النظام السعودي يزداد اختناقا

بقلم: محمد القادري

kingsalmanأصبحت السعودية محط انتقاد العديد من المنظمات الحكومية والمدنية وكثير من أفراد الشعب العربي وخاصة  بعد زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لجمهورية مصر العربية وما أحدثته قضية الجزر من ضجة، إلى درجة دفعت أحد المحللين والسياسيين العرب إلى التشكيك في النوايا الحقيقية وراء هذا الهجوم الممنهج على النظام السعودي، وهو نفس رأي بعض الصحفيين الدوليين. وكأن الدائرة بدأت تضيق على هذا النظام المثير للكثير من الجدل على مستويات متعددة.

إن المتتبع للصحف العالمية يجد أن بعض المنابر الدولية كالواشنطن بوست الأمريكية والغارديان الانجليزية، مهتمة بانتقاد المملكة السعودية في مجموعة من سياساتها، سواء الداخلية أو الخارجية. فالتضييق على الحريات واعتقال الشعراء والحقوقيين والصحفيين، وإعدام المعارضين والتنكيل بهم، تشكّل مواد دسمة ووافرة للكتاب والسياسيين والصحفيين على حد سواء. فديفيد اجناسيوس وهو أكبر المعلقين في جريدة الواشنطن بوست يصف سياستها بالمتخبطة، خاصة تدخلها المفاجئ وغير المبرر في اليمن. أما صحيفة الجارديان فقد انتقدت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على تغاضيهما عن انحرافات السعودية فيما اعتبرته تمويلا للإرهاب ودعما له. بل أن صحفيا عربيا مشهورا قرّر الخروج من مناطق الضباب التي طالما احتمى بها لينتقد المملكة السعودية في العلن .

إن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه الى الغاء اتفاقية حراسة السجون السعودية من قبل قوات بريطانية بعد عملية الاعدام الأخيرة التي نفذتها السلطات السعودية في حق بعض معارضيها السلميين، وبعض المتهمين بالإرهاب. بل أن دولة أروبية متحفظة في كثير من القضايا الدولية أعطت الضوء الأخضر لجهاز مهمته كتم الأسرار والاشتغال بعيدا عن الأضواء ليدلي بدلوه في كشف عورة النظام السعودي. يتعلق الأمر بجهاز الاستخبارات الألماني المعروف ب ” بي ان دي ” الذي انتقد المملكة واعتبرها تنتهج سياسات اندفاعية هوجاء، الأمر الذي تسبب في أزمة ديبلوماسية عابرة بين ألمانيا والسعودية. لكن الجديد في الأمر هو أنها المرة الأولى التي يخرج فيها هذا الجهاز عن صمته. وهذا يقتضي من المحلل أن يبحث عن أسبابه ودواعيه وتوقيته . فالسعودية دخلت مع النظام العالمي الجديد السريع التحول بحرا هائجا وهي تجهل فن السباحة. فمنطقة الشرق الأوسط منطقة مستعرة وغير مستقرة وتشهد استقطابا محموما بين منهجية تكتيكية مدروسة بدقة تنهجها الجمهورية الإيرانية وكذلك الجمهورية التركية، ومنهجية متهورة ورعناء تنتهجها المملكة السعودية. تتحكم فيهما بنسبة كبيرة أجندات دولية لها خبرة وباع كبيرين في توجيه مثل هذه الأحداث والحرب بالوكالة.

يبدو إذن أن اتهام المملكة السعودية بتفريخ الفكر الداعشي، ودعمها لأكثر من منظمة ارهابية حسب التصنيف الأمريكي والأوروبي والروسي، وهي التهمة التي جاءت على أكثر من لسان مسؤول دولي، وتدخلها المفاجئ في اليمن، وهو البلد الجريح، وعزفها على وتر الطائفية في لبنان والعراق، ومحاولتها استقطاب قوة سنية ضد القوة الشيعية، وهو المسعى الذي باء بالفشل، بالنظر الى انعدام الترتيبات الكفيلة باغراء دول سنية ذات وزن في هذا الجانب، وغياب أرضية صلبة يلتف حولها المعنيون بالأمر .

ان المملكة السعودية تمثل بالنسبة لمجموعة من دول العالم منجما ذهبيا يحرسه اطفال صغار، بحيث يمكن أن تنهب كل الجبل بمجرد تقديم حلوى للأطفال وأخذ صور معهم. ولعل التحولات العالمية السريعة تضمر مستقبلا قلقا لهذا النظام الذي بدأت أسراره الداخلية تخرج الى العلن، كحديث زوجة الملك الراحل عن أسرار القصر السعودي، وكسبها لدعوى قضائية رفعتها ضد الأسرة المالكة ببريطانيا. وهو ما يعمل أحد المخرجين على ترجمته الى شريط سينمائي.

كل هذه الأحداث، وأحداث اخرى تنبئ بمصير النظام السعودي الذي اختزل جهوده في التصدي لإيران الثورة كعقيدة مقدسة، عوض التفافه لقضايا حقوق الانسان التي تنفذ منها منظمات دولية كهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمات فنية وأدبية لانتقاد وتجريح النظام السعودي. كما أن الأمم المتحدة نفسها في تقريرها الأخير حول جرائم حرب ارتكبت في حق الشعب اليمني، أدانت الحلف السعودي العربي، والحوثيين.

يضاف إلى ذلك فشل استراتيجية السعودية في الملف السوري، إذ أن وفد السعودية لم يشكل البتة رقما صعبا في المفاوضات مع نظام كان مطلب المعارضة الأول هو اسقاطه، وهو نفس مطلب النظام السعودي، بل ان أسماء معارضة أخرى حاولت السعودية ابعادهم عن جنيف، غير أن مفاوضات اللحظات الأخيرة الدولية اقتضت إشراكهم في المحادثات. كما ان حضور إيران في مفاوضات جنيف 3 في حد ذاته يشكل ضربة قاصمة للنظام السعودي الذي عمل بكل قواه على ابعاد ايران عن هذا الملف. هكذا يتم خنق النظام السعودي على مستويات عديدة اذ تسقط رهاناته جميعها امام احترافية المفاوضات الدولية التي باتت تتقنها بشكل جيد عدوة السعودية الوحيدة الجمهورية الايرانية.

فهل يستطيع النظام السعودي تغيير هذه الحقائق؟ وهل يمكنه ذلك؟ بل هل هو مستعد حقا للدخول في منظومة الديمقراطية الدولية ولو بشكل نسبي؟

Pin It on Pinterest

Share This