رحلتي إلى جامعة الدراسات الأجنبية في بكين

بقلم: أ.د. محمد عبد الرحمن يونس

  بعد وفاة الرئيس الصيني ماو تسي تونغ عام (1976م)، استلم مقاليد السلطة الرجل القوي في الحزب الشيوعي الصيني (دنغ شياو بينغ)، وبدأ يغيّر خارطة الصين السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وعمل جادا على نشر إيديولوجيته المعرفية المعادية لسياسة ماو تسي تونغ، وكرّس جميع توجهات الدولة في الصين لأن تسير وفق نسق معرفي مغاير تماما لما كان سائدا أيام ماو، فأعلن رغبته العميقة بالانفتاح صوب أمريكا بمختلف علاقاتها الرأسمالية، وأطلق على برنامجه السياسي اسم : “سياسة الإصلاح والانفتاح”، وفي ظلّ هذه السياسة تدنّت منزلة طبقة العمال والفلاحين في السلم الاجتماعي والسياسي، وارتفعت منزلة التجار وأصحاب الأموال والرأسماليين، والملاك الجدد، وبدأت سياسة الدولة تنحدر تدريجياً لتتشبع بمفاهيم اقتصاد السوق وعلاقات شركاته التجارية والاستثمارية، وتوفي دنغ شياو بنغ في عام (1995م)، وأتى بعده الرئيس جيانغ تسه مين، وانتهج سياسة سلفه دنغ شياو بنغ، وزادت طبقة العمال والفلاحين،ـ التي كانت هي الطبقة الأولى المأمول منها أن تطوّر الصين صناعيا وحضاريا،ـ فقراً وتهميشاً واستلاباً، وأُبعدت تدريجياً عن بؤرة الأحداث والسياسة ومقاليد الحكم؛ وقد حدّثني صديق صيني مفكّر ومعروف في الوسط العلمي الصيني، وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث حول الحبّ والزواج والسياسة في عهد ماو، وعندما سألته: هل سبق لك وأن أحببت امرأة غير زوجتك الحاليّة حبّاً رومانسياً شفيفاً وعميقاً ملأ ذاكرتك ووجدانك؟ فقال: نعم، وكان أكبر مما تتصور، إنّه أول حب في حياتي، ولكني لم أوفّق إلى الزواج بها، لأنّ طبقتها الاجتماعية كانت أعلى منزلة من طبقتي، فقد رفضني والدها، لأنه كان  من طبقة العمال، أمّا أنا فكنت محسوباً على طبقة المثقفين التي لا ترقى منزلة إلى طبقة العمال وفق رؤية نظام ماو تسي تونغ السياسي والاجتماعي. وإذا ما قارنا هذه الحادثة بما يجري اليوم في الصين المعاصرة، وتحت ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح، فإنّ الرجل الصيني المعاصر يطمح في أن يتزّوج من طبقة الأثرياء والملاك الجدد وأصحاب الشركات التجاريّة والمقاولين ورجال الأعمال، لا من طبقة العمال والفلاحين، لأنّ كثيراً من الأثرياء الجدد يتأففون من منظر الفلاحين القادمين إلى بكين.وقد قالت لي إحدى طالباتي، من طلاب السنة الرابعة،  التي تنتمي إلى أسرة ثريّة يعمل الوالدان فيها في الشركات الخاصّة، بكثير من الاستعلاء والطبقية والعجرفة، وبينما كنّا نتجوّل في منطقة كون جون فن : إنّ الفلاحين الكثر القادمين من الأرياف إلى بكين يسببون مشاكل كثيرة، ويسهمون في تشكيل الفوضى والزحام والتلوّث، بالإضافة إلى أنّ مناظرهم الريفية تسيء إلى الوجه الجمالي المديني والسياحي لمدينة بكين. وقال لي صديق صيني آخر، وبينما كنّا نتجولّ وعندما شاهدنا بائع أوراق اليانصيب: إنّ الحياة حظوظ، وهنيئا لمن يحالفه الحظّ ويربح جائزة اليانصيب. وذكر أنّ عاملاً صينياً ربح قبل عامين ثلاثين مليون يواناً صينياً، وصار الآن رجلاً مهماً ومرموقاً ومن كبار رجال الأعمال، وقال بالحرف الواحد : “ولم يكن يساوي حتى بصلة عندما كان عاملاً”. فالعامل الذي قامت على كتفه ثورة ماو تسي تونغ، غدا لا يساوي حتى بصلة في ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح. ومن خلال رأي هذا الصديق الذي يعبّر عن كثير من قناعات الصينيين المعاصرين يمكن أن نلمس مدى تدني طبقة العمال في الصين المعاصرة في التراتب الطبقي مقارنة بما كانت عليه أيام ماو تسي تونغ، ومدى النزوع الشديد لدى جماهير الصين إلى الثراء الفاحش، واختزان الأموال واستثمارها، ففي عهد ماو تسي تونغ “كان الرجل الصيني التقليدي يخجل من أن يذكر المال في حديثه، أو يبدي اهتماماً به في ظلّ المفاهيم التقليدية. ومن يبدي اهتماماً بالمال يستخفّ الناس به ويحتقرونه، أمّا الآن فقد ظهر اهتمام قوي بالكسب السريع، والتفنن في الملذّات الشخصيّة من شراب ورقص وخمور وطعام وجنس”، كما أكّد لي صديقي  البروفيسور الدكتور شريف شي سي تونغ الذي كنت أعمل معه في شعبة الدراسات العليا في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين. وأصبح المال في المجتمع الصيني المعاصر غاية الغايات، وإلهاً وسيداً مطاعاً، وأخذ كثير من أبناء الجيل الجديد يدخلون الجامعات لا رغبة في المعرفة والتحصيل العلمي، وتوسيع آفاق العقل وقدراته، والإسهام في بناء الصين الحديثة، وعصرنتها، بل أملاً في الحصول على الوظيفة في الشركات الخاصة التي تدرّ الأموال الكثيرة. وقد حاورت طلبتي في الجامعة وسألتهم: هل تفضّلون الحصول على الوظائف الرسمية في الدولة أم على وظائف الشركات الخاصّة، والأجنبية العاملة في الصين؟ فأكدوا جميعاً أنهم يفضّلون العمل في شركات القطاع الخاص، والشركات الأجنبيّة لأنّ رواتبهم تتراوح في هذه الشركات ما بين 4500 يوان إلى  8000 يوان، في حين أنها لا تتجاوز 2500 يوان في شركات القطاع العام ومؤسساته. وحاولت جاهداً أن أقنع الطلبة المتفوّقين- طلاب السنة الرابعة – والذين يتقنون اللغة العربيّة إتقاناً جيداً أن يتابعوا دراساتهم العليا في الأدب العربي ليزدادوا فهما ًله، وتذوّقاً لقيمه الجماليّة، والإنسانيّة العالية، لكني عبثاً حاولت، باستثناء طالبة واحدة أبدت رغبتها الشديدة بمتابعة دراساتها العليا، لأنّها زارت كثيراً من دول الوطن العربيّ، فوالدها ثريّ يعمل في التجارة، وهي ليست بحاجة للدخول مبكّراً في سلك الوظيفةـ  فهؤلاء الطلاب مقتنعون تماماً كما أكّدوا لي أنّ الدراسات العليا في الأدب العربي لا جدوى منها، لأنها  لا تسهم في الكسب والثراء السريع، ولا تعطي الفرد وظيفة مرموقة توصله إلى صفوة القوم، فالحكومة الصينية لا تولي كبير اهتمام بخريجي أقسام اللغة العربية في الجامعات والمعاهد الصينية التي تدرّس اللغة العربية. بل تسعى في جميع توجهاتها السياسية والاقتصادية والبحثية إلى كسب المال وبأقصر الطرق، وبشتى الوسائل، ولا يهمها إن كانت هذه الوسائل في المطاف الأخير تهدف إلى إسعاد الناس أو تعاستهم، وزيادة تحميلهم ما لا يطيقون.

سور الصين العظيم

وفي هذه الأيام، وفي ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح،  سعت الحكومة جادة لجمع المال من المواطنين الصينيين ومن السياح الأجانب، وذلك بفرض الضرائب، وفرض الرسوم الماليّة على زائري المناطق والحدائق السياحية في جميع أنحاء الصين، فليست هناك في الصين حديقة عامة واحدة يستطيع أن يدخلها أي زائر، سواء أكان صينيا أم أجنبيا، إلاّ بعد أن يدفع رسوما مالية لإدارة الحديقة، وهناك بعض الاستثناءات الطفيفة، إذ تمنح بطاقات حمراء خاصة لأعضاء الحزب الشيوعي البارزين، يتمكنون بوساطتها من دخول هذه المعالم والحدائق السياحية. مع العلم أنّ رسوم الدخول إلى هذه الأماكن السياحية ليست قليلة مقارنة بمداخيل المواطنين الصينيين. فعلى سبيل المثال يبلغ رسم الدخول إلى القصر الصيفي في بكين (30) يواناً، وإلى حديقة بيهاي (20) يوانا، وإلى حديقة الحيوان (25) يواناُ، وإلى الجبل العطري( 20) يواناً، وإلى سور الصين العظيم( 45) يواناً، وإلى مقرّ اتحاد الكتّاب الصينيين عشرة يوانات، وهكذا. وتسهم هذه الرسوم إسهاماً كبيراً وواضحا في ثراء خزينة الحكومة، وبخاصة إذا عرفنا أنّ عدد زوار هذه المعالم كبير جداً، وأنّ هؤلاء الزوار يأتون من أنحاء الصين كافة. ومن جميع أنحاء العالم أيضا.

****

بيجينغ، عاصمة الصين، وهذا هو اسمها المعروف لدى العالم الغربي، ونحن نسميها في العالم العربي بكين، هذه  المدينة العجيبة التي تختلط فيها الأساطير بالوقائع والأحلام. وفي هذه المدينة  عملت أستاذا  في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، وهي أكبر الجامعات الصينية التي تدرس اللغات الأجنبية الكثيرة للطلاب الصينيين. وفي كلية اللغة العربية في هذه الجامعة ألقيت محاضرات لطلاب شعبة الدراسات العليا – الماجستير والدكتوراه، وطلاب السنتين الثالثة  الرابعة، درّست من خلالها نصوصا ودراسات أدبية في الشعر العربي الحديث والقصة القصيرة والمقالة والرواية والمسرح وتاريخ الأدب العربي. ولم تكن الحياة في بكين سهلة، فبكين مدينة شاسعة جداً، والجامعة التي أعمل بها خالية تماماً من العرب، سواء أكانوا أساتذة أم طلاباً، فجميع الطلاب العرب موجودون في جامعة اللغات والثقافة، وجامعة العلوم الخاصة بالطيران (ريخن) ،وجامعة بكين، والطعام الصيني مختلف تماماً عن الطعام العربي والأوربي، وجميع مطاعم الصين لا تقدّم لروادها شوكة ولا سكيناً، وكان عليّ في البداية أن أحمل معي شوكة وسكيناً، وبقيت أحملهما كلما دخلت مطعماً، إلى أن تعلمت استخدام العصوين الذين يبدو استخدامهما صعباً بالنسبة للأجنبي، يضاف إلى ذلك، أيضا، أن مطاعم الصين تقدم لحم الخنازير والكلاب والقطط والضفادع والثعابين والعقارب وغيرها في جميع وجباتها، وأنواع اللحوم هذه هي التي يفضّلها الصيني على بقية الأنواع الأخرى. وكان عليّ وعندما أدخل أي مطعم – في البداية – أن أبرز لعاملة المطعم ورقة مدوّن عليها باللغة الصينية المعقدة جداً كان قد كتبها لي أحد طلابي في الجامعة : “أرجوكِ أريد وجبة خالية تماماً من لحم الخنازير والقطط والثعابين أريد لحم الدجاج والسمك فقط “. وعلى الرغم من الصعوبات التي يجدها الأجانب في الصين يبقى الرحيل إلى الصين مثيراً وممتعاً، فالصين عالم غريب وأسطوري، ومغاير لمعظم بلدان العالم وعواصمها وعاداتها وتقاليدها، عالم مثير، مليء بالغرابة والتناقض والسحر والدهشة والجمال، فبكين المدينة الثريّة، التي يقول الناس عنها إنها ثالث مدينة في العالم من حيث الزحام والحركة وعدد السكان والكبر (بعد نيويورك وطوكيو) غاصّة بالمشاكل، فإلى جانب التقدم التقني والحضاري والعمراني الذي وصلت إليه يوجد الفقراء والشحاذون الذين يملؤون أرصفة الشوارع الراقية فيها، وتوجد البيوت القصديرية الضيقة التي تفتقر إلى أبسط شروط العيش الكريم، وإلى جانب متاجر الألبسة الفخمة الفارهة التي تضاهي أكبر متاجر العالم، يوجد دكاكين الأسواق الشعبيّة (البالة) الغاصّة بالفقراء وذوي الدخل المحدود. وإلى جانب المعاقل والمعالم العلميّة الكبرى التي تعلّم العلوم والمعارف الحديثة، كجامعة الدراسات الأجنبية في بكين وجامعة بكين وجامعة (رين مين داشي) وغيرها من الجامعات، يوجد المشعوذون الذين يقفون أمام أبواب هذه الجامعات ليقرؤوا ما تخفيه الأقدار والحظوظ، من خلال قراءة ما تخفيه أكفّ الأيدي وتقاطيعها وبصماتها، والغريب في الأمر أن الطلاب الصينيين الذين تربّوا تربية ماركسية يتوجهون إلى هؤلاء المشعوذين ليكشفوا لهم حظوظهم ومصائرهم. وفي معابد الإله بوذا في بكين تنحني نساء بكين إجلالا أمام بوذا، طالبات منه أن يرزقهن غلاماً، ويتقدّم إليه طلاب الثانوية العامة بالنذور علّه يمنحهم بركته، وينجحون في الامتحانات النهائية. أمّا الرجال المهووسون بالسفر والترحال إلى أمريكا وأوربا، فإنّهم أيضاً يذهبون إلى المعبد ويتضرّعون إلى بوذا علّه يمنحهم تأشيرة خروج من الصين.

وفي الأحياء الأرستقراطية الثريّة في بكين حيث ينتشر التجار الأجانب ورجال الأعمال الأثرياء، تجد النساء ملاذاً لأحلامهنّ في الثراء واكتناز المال، فينذرن أنفسهنّ خليلات ومرفِّهات ومدلِّكات لأجساد هؤلاء الرجال. وكلّ ذلك أمام مرأى رجال البوليس .

إنّ الصين المعاصرة التي انتهجت سياسة الإصلاح والانفتاح نحو أمريكا والغرب الأوربي بعد وفاة الزعيم ماوتسي تونغ (1976م) بدأت في عهد سلفه (دنغ شياو بينغ) بالتخلي عن معظم مبادىء النظام الاشتراكي، فباعت الشركات والمصانع الحكومية إلى القطاع الخاص، وباعت منازل الدولة إلى الملاك الجدد. وودّعت الاقتصاد الاشتراكي منتهجة اقتصاد السوق وسياساته، وهي الآن في عهد الرئيس الحالي تزداد قرباً من أمريكا، وتقيم معها أوثق العلاقات والروابط السياسية والتجارية، أمّا علاقاتها مع إسرائيل فهي وطيدة جداً، إذ يسهم الخبراء الإسرائيليون في تطوير الترسانة العسكرية الصينية. والإعلام الإسرائيلي قوي ونشيط جداً بينما – وللأسف – نجد أن الإعلام العربي في الصين هزيل جداً ومحدود، وغير فعّال، وفي أحيان كثيرة ملغى تماماً .

تحوّل كبير

في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح، التي انتهجتها الحكومة الصينية، شهد المجتمع الصيني تحولا كبيرا في المفاهيم والقيم والأخلاق، ففي الصين ومع هذه السياسة »صار كل شيء موجودا، أمّا في هونغ كونغ فصار كل شيء مباحا «، على حدّ تعبير الصينيين المعاصرين، وإذا كان كلّ شيء موجوداً في الصين، فإن كلّ شيء مسموح به، ما عدا انتقاد الحكومة الصينية والتظاهر ضدّها. وكان علي حتى أفهم المجتمع الصيني بتركيبته الثقافية والسياسية والمعرفية، أن ألتقي بنخبة من المثقفين أحاورهم، ولم أنس التجوال الطويل في الشوارع والمتاجر والأحياء الشعبيّة الفقيرة، والأرستقراطية في آن، وأن أتحدث مع الناس والبائعين، بصحبة بعض طلابي وأصدقائي الصينيين الذين كانوا يترجمون لي ما يحلو لهم، ويتجاهلون ما هو كاشف لعيوب المجتمع الصيني ،فالصينيون يتصفون بالحذر الشديد من الأجنبي. وقد ساعدني على فهم ما يدور في الصين المعاصرة كثير من المراجع والمقالات المكتوبة عن الصين، والمتوافرة في مكتبة كلية اللغة العربية

بعض أمراض الانفتاح

وفي ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح التي قادها زعيم الحزب الشيوعي السابق دنغ شياو بنغ، والتي أطاحت بأنصار الزعيم ماو تسي تونغ، وبالمقربين منه، من زعماء السلطة السياسية.  تأسست مفاهيم وقيم رأسمالية جديدة لم تكن سائدة في مجتمع الصين وعلاقاته في حقبة الزعيم ماو تسي تونغ.

وفي ظل هذه السياسة  ظهرت الرشاوى والفساد والسرقات والمحسوبيات والعلاقات الشخصيّة والبيروقراطيّة الإدارية والعمولات، وبدأت دوائر المجتمع الصيني  تغصّ بهذه الأمراض التي أخذت تنخر جسد المجتمع الصيني وروحه، وتفتته وتقسمه طبقياً، بحيث يزداد الفقراء فيه فقرا والأثرياء ثراء، واعتقد   كثير من الصينيين المعاصرين أنّ في هذه السياسة خلاصا اقتصادياً واجتماعيا وإنسانياً من مشاكلهم وأمراضهم السياسية والاجتماعية، وأنّها ستحقق لهم أحلامهم في الثراء والرفاهية، التي لم تتحقق في حقبة الرئيس  ماو تسي تونغ.

وأحبّ أن أشير إلى أنّه نظراً لما عانته الصين من الاستعمار الأجنبي الطويل، وما رافق هذا الاستعمار من ظلم للشعب الصيني، وقهره، واستغلال خيراته، قد تشبّعت نفوس الصينيين بحساسية شديدة ضدّ أي أجنبي يقيم على الأراضي الصينية، ويعمل في مؤسسات الصين. فبعد أن استولى ماو تسي تونغ على مقاليد السلطة في الصين، قامت السلطات الصينية بمصادرة أملاك الإقطاعيين وتوزيعها على أفراد الشعب، وأمّمت المصانع العائدة لطبقة الرأسماليين، وطردت جميع الأجانب المقيمين على الأراضي الصينية مع استثناءات جدّ محدودة، تشمل مجموعة من الأشخاص المساندين للثورة الصينية والفاعلين فيها. ولم يستطع الصينيون المعاصرون بعد أفول نجم ماو تسي تونغ وسياسته الاشتراكية، وسيادة سياسة الانفتاح، وعلاقات السوق، ورأس المال، أن يخفّفوا من هذه الحساسية التي سرعان ما تظهر على وجوههم وفي مواقفهم، وفي انفعالاتهم، وممارستهم اليومية، كلّما لاحت الفرصة لها، فالصينيون المعاصرون كتومون، وحذرون جداً من الأجنبي، سواء أكان أوروبيا أم أمريكياً أم عربياً، أم غير ذلك، ويحاولون دائماً أن يخفوا عنه ما يجري في الصين المعاصرة، على المستوى السياسي والاجتماعي والإنساني والثقافي. ونجد أنّ هذه الحساسية تنفجر في أحيان كثيرة لتصبح عنصرية ضدّ الأجنبي وبغضاً له. وإذا كان المثقفون الصينيون المعاصرون الكثيرون الذي زاروا العالم العربي، وعاشوا في مدنه، وتفاعلوا مع سكانه وعاداتهم وتقاليدهم، يكنون احتراماً لهذا العالم، ويصفون أهله بالكرم والوفاء ومساعدة الغرباء بإنسانية عالية، فإنّ قسماً كبيراً منهم لم يستطيعوا أن يتخلّصوا من حساسيتهم ضدّ الأجنبي، وظلّوا يتعاملون مع العربي زائر الصين بحذر وريبة وشكّ.

إنّ الصيني، على الرغم من اتساع الصين، وشساعة أراضيها( 9.6 مليون كيلو متر مربع، أي أنّها من حيث المساحة في المركز الثالث في العالم بعد روسيا وكندا)، وعدد سكانها المذهل( بلغ عدد سكان الصين حتى نهاية عام 1998م، 1284.1 مليون نسمة، عدا سكان مقاطعة هونغ كونغ ومقاطعة تايوان، ومنطقة ماكاو،التي لم تدخل في هذه الإحصائيات، لأنّ هونغ كونغ كانت تابعة للإدارة البريطانية، وماكاو للبرتغال، أمّا تايوان فهي منفصلة عن الصين، ومتمردة على سياستها، وهي تحت حماية البوارج الأمريكية التي تحاصرها من أطرافها كاملة، وهذا العدد يشكّل 22٪ من سكان العالم)،  وعلى الرغم من هذه المساحة الشاسعة، وهذا العدد الضخم، فإنّ الصيني يحذر الأجنبي، ويضعه دائماً في دائرة الشكّ والحذر، وعدم الثقة بنواياه الخبيثة أو الطيبة، ويحاول دائماً أن يخفي عنه ما جرى ويجري في الصين، وينبّه الآخرين من الصينيين حتى يحذروا منه، ويعاملوه بريبة، هو في أغلب الأحيان بريء منها،ويرى أنّ حريته يجب أن تكون محدودة وناقصة مقارنة بالصيني، لأنّه أجنبي؛ فبينما كنت أناقش أحد طلبتي حول مسائل الحقوق والحريات وقيادة السيارات، قال لي: أنت لا يسمح لك أن تفعل كذا وكذا، و ربما لا يسمح لك أن تقود السيارة في الصين. فقلت له: لماذا. قال: لأنك أجنبي. قلت: هل يوجد عنصرية ضدّ الأجنبي في الصين إلى هذا الحدّ؟ قال لي وبكلّ وضوح وبدون خجل: نعم وأكثر من ذلك. إنّ تتالي الحملات الاستعمارية على الصين جعلنا عنصريين ضدّ الأجانب، إننا في الصين لا نسمح للأجنبي أن يتصرّف كما يتصرف الصيني. فقلت له: إنّ بلادي لم تستعمركم أبداً. فقال: أنت أجنبي على كلّ حال. وقال لي طالب آخر من طلاب الجامعة: نحن لا نحبّ الاختلاط بالأجانب ولا نرغب في معاشرتهم أو صداقتهم، لأنّ أخلاقنا وعاداتنا مغايرة تماماً لأخلاقهم وعاداتهم.

وقائع لا تنسى

وما زلت أذكر الحادثة التالية: بينما كنت بصحبة طالب من طلابي نتجوّل في الحي الدبلوماسي (سانليتون)،الذي يبعد عن الجامعة التي أعمل بها حوالي ساعتين بسيارة الأوتوبيس، وقفت أتأمّل أحد الفنادق الفخمة، وكان فندق (تشان تشان فانديان)،( فندق سور الصين العظيم)، وإذا بسيدة شابة تتقدّم إلينا، وتتوجّه إليّ من دون الطالب الصيني. وكانت هذه أول سيدة تكلمني طوال إقامتي في بكين وتسألني: هل تحتاج إلى مساعدة؟ وعرّفتني بنفسها على أنّها مدرّسة في الجامعة، وأعطتني بطاقة مدوّن عليها اسمها ومكان عملها، وأرقام هواتفها، وبريدها الإلكتروني باللغة الإنكليزية فما كان من الطالب إلاّ أن ردّ عليها بجفاء وعجرفة، وما أعارته اهتماماً، وما ردّت عليه؛ وطلبت مني بطاقتي، فأعطيتها قصاصة ورقيّة مطبوع عليها اسمي ورقم هاتفي وعنواني بالصينية والإنكليزية ـ كان قد طبع لي منها صديقي الدكتور بسام شوي تشينغ قوه، عدة قصاصات على الكومبيوتر ـ. وما إن ودّعتنا ممتطية دراجتها العادية، حتى انفجر الطالب ممتعضاً مؤنباً، وبدأ يلومني : لماذا تكلّمها؟ ولماذا تردّ عليها؟ عليك أن تتركها من دون أن تردّ تحيتها. يجب أن لا تكّلم الناس في الشارع، فأنت أجنبي. قلت له: ليس لي نيّة أن أكلّم أحداً من الناس وأنت معي، ثمّ هي التي كلمتني كما رأيت، وأبدت رغبتها بمساعدتي، ومن الأدب واللطف أن أردّ عليها باحترام وشكر، ولاسيما أنها أبدت رغبتها الكريمة بمساعدتنا لأنها ظنت أننا فقدنا الطريق، وأوضحت له أنّ الموقف بسيط جداً ولا يسيء إلى أمن الصين ومواطنيها، ويجري في معظم مدن العالم، وليس من الأخلاق في شيء أن أردّ تحيتها بعنجهية  وصدود. وقال: يجب أن تقول لها  معتذرا : أنا لا أعرف الإنكليزية. وطال النقاش بيننا، وكدنا نتخاصم.وقلت: عجيب أمرك يا رجل! أرجوك دعنا ننه النقاش وننس الموقف. أنت صديقي و أخي، و أرفض أن تكون رقيباً عليّ وعلى تصرفاتي ورغبة في إنهاء الحوار قلت: إكراماً لك لن أكلّم بعد الآن أحداً من الصينيين في الشارع. فقال وقد شعر بشيء من الحرج: أنا لم أقصد مضايقتك، لكني أنصحك، فأنت أستاذي وأنا أحترمك، وأنت غريب لا تعرف نساء بكين الشريرات، قد تكون هذه المرأة بائعة، وقد تسبّب لك مشاكل في المستقبل، وقد تؤذيك.

وما كانت توقعاته صحيحة، لأنّ السيدة كانت فعلا مدرسة فاضلة في إحدى جامعات بكين. وبعد ذلك دعوت الطالب إلى أحد مطاعم بكين، في منطقة (وي غون تسون)، ونسيت الموقف تماماً، غير أنّ هذا الطالب الذي أحمل له المودة والصداقة لم يستطع أن ينسى هذه السيدة، إذ سألني في ما بعد غير مرّة : هل شاهدتها ثانية؟ وهل نالك الأذى منها أم لا؟.

نساء الصين المعاصرات

نساء الصين المعاصرات

وليس الصيني حذراً من الأجنبي فحسب، بل هو حذر جداً من ابن وطنه وطينته أيضاً، فبينما كنت ذات أمسية أمشي وحيدا في منطقة( وي غون تسون) في الدائرة الثالثة في بكين، وبجوار محطة تلفزيون بكين، وإذا بإحدى طالباتي تسلم عليّ، وتسألني : ما ذا أفعل؟ وإلى أين أنا ذاهب؟. وكنت وحيداً أبدد حزناً وحشياً هبط عليّ فأعمى ذاكرتي وقلبي، وانقضّ ناهشاً أحلام روحي في بكين، المدينة العملاقة المتأججة صخباً وتلوثاُ، الفائرة كخلية نحل، والتي يقول عنها صديقي وطالبي خليل لوه لين، في شعبة الدراسات العليا : ” إذا أنت لم تذهب إلى بكين فلا تعرف كم أنت غريب وحزين”، ويتابع قائلاً: ” وإذا أنت لم تذهب إلى كانتون- مدينة التجار الأثرياء- فلا تعرف كم أنت صغير وفقير ومهزوم، وإذا أنت لم تذهب إلى شنجان- بجوار هونغ كونغ- فلا تعرف كم أنت ضعيف الإرادة”. وعندما سألته: لماذا ستكون ضعيف الإرادة عندما تزور شنجان ؟ أجاب: لأنّ النساء المتألقات سحرا، العبقات طيباً وإثارة سيغرينك بجمال أجسادهن الأسطورية، وبروائح بكتيريا الجنس النفّاذة من قاماتهن الممشوقة، وهنّ يتجولن متبخترات في شوارع شنجان الجميلة الغاصّة بكل ما لذّ وطاب، ومهما تكن قوي الإرادة فلا بدّ وأن تقع صريعا في شباكهنّ .

ولم أستطع أن أبدد مظاهر قلقي واغترابي أمام الطالبة، ومشينا سوية، وبينما نحن نمشي، وإذا برجلين يتقدّمان إلينا- يبدو أنهما تجاوزا السبعين -وكان واحد منهما يتكئ على عكاز، فأخذ يسأل الطالبة باللغة الصينية وبهدوء وأدب، وما كانت قسمات وجهه تنبئ أنّه شرير أو معجب جنسياَ، بل كان فيها انكسار وحزن عميقين، فالرجل غريب في بكين وصغير، ويريد أن يستدلّ على عنوان ما، وعندما ألحّ في السؤال نهرته الطالبة غاضبة، وبشيء من الاحتقار، فانطوى حزينا كئيباً، وتراجع معتذراً. فقلت لها: هذا لا يجوز، وقلّما نجد مثل هذا السلوك في العالم العربي، وأعتقد أنّ أخلاق كونفوشيوس وتعاليم بوذا، تتنافى مع سلوكك هذا،. فقالت: هو يسألني وأنا لا أعرف، ثمّ يعود ويكرر السؤال عليّ ثانية. قلت: لا داعي لأنّ نصدّه بكل هذه  القسوة. قالت: أنا لست ملاكا للرحمة، ولا علاقة لي بكونفوشيوس وبوذا، أنا شيوعية، وجميع أفراد أسرتي شيوعيون، ثمّ إنّ هذا الرجل قد يكون شريراً سيئ القلب. وفي ما بعد سمعت أنّ هذه الطالبة مسؤولة في منظمة الحزب الشيوعي  على مستوى الجامعة، وأنّها تكتب التقارير إلى أمن الحزب والجامعة.

إنّ جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، وتحديدا كلية اللغة العربية، تعلّم طلابها أن يكونوا حذرين من الأساتذة الغرباء وعنصريين أيضاً، إذ تلقّنهم مجموعة من التعليمات القاضية، بمعاملة الأستاذ الأجنبي بحذر وريبة وشكّ، وتنهاهم عن أن يجيبوا عن استفساراته حول بعض القضايا الفكريّة والسياسية والاجتماعية التي يجهلها في الصين.

التعليم  العالي في الصين

 

جامعة الدراسات الأجنبية ببكين

جامعة الدراسات الأجنبية ببكين

على أنّه يجب أن نقول- من باب الإنصاف-  إنّ الصين في عهد (جيانغ تسه مين) تطوّرت تطوّراً كبيرا في مجال الصناعة والعمران والاقتصاد، فالنهضة العمرانيّة في الصين تضاهي النهضة في كثير من عواصم العالم الأوروبي، حيث توجد في الصين البنايات الشاهقة، والشوارع الواسعة، والميادين والساحات، والحدائق العامة المخطّطة تخطيطياً جميلاً ومدهشاً. وعلى الرغم من الأزمات الاقتصادية التي تهزّ كثيراً من عواصم العالم، فإنّ الاقتصاد الصيني يحقّق نمواً ونجاحاً كبيراً، وقد تزامن نموّه مع تجارة خارجيّة نشيطة أسهمت في إنعاش اقتصاد (200) مليون صيني من سكان السواحل الصينيّة، وقد قفزت منتجات الصين من  الحبوب والقطن واللحوم وزيوت الطعام والفحم والفولاذ والإسمنت والأقمشة وأجهزة التلفزيون، في عهد (جيانغ تسه مين)، إلى المركز الأول في العالم.

وفي ظلّ الاقتصاد الصيني المزدهر تضاعف معدّل نصيب الفرد من مجمل الناتج الوطني في عام 2000م أربع مرّات عمّا كان عليه في عام 1980م، وتحسّنت أحوال الفقراء، وتمّ الإسراع في بناء نظام المؤسسات الحديثة (1)

كما أولت الحكومة الصينيّة اهتماماً كبيراً بالتعليم، بمختلف مراحله، وبخاصة مرحلة التعليم الجامعي، فقد وصل عدد الجامعات في الصين حتى غاية 1998م إلى (1022) جامعة، يدرس فيها (3.41) مليون طالب وطالبة، أمّا الجامعات الخاصّة بالكبار فقد بلغت( 962) جامعة، ويدرس فيها (2.82) مليون طالب وطالبة (2).

وتولي هذه الجامعات أهميّة كبرى للدراسات العليا فيها، ففي عام 1998م، حصل  (38051) طالباً وطالبة على درجة الماجستير فيها، وحصل (8957) طالباً وطالبة على درجة الدكتوراه، وقد أسهم هؤلاء الخريجون إسهاماً كبيراً في تقدّم الصين وتطوّرها، فقد ذهبت أعداد كبيرة من الأكفاء الخريجين إلى مواقع العمل، وقد شهدت المؤسسات التي تديرها الجامعة، بالاعتماد على التكنولوجيا العاليّة، تقدّماً كبيراً، إذ قامت بتصدير منتجاتها المتطوّرة تكنولوجياً إلى الأسواق العالميّة(3). إلاّ أنّ التعليم العالي في الصين لا يزال في حاجة ماسّة إلى مزيد من الإصلاحات في النظم التربويّة، والبرامج الجامعيّة، والنظم الماليّة والأقساط الجامعيّة، والإدارة البيروقراطيّة السيئة، حتى يكون قادراً على مواكبة الثورة المعرفيّة والعلميّة الكبرى التي تشهدها جامعات العالم المتحضّر. وقد دعا( لي لان تشينغ) نائب رئيس مجلس الدولة الصيني إلى مزيد من الإصلاحات في التعليم الجامعي قائلاً: » إنّ إصلاح نظام التعليم العالي الإداري قد خطا خطوة هامّة للغاية، إلاّ أنّه لا يعني أنّ مهمة الإصلاح قد انتهت، بل إنّه بداية للإصلاح بشكل ما، كما أنّ مهمات الإصلاح والتنميّة المستقبليّة ستكون أكثر مشقّة «(4).

الجامعات للمترفين

 

ولعلّ من أهمّ مشكلات التعليم الجامعي في الصين مشكلة الأقساط الدراسيّة الجامعيّة، فهي مرتفعة جداً، وهذا يعني أنّ التعليم الجامعي، على الرغم من عدد الجامعات الكبير، ليس ميسوراً للطلاب الفقراء، وهم كث. وإذا كان في عهد ماو تسي تونغ، ميسوراً ومجانيّا لجميع طلاب الصين، باستثناء التعليم العالي الذي لم يكن يشجّعه ماو ـ فإنّه في ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح، صار مأجوراً وبأقساط مرتفعة نسبياً، لأنّ هذه السياسة وضعت في أول اهتماماتها، الاهتمام الكبير بالمال، وجمعه، وإضفاء طابع التجارة على منشآت الدولة ومؤسساتها، بحيث تدرّ المال، فلا قيمة لها إن لم تكن قادرة على جلب الأموال الكثيرة. وقد دخلت الجامعات الصينيّة في حمّى اللهاث وراء الثراء والكسب السريع، فما كان منها إلا أن رفعت أقساطها الجامعيّة؛ غير أنّه من المؤسف أنّ هذه الجامعات على الرغم من ثرائها الكبير تعطي أساتذتها الذين أفنوا أعمارهم في الدراسة والبحث العلمي، والإشراف على الطلبة وتدريبهم، رواتب هزيلة ومخجلة لا تحقّق لهم عيشاً كريماً ومريحاً،  وقد صرّح لي صديق صيني برتبة أستاذ أنّ دخل أيّ بائع فجل أو بصل في الصين يفوق دخل أيّ أستاذ جامعيّ مهما كان مرموقاً. وسألت أستاذا آخر في الكيمياء، وهو من الخبراء بالشأن الصيني، وبينما كنّا نتجوّل ذا ت مساء في شارع (شيدان XIDAN)، ونتأمل البنايات الجميلة المزخرفة: هل يستطيع أساتذة الجامعات الصينيّة المرموقون أن يشتروا شققاً في هذه البنايات فقال: هذا مستحيل، فهذه البنايات مقصورة على الأثرياء جداً، وعلى مدراء الشركات الخاصّة وأصحابها، والمستثمرين الأجانب، وعلى النساء الجميلات عارضات الأزياء، وبائعات الهوى، الخبيرات برغبات الأثرياء الأجانب من التجار والسياح ورجال الأعمال، وعلى المتنفذين المرموقين من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الذين يستلمون مناصب رفيعة في الحزب والدولة. وقال: لو بقيت مائة سنة أعمل في الجامعة، أنا وزوجتي، لما استطعنا أن نشتري شقّة في هذه البنايات.

ومن مشكلات التعليم الجامعي في الصين، أنّ الجامعات الصينيّة تقوم بتعيين عمداء كلياتها ووكلائهم ورؤساء الأقسام فيها بناء على ترشيح الحزب الشيوعي الصيني، ولا يقوم مسؤولو الحزب بترشيح هؤلاء العمداء ووكلائهم ورؤساء الأقسام وكبار الطاقم الإداري في الجامعات، إلاّ إذا كان هؤلاء من المقرّبين إليهم، أو بتعبير آخر من توابعهم، والمحسوبين عليهم. ويتحكّم في قرارات هذا التعيين العلاقات الشخصيّة والعائليّة، والمحسوبيات والوساطات، ودرجة الولاء للحزب، والتطبيل والتزمير لسياسته وأهدافه وتوجّهاته، بعيداً عن القدرات المعرفيّة والكفاءات العلميّة، وفي أغلب الأحيان يكون هؤلاء العمداء والوكلاء ورؤساء الأقسام وطاقمهم الإداري، هم أقلّ عطاء ومعرفة وعلماً من زملائهم الأساتذة المتميّزين الذين يرفضون هذه المناصب، ويستهينون بها، كما أكّد لي أستاذ جامعي وباحث صيني كبير، لأنّهم يعرفون تماماً أنّ مواصفاتهم لا تنطبق على المواصفات الخاصّة لهؤلاء العمداء والوكلاء ورؤساء الأقسام، التي يحدّدها مسؤولو الحزب الشيوعي، ولا يرضون بديلاً منها، وغالباً ما يبدي هؤلاء العمداء والوكلاء ورؤساء الأقسام والإداريون، في تعاملهم مع الآخرين، اعتداداً زائفاً بذات نرجسيّة متضخّمة ومريضة وجاهلة، أعطاها كرسي المنصب مزيداً من العنجهيّة والغرور والكذب، والكسل المعرفي، والإيديولوجيا الحزبيّة الضيقة، والبيروقراطيّة المتزمّتة، وهذا ما دفعهم إلى احتقار زملائهم الأساتذة الآخرين المليئين علماً ومعرفة، وبالتالي توظيف الطلبة الموالين لهم، والأكثر كسلاً وجهلاً، من بين الطلبة، إلى كتابة التقارير بأساتذتهم، ورصد كلّ كلمة يقولونها، وأيّ تصرف يقومون به، وغالباً ما تكون هذه التقارير ناتجة عن سوء فهم، وحساسيّة خاصّة، واختلاف في المفاهيم والرؤى والمعتقدات والأخلاق والعادات، والتي تتباين عند كلّ من الأستاذ والطالب، وأحياناً تكون ناتجة عن عدم فهم الطالب لدلالات لغة الأستاذ والخطاب الأدبي الذي يبثّه، وحمولته وأبعاده المعرفيّة، ومع ذلك فإنّ هؤلاء العمداء وأعوانهم الذين يتحوّلون من أكاديميين وباحثين إلى موظفين صغار في دوائر أمن الحزب والدولة والجامعة، يأخذون بتقارير هؤلاء الطلبة، ويمنحون ـ تأسيساً على هذه التقاريرـ أساتذة الكليّة درجات تسهم في ترقيتهم العلميّة أو تؤخّرها، ووفقاً لمزاجيات هذه التقارير، وبغض النظر عن القدرات الحقيقيّة والمعرفيّة والبحثيّة لهؤلاء الأساتذة المقصودين بهذه التقارير.

مظاهر الطفرة الجديدة

بدأت بوادر الطفرة الرأسمالية تتجذّر واضحة في الصين ابتداء من عام 1993م، ودخلت في أهم معاقل الشيوعية الصينية في بكين، وهو ميدان (تيان آن مين)، وقاعة الشعب الكبرى الموجودة في هذا الميدان، فقد افتتح بار(( كاراوكي)) الضخم بجوار بوابة مدينة الصين القديمة، وكان يُقدم في هذا البار أغاني (البوب) متزامنة مع صور الفيديو، وكانت تعقد في هذا البار علاقات الجنس المحرمة، وقد حظيت هذه البوابة التي يرجع تاريخ تشييدها إلى عهد الإمبراطور الصيني( يونغ) في القرن الخامس عشر ـ الذي ينتمي إلى أسرة مينغ الإمبراطورية التي حكمت الصين ما بين عام  1368حتى عام 1644م ـ برعاية كبيرة من الحكومة الصينية لأنها من أهم المعالم الأثريّة القومية في الصين. وقد علل مدير البوابة( هو بي يون) ـ في ذلك الوقت سبب افتتاح هذا البار قائلا: لا نستطيع التفكير في حماية آثار الصين من دون الأموال الكثيرة.

وجرياً وراء سياسة الكسب السريع وجمع المال من أيّ مصدر كان، شرعت الحكومة الصينية في فتح الأماكن المحرّمة للسياح الأجانب، فقد فتحت بوابات المدينة المحرمة في ميدان تيان آن مين في عام 1988م، وأقامت فيها مقاهي وحوانيت مليئة بالهدايا. أمّا قاعة الشعب الكبرى الموجودة في هذا الميدان، والتي تعد مقرّ الحكومة الصينية الرئيس، والتي كانت قلعة محرّمة أيام ماو تسي تونغ، فقد افتتحت أمام عامة الناس في عام 1979م، وقد زارها حسب الإحصائيات الصينية ما بين عام 1979م وعام 1992م حوالي (41) مليون شخص، وقد دفعوا رسوما مالية للحكومة أجر هذه الزيارة.

رسوم الأجانب باهظة

ومن مظاهر هذه السياسة أن المقيم الأجنبي يدفع في العيادات الطبيّة الخاصّة والعامة الخاضعة لقانون الضمان الصحيّ أكثر مما يدفعه الصيني، فعلى سبيل المثال يدفع الصيني الخاضع لصندوق الضمان الصحيّ يواناً واحداً رسم بطاقة الدخول إلى مشفى الجامعة أجرة الكشف الطبيّ، بينما يدفع الأجنبي الخاضع لهذا الصندوق نفسه خمسة يوانات وأحيانا عشرة يوانات. وعلى كل حال يبقى هذا الرسم، سواء أكان عائدا للصيني أم للأجنبي، مقبولاً جداً. والحقّ يقال: إنّ الصين حققت قفزات طبيّة واسعة جداً في مجال الطبّ الوقائي والعلاجي، وقد سبقت في هذا المجال كثيرا من دول العالم الثالث، وبعضا من دول العالم الصناعي المتقدم. فالدولة تولي اهتماماً كبيراً بصحة المواطنين وعلاجهم، والأطباء الصينيون على قدر كبير من المعرفة والاطّلاع والأدب والتواضع والأخلاق العالية إذا يعاملون المريض الداخل في عياداتهم، بمنتهى التهذيب والمودة. وفي بعض الأحيان يزورون مرضاهم إلى منازلهم ليطمئنوا إلى صحتهم. إلاّ أن ّ المبلغ المالي غير المقبول الذي يدفعه الأجنبي، هو ذلك المتعلّق برسم شهادة الصحّة التي تعطى للأجنبي حتى يستطيع الإقامة في بكين، إذ يترتب على الأجنبي أ ن يدفع (650) يواناً صينياً لقاء كشف طبيّ لا يتجاوز نصف ساعة في أحد مشافي بكين.

ومن مظاهر سياسة التمييز التي سنتها الحكومة ضدّ الأجانب أنّها حرّمت على الأجانب المبيت في الفنادق الرخيصة التي ينام فيها الصينيون، وفرضت عليهم النوم ـ إذا ما اضطّروا ـ في الفنادق عالية الأجر وذوات النجوم العديدة، والتي يبلغ أجور المبيت فيها (88) دولارا فما فوق في الليلة الواحدة. وقد سألت صديقاً صينيا عن سبب ذلك، فقال: إنّ الخدمات التي تقدّم لزبائن الفنادق الراقيّة عديدة ومتميّزة، وهي تعكس الوجه الحضاري والمتطوّر للصين. ويطمح القائمون على هذه الفنادق لقاء تقديمهم هذه الخدمات المتميزة إلى كسب المزيد من الأموال التي يدخلها الأجانب إلى الصين عند زيارتهم لها، وهؤلاء الأجانب كثيرون جداً. أمّا الفنادق الرخيصة -التي هي مقصورة على الصينيين- فإنها تعكس الوجه السلبي للصين، وقاع المجتمع الصيني، إنّها تعريّ هذا المجتمع من قشرته الخارجيّة، وتكشف عن المهمّشين والمستلبين فيه، وهي في آن تعكس أمراض هذا المجتمع، حيث تمتلئ هذه الفنادق ببائعات الهوى، وبالمدمنين على المخدرات، وبالمقامرين، بالإضافة إلى أن أجور هذه الفنادق رخيصة جدا، إذ لا تتجاوز أجرة الواحد منها (125) يواناً في الليلة الواحدة.  ومن هنا فليس من مصلحة الحكومة الصينية ذات التوجه الميكيافيلي المعاصر أن تسمح للأجانب بالمبيت في هذه الفنادق، لأنّهم سينقلون ما يشاهدونه من أمراض وعيوب إلى شعوب بلدانهم، وصحافتها من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ ما يدفعونه من أجور سيكون قليلا مقارنة بما سيدفعونه في الفنادق الراقيّة الفخمة، ولا سيما أنّ الحكومة الصينيّة حريصة كلّ الحرص على أن يبقى وجهها لامعاً نظيفاً أمام الرأي العام العالمي، وحريصة أيضاَ على أن تستدرَ أكبر قدر من الأموال إلى خزينة الدولة. وهذا لا يعني أبداُ خلو فنادق الصين الفخمة و الراقية التي تماثل أجمل فنادق العالم الأوروبي وأرقاها من بائعات الهوى، فمثل هذه الفنادق المنتشرة في جميع المدن الكبرى والسياحية غاصّة ببائعات الهوى القادمات إليها من جميع أرجاء الصين، وهي أكثر أماناً لطالبي الجنس وبائعاته وأقل تعرضا لمداهمات رجال البوليس، ورقابة رجال السلطة، إذا ما قارناها بالفنادق الرخيصة. ويؤمّ هذه الفنادق الراقية كبار رجال الاقتصاد والسياسة والمجتمع والتجارة والمال من صينيين  وأجانب سواء أكانوا تجارا أم رجال سلك دبلوماسي عربي أو أجنبي.

 

الهوامش

(1)  ــــ  دون ذكر المؤلف:   الصين، دار النجم الجديد، بكين، الطبعة الأولى 1999م، ص 107 ـ 108.

(2)  ـــ  دون ذكر المؤلف: الصين ـ الحقائق والأرقام، دار النجم الجديد، بكين، الطبعة الأولى 1999م ص 129.

(3)  ــــ   دون  ذكر المؤلف : الصين، ص 198 ـ 199.

(4)      دون ذكر المؤلف: الصين ـ الحقائق والأرقام،  ص 131.

 

Pin It on Pinterest

Share This