يشعّل النار و يقول الدخان منين

بقلم: أنيس عكروتي

fireفي ظل هذا الوضع المتميز بالانفلات على كل الأصعدة لاحظنا منذ مدة قليلة اتساع دائرة المشاحنات الطائفية الممزوجة بالصراعات السياسية بين عدة قوى في المنطقة العربية الاسلامية. فبتنا نفتح مواقع التواصل الاجتماعي على إيقاع التكفير والشتائم والمغالطات التاريخية ونسب الأقوال لغير قائليها استنادا إلى خطب شيوخ لا علم لهم بالفكر ولا بالتاريخ ولا بالجغرافيا. يلج الواحد منهم إلى أحد استيودهات التصوير ويمنح وجهه لفتاة شقراء لتجملّه ثم يظهر على الشاشة شاهرا بندقيته على كل من يخالفه او من يخالف أسياده..

ومن بين العبارات الشائعة في هذا الإطار ” مجوس عبّاد النار “عند الحديث عن أهل بلاد فارس ( ايران حاليا)…
عندما نبحث في الديانة الزرادشتية نجد أن النار ( مثل الماء كذلك ) هي مجرد أداة لتحقيق الطهارة الروحية اي ان حضورها طقوسي فحسب ولا يرتقي الى مستوى العبادة، ذلك أن هذه الديانة هي من أقدم الديانات التوحيدية في العالم ( يوجد اغلب معتنقيها حاليا في الهند وليس في ايران كما يعتقد العديدون).
أما كلمة مجوس فهي مشتقة من الفارسية القديمة وتعني مفسر الرؤى والاحلام. وليس لها أي علاقة بالديانة الزرادشتية ولا بعبادة النار.
عموما ، لم يحظ عنصر من عناصر الطبيعة في الكون من بحث وتنقيب واهتمام كالذي حظيت به النار، ربما لانها كانت تمثل للإنسان القديم مصدرا من مصادر الحياة اليومية وشرارته الأولى في التعرف إلى الكون من خلال البرق والشمس.
هذا إضافة إلى البعد الفلسفي الذي يبحث في ماهية النار ورمزيتها والبعد الديني المرتبط خاصة بالجانب الطقوسي.
وتوليد النار آنذاك أضفى قويً سحرية وغيبية على النشاط الاجتماعي العام، فمعالجة الأمراض والمرضى أخذت مساراتها من النار كقوة طاغية يكتنفها الغموض، وكان ثمة اعتقاد سائد بأن من يعلم بقوة النار يملك الحكم والسلطة. والزرادشتيون يوقرون النار، فالنار مقدسة، ويحرصون على أن تبقى مشتعلة في معبد لالش ولاسيما يوم الأربعاء. وكان يوجد ارتباط عند الزرادشتية بين قداسة النار وقداسة الشمس. لقد صنّف أرسطو النار كأحد العناصر الأربعة. وفي الهندوسية كذلك، النار هي عنصر من العناصر المقدسة.

وفي اليهودية،كانت للنار قدسية خاصة إذ كان بنو إسرائيل يراقبون ظهور الهلال الجديد في أول كل شهر قمري، وعندما يرونه يعلنون عنه بإيقاد النار فوق الجبال والأماكن المرتفعة. والنار في الديانة المسيحية رمز لروح القدس حيث يقول يوحنا المعمدان: هو الذي يعمدكم بروح القدس وبالنار، فالنار في الكنيسة تكون معلقة في وسطها لأنها دليل البشارة والنور، ثم وضعها حول الصليب وإيقاد النار أو الشموع في المناسبات العديدة.
أما الأيزيدية وهي من الديانات القديمة جداً من بقايا الديانات الطبيعية التي ترجع أصولها إلى مراحل تاريخية سحيقة تمتد إلى العصر السومري، اعتبرت الشمس والقمر والنجوم والضوء والنار وكل ماله علاقة بالضياء من التجليات المقدسة وللشمس منزلة خاصة ومتميزة.
عندنا كذلك نجد الدراويش يرقصون على الجمر أو ينامون عليه دون أن يشعروا بحرارته القاسية، بل يتجلون إلى أعلى حالات التجلي في خطاباتهم الصوفية والروحية .ويذكر لنا تاريخ العشق عشاقاً التهموا الجمر ومشوا عليه ودخلوا حلقات النار دون أن يكونوا على وعي منهم، بل كانت جذوة الانفعال واللاشعور هي ما كان يقودهم إلى فعل الغرائب في تصرفاتهم.
وعندما نلج أحد مقامات اولياء الله الصالحين نقوم باشعال الشموع وفي ذلك شعور بالطمأنينة واضفاء لطابع القدسية والطهارة عن ذلك المكان، ومثل ذلك يُشهد في الكنائس الكاثوليكية.
بعيدا عن الجوانب الدينية نسوق مثال الشعلة الاولمبية التي تم ايقادها للمرة الاولى تكريما للإله اليوناني زيوس في تمازج بين الرياضة والعبادة.
كل هذه المعطيات التاريخية وغيرها تجعلنا نقر أن الانسان أولى النار مكانة كبيرة في حياته تجعلها ترتقي إلى مرتبة مقدسة…ومن يمارس لعبة النار عليه ان يتحمل تبعات ذلك الفعل الى آخر المشوار..
” وكيما قالوا جدودنا ، يشعّل النار ويقول الدخان منين ” ..

Pin It on Pinterest

Share This