لا يوجد بينهما سوى تواصل بارد جاف وكلام كثير …مرهق..مضن عن المادة..عن المساهمة في المصروف…عن ا لأبناء…عن الدراسة ..عن المستقبل…عن الرصيد البنكي..عن الثلاجة و علب المصبرات و علب الدواء وعلبة مربعة ضيقة الجدران عكرة كريهة الرائحة…هذا هو الزواج …الزواج ليس كما تقولون نهاية الحب… اسمحوا لي بان أقول عن ثقة وعن قناعة أن الحب لا يخضع لقاعدة العبرة بالخواتم…فالزواج-حتّى إن رأى البعض تنسيب قولي- هو مقبرة الحب …هو جحيم الله على الأرض..الجحيم الأبدي ذو الواجهة البريئة المغرية  و مشنقة الدنيا و الاخرة وكذبة كبيرة و ادمان على واقع روتيني مقيت و استنزاف للروح والطاقة والفكر والجسد و خيانة الماضي و موت الحاضر وانتحار المستقبل …

نحن لا نتعلم إلا إذا جربنا…نحن لا نتعلم إلا إذا أخطأنا..لكنه من اللا معقول واللا منطقي أن نخوض تجارب خاسرة منذ البداية ومن المحرج حقا ان نتعمد ارتكاب الأخطاء لنتعلم منها..في حين أن الحقيقة تقف ثابتة نصب أعيننا…الزواج …بالمفهوم الشرقي للكلمة…مجزرة حقيقية  وانتحار جماعي …

يبدأ الزواج بهاجس…بفكرة…بحلم بائس…يسكن..عقل الشاب منذ تجاوز المراهقة و يدخل في دوامة الحسابات التي لا تنتهي..كيف سأوفر مصاريفه ..و ان ضغطت على المصروف فهل سيتسنى لي قضاء حاجياتي اليومية في زمن تصاعدت فيه الأسعار بطريقة خيالية ؟؟؟ كيف أماطل الفتاة التي أحب حتى أدربها على الصبر و الانتظار؟؟ لكن الصبر لا يعدو أن يكون ذخيرة متواضعة من طاقة الترويض للذات..يوما ما ستنفد هذه الذخيرة و سأقبض على قلبي بكلتا يديّ حتى لا يسقط أشلاء و أنا أشاهد الفتاة التي أحب تنصرف عني إلى رجل اخر حالفه الحظ في الحياة وتوفرت له العوامل المادية التي تعمل بمثابة المغناطيس…تشتري الأجساد والعقول و المناصب وحتى القلوب…تبد أ المأساة من هاجس …من سلسلة لا متناهية من الحسابات و التفكير المؤرق المضني في كيفية توفير مصاريف الزفاف

يتبع…الورد الحرام (2) 

Please follow and like us:
One Comment

اترك رد