سفسطة في مسألة الإرث

بقلم: حمزة عمرinheritance

لا أظنّ أنّ النوّاب الذين قدّموا مقترح القانون الأساسي المتعلّق بتحديد نظام المنابات في الميراث كانوا يجهلون ما سيثيره مشروعهم من لغط، وما سيرمون به من معارضي المشروع. ورغم أنّه اتّضح أنّ المشروع يجعل من المساواة اختيارية، فإنّ ذلك لم يخّفف من حدّة التهم، التي وصلت حدّ الاتّهام بتحريف القرآن.

ما يهمّني في هذا الصدد هو ما يحتّج به معارضو هذا المشروع. الأكثر نزاهة مع أنفسهم ومع غيرهم يحتجّون بالنصّ الصريح، ولو أنّهم لا يبرّرون بشكل مقنع عدم تطبيق النصّ الصريح في مسائل مثل الحدود البدنية وملك اليمين ومنع تعدّد الزوجات… آخرون يتّهمون أصحاب المشروع بأنّ لهم حسابات سياسية مبطنة، وأنّ توقيت تقديمهم لهذه المبادرة غير بريء، وهي اتّهامات تبلغ حدّ جنون الارتياب، لا سيّما وهي تصدر عن أطراف مشاريعها متضادة (إذا افترضنا أنّ لديها مشاريع). هناك كذلك من يفترض ارتباطا بين النصيب من الميراث وواجب النفقة، ويغضّ الطرف عن كون طبيعة الحياة المعاصرة أضحت تستوجب، واقعا وحتّى قانونا ولو بشكل محتشم، مساهمة المرأة في الإنفاق.

وهناك قسم آخر ينفي تماما وجود الإشكال!  والحديث عندهم عن فرض المساواة في الميراث لا معنى له، اعتبارا إلى أنّ منظومة التشريع الإسلامي تسوّي فعلا في عدّة أحيان بين الرجل والمرأة في الميراث، بل أنّه، على حدّ قولهم، ترث المرأة أكثر من الرجل، أو ترث المرأة ولا يرث الرجل، في حالات يبلغ عددها أضعاف الحالات التي يرث فيها الرجل أكثر من المرأة. ويرمي هؤلاء خصومهم بالجهل المدقع ويدعونهم إلى ترك الأمر للخبراء الذين يفقهون في هذه المسائل.

قد أصبحت هذه الحجّة ترد على لسان الكثيرين، ومنهم مفكّرون وأساتذة يوصفون بالاعتدال والعقلانية يستشهدون بجداول طويلة عريضة على قدر كبير من التفصيل (ظاهرا) باعتبارها الدليل الدامغ (بما أنّها مقدّمة بطريقة حسابية دقيقة) الذي لا يمكن دحضه على توفّر المساواة في منظومة الميراث في التشريع الإسلامي، هذا إذا لم نعتبر أنّ المرأة أفضل وضعا من الرجل!

أقلّ ما يمكن قوله عن هذه الحجّة أنّها مستفزّة، لأنّها تستبله عقل المخاطَب عن طريق الإدلاء بخبرة مزعومة هدفها في الحقيقة إثناؤه عن التفكير. وهكذا يفعل “الخبراء” عموما: يقنعونك أنّ المسألة تقنيّة ومعقّدة للغاية، ولا يمكنك أن تفهمها، وعليك أن تسلّم الأمر بوثوقية إلى من يحترفونها، في حين أنّ الأمر لا يستدعي أحيانا سوى إعمال بسيط للعقل وشيء من المعرفة، لتفهم ما يريد الخبراء احتكاره، عموما لأنّ لهم من الخلفيات ما يستدعي احتكاره.

يكفي التعرّض بدءا للحالات الّتي يرث فيها الرجل ضعف ما ترثه المرأة. يكون ذلك بين أبناء المورّث وبناته، وبين أبناء ابنه وبنات ابنه، وبين أشقائه وشقيقاته، وبين إخوته لأب وأخواته لأب، وبين أبيه وأمّه (في غياب الفرع الوارث)… لا أظنّ الأمر يحتاج إلى إحصائيات كثيرة للقول بأنّ هذه الحالات هي الأكثر وقوعا في التطبيق، بما لا يقاس إلى غيرها من الحالات… فالقول أنّ المساواة متوفّرة في المنظومة ككلّ استنادا فقط إلى حساب الحالات (وهو في ذاته حساب مغلوط كما سيقع بيانه في الفقرات التالية)،  دون النظر إلى وزنها في الواقع، يجعل من حالات هامشية ونادرة الحصول على قدم المساواة مع حالات تقع بشكل متواتر ويومي. ولتقريب الصورة من الأذهان، تكفي الإشارة مثلا إلى أنّ أصحاب هذه الحجّة يجعلون الحالة التي يتوفّى فيها الأب ويترك ابنا وابنة في نفس أهميّة الحالة التي يتوفّى فيها شخص ويترك زوجة وأمّا وأخوين شقيقين وأختين لأم!

ويورد من ينفون عدم المساواة عدّة حالات (هي ثلاثون حالة في حساب البعض، كما في هذا الرابط) ترث فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه، أو ترث المرأة فيها ولا يرث الرجل. وإذا تمعنّا في هذه الحالات، نجد أنّ عددا منها يتعلّق بوضعيات لا تكون فيها المرأة والرجل المعنيان في نفس درجة القرابة من المورّث، كحالة الزوج مع ابنته الوحيدة وحالة الزوج مع ابنتيه وحالة البنت مع أعمامها. ولا أدري كيف يمكن الحديث عن مساواة بين وضعيات لا متساوية! فكلّما كان الوارث أقرب إلى المورّث، زاد النصيب من الميراث، وإنّما يطرح الإشكال لمّا يختلف الجنس في نفس درجة القرابة. والحالات التي تكون فيها المساواة متوفّرة حقّا في نفس درجة القرابة محدودة للغاية: بين الأب والأم في وجود الفرع الوارث، وبين الإخوة والأخوات لأم.

أمّا في عدد آخر من الحالات، فنجد أنّ الأمر يتعلّق بافتراض وهمي لا يوجد في الواقع. ومن الحالات التي تذكر في هذا الصدد حالة المرأة التي تتوفى وتترك زوجا وأمّا وأختين شقيقتين. إذ ترث كل شقيقة هاهنا الربع، في حين أنّه لو كان للمورّثة أخوان شقيقان بدل الأختين الشقيقتين، لكان نصيب كلّ منهما السدس. لكن الأخوين الشقيقين في هذه الحالة ليسا موجودين في الواقع ! إذ لو كان للمورّثة أخ شقيق إضافة إلى الأختين الشقيقتين، لورث هو السُدس، واقتسمتا هما السدس، إذ أنّ قاعدة “للذكر مثل حظّ الأنثيين” تطبّق آنذاك. وبالتالي ففي الحالة الواقعية التي يوجد فيها الوريثان من نفس الدرجة، تميل الكفّة لصالح الذكر.

كما أنّ من ينفون عدم المساواة في نظام الإرث في التشريع الإسلامي لا يمتنعون عن القيام بمغالطة كبرى إذ يجتهدون في افتراض جميع الحالات التي يرون فيها أنّ المرأة ترث أكثر من الرجل، في حين يكتفون بذكر القاعدة العامة عندما يرث الرجل أكثر من المرأة. ولو أردنا تفصيل القاعدة العامة إلى حالات افتراضية، لوجدنا الحال على غير ما يزعمون.

ولو شئنا “السفسطة المضادة”، لأمكننا القول أنّ هناك حالات يكون فيها وجود الذكر مانعا للأنثى من إرث كانت لتستحقّه لولا وجوده! ومثال ذلك الحالة التي تترك فيها المورّثة زوجا وأبا وأمّا وبنت ابن وابن ابن. ففي هذه الحالة، لا ترث ابنة الابن وابن الابن شيئا، في حين لو كانت ابنة الابن موجودة دون ابن الابن، كان ليكون نصيبها السدس (وفي التطبيق، أقلّ من ذلك بقليل لأنّ المسألة فيها عول).

هذا لا يعني أنّه لا توجد فعلا حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، كحالة أمّ الأمّ وأبي الأمّ، وحالة أمّ أمّ الأمّ مع أبي أمّ الأمّ (وهنا أبو الأمّ وأبو أمّ الأم ليسا من الورثة) وهي ممّا سبق أن ذكرنا أنّها هامشية ونادرة قياسا إلى غيرها، لا سيّما إذا لم نعتبر سوى الحالات الواقعية التي تتساوى فيها درجة القرابة.

الحجّة كلّها إذن مبنيّة على سفسطة: على حساب مغلوط للوضعيّات الممكنة في الإرث، وعلى تسوية بين الحالات الأكثر وقوعا والحالات الهامشية، وعلى افتراضات وهميّة يثبت الواقع عكسها… وكلّ هذا يقدّم في إطار منمّق يوحي بموضوعية لا شيء له منها في الحقيقة.

ليكن النقاش نزيها. ليدل من شاء بما يعتقد، وليستند إلى الحجج التي يراها صالحة. فقط عليه أن يحترم عقول الآخرين وثقتهم في “خبرته” المزعومة وليحترم كذلك نفسه بالتعفّف عن القيام بمغالطات مهما بلغ تعقيدها ليس لها من مآل سوى أن تنكشف…

Pin It on Pinterest

Share This