ابن خلدون ينظّر لداعش

بقلم: أمين الزقرني

يعرّف ابن خَلدون العصبية بأنها “النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا” (1).

والعصبية ليست بالضرورة مرتبطة بالانتماء إلى القبيلة أو العشيرة أو النسب، ولكنها النهوض لشيء ما يربط بين الأفراد. فهي رابطة اجتماعية صلب القبيلة أو جماعة أخرى تتداخل فيها مصالح مشتركة لتنتج ولاءات وأحلاف.

تمثّل العصبية القبلية في المجتمع العربي أهم نوع في العصبيات، إلا أنه من الممكن أن تشتد النعرة حول زعيم أو فكر إيديولوجي. فقد كان المجتمع البدوي له عصبية قوية، والمجتمع المسلم يتمتع بالتضامن على أساس الأخوة الإسلامية كمنطلق لعصبية الأمة الإسلامية.
منذ الثورة التونسية تحاول الفصائل السياسية استفزاز النوازع القبلية. ورغم ما يبدو من غلبة المواطنة والاندماج في المجتمع التونسي فيما بعد الاستقلال، فإن التوظيفات السياسية المستعملة بعد الثورة كلها تدل على حضور القبلية والجهوية في المشهد التونسي. من ذلك تصريحات محمد الهاشمي الحامدي وتكراره الدائم لذكر قبيلة الحوامد، واستقصاد المنصف المرزوقي للتعريف به في ويكيبيديا بأنه “من قبيلة المرازيق” (2)، إلى غير ذلك من المعارك ذات البعد العشائري التي نشبت في الجنوب (3). كما تم استخدام العصبية الدينية خصوصا من طرف حركة النهضة في انتخابات 2011 من خلال التأكيد على المرجعية الدينية، أو من طرف حمة الهمامي بزيارة أضرحة الأولياء. وهناك نوع مستحدث في العصبيات، وهو “العصبية ضد شيء ما”، بأن يحشد السياسي الناس ضد إيديولوجيا، أو شخص، أو حدث، أو إحياء مصطلحات سياسية والتركيز عليها، مثل الأزلام أو أعداء الديمقراطية، أو الرجعيين. ويكون النسق الانتخابي هو المعنى الوحيد لهذا التأجيج.

كان ابن خلدون أول من استعمل التصنيف الثنائي للمجتمع، حيث قام بتقسيمه إلى مجتمع بدوي/حضري، وهذا التصنيف الثنائي إضافة لكونه منهجية علمية، فهو أداة هامة للسياسيين في كسب أكثر ما يمكن من الناخبين، حيث يطمح السياسي إلى حشد تقسيم المجتمع التونسي لضمان أحد النصفين كقاعدة انتخابية لتقوية مكانته. ومنذ الثورة نلاحظ أهم هذه التقسيمات: إسلامي/علماني، رجعي/حداثي، ثوري/أزلام. وتولّد هذه الثنائية عصبيّة يمكن للسياسي استغلالها. ولا يمكن لأي حزب سياسي في تونس أو العالم العربي أن ينجح في الحشد الجماهيري خارج مفهوم العصبية.

ويحط ابن خلدون من قيمة العرب إلى درجة الذم أحيانا. وقد أفرد سبعة فصول في وصف العرب، وعنواينها:

– فصل في أن العرب لا يتغلّبون إلا على البسائط (بفقدان الحامية وضعف الدولة).

– فصل في أن العرب إذا تغلّبوا على أوطان، أسرع إليها الخراب.

– فصل في أن العرب لا يحصل لهم ملك إلا بصبغة دينية، من نبوّة أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة.

– فصل في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك.

– فصل في أن العرب أبعد الناس عن الصنائع.

– فصل في أن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إلا في الأقل.

– فصل في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم.

يقول ابن خلدون إن العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقا وجبلة وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له (4). وأمة العرب ميالون إلى النهب وهتك الحرمات باعتبار أنهم “بطبيعة التوحش الذي فيهم، أهل انتهاب وعبث” (5).

وما نلاحظه انطلاقا من الطرح الخلدوني هو استعداد الشخصية العربية لتبني الفكر الوهابي الذي تأسست عليه “الدولة الإسلامية”. فالمنظّرون والمنفذون فيها يسعون إلى إحداث حالة من الفوضى وإضعاف قبضة السلطة والدولة لنهب تلك المناطق والغارة والزحف (التغلّب على البسائط)، وهم إذا تغلّبوا على وطن أسرع إليه الخراب، ولا يحصل لهم ملك إلا بصبغة دينية، وهم أبعد الناس عن سياسة الملك وأبعدهم عن الصنائع، فتجدهم منهمكين في دعوة غير العرب (العجم حملة العلم) للهجرة إلى الدولة الإسلامية وتوظيف مهاراتهم في التسويق والتكنولوجيا وغيرها.

ابن خلدن - داعش

————

الهوامش

(1) ابن خلدون، المقدّمة، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 2001، ص 160.

(2) “المنصف المرزوقي”، ويكيبيديا : http://bit.ly/1lzYKCx

(3) أحداث المتلوي مثالا : http://bit.ly/1lzZxDF

(4) ابن خلدون، المقدّمة، ص 187.

(5) ابن خلدون، المقدّمة، ص 186.

Pin It on Pinterest

Share This