يا أساتذةَ العالــمِ اتـحـدوا… (الجزء الأوّل)

مقال لفيليب ميريو

ترجمة: خالد جبور

هناك بورصة شيكـاغو لتجارة الحبوب، ومؤشّـــر نــازداك NASDAQ للصّناعات الرقمية، وكــاك 40 (CAC 40) للمبادلات المالية فـي باريس… أما لمنظوماتنا التعليمية فالكـل يعلم أن دراسات بـــيــزا PISA (1) هـــي بمثابة المنظَّمة العابرة للقارات، والتــي تفعل فيها ما تفعله تلك المنظّمات فــي باقــي القطاعات. فـمنذ سنة 2000، يسهرُ هذا البرنامج الدولـي الذي يُعنـى بمتابعة مكتسبات المتعلّمين والمُتعلّمات، علــى تقييم مستوى هؤلاء إلــى حدود سن الخامسة عشرة، من حيث تمكّنهم من ضوابط الكتابة، وقدراتهم فـي مجال الرياضيات، ومستوى معارفهم العلمية. وفـي هذا الصدد، يقارن البرنامجُ نتائجَ دراساته بين دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE والعديد من الدول فــي العالم. إنّ نشرَ هذا التقرير السنوي يُسيل لعاب كــلَّ المتخصّصين فـي الحقل التعليمـي، وتُرافِقُه تعاليق لا متناهية فــي جعجعة إعلامية ضخمة.

ولكن، مع تعاقب السنين، أصبحت تأويلاتُ هذا التقرير تكتسـي طابعا حذرا أكثر فأكثر. فَلَمْ يعد القائمون عـلــى هذا التقرير يلوّحون بالتقسيم حسب الدول، وهم على حق فـي ذلك، إذ أنّ عددَ هذه الأخيرة لا يفتأ يرتفع ارتفاعا كبيرا ما بين تقرير وتقرير. وفـي بلدنا (فرنسا)، لم نعد نَهُبُّ لربط نتائج التقرير المعلوم بــالإصلاحات التـي نُزِّلت فــي عهد وزراء التعليم السالِفين، علما أن التلاميذ فــي سن 14 عاشوا أكثر من إصلاح طيلة الاثنــي عشرة سنة الماضية.

إننا نتحاشــى المنظومات التعليميةَ التـي تسجّل أفضلَ النتائجِ كــي لا نجعلها نماذج يُقتَدى بها. ونقول إنّنا محقّون في ذلك، لأن أغلبَ هذه النماذج بعيدةٌ كـل البعد عن أنْ تصبح نماذج موحَّدة، وإنّه، وبالرغم من كون أغلبها فــي آسيا، نجد أيضا نتائج ممتازة فـي دول عدة غير آسيوية، كـليتوانيا وكندا وأستراليا.

ولا نتحمس كثيرا للطرق البيداغوجية التـي يُقال أنّ نتائجَها “معجزات”، ونُصرّحُ أننا علـى صواب بالرغم من أن نموذجي فنلندا وكوريا الجنوبية يُبيّنان بالملموس نقيضَ ذلك: فالنموذج الأول ينبنــي على تشجيع التدرّب المكثّف الذي تُحفّزه سلسلة طويلة من الامتحانات والمباريات، مع انتقاء جذري ابتداء من نهاية السلك الابتدائــي، دون أن ننســـى الضغط المُسلّط علــى الآباء والأولياء لمضاعفة زمن تعلّم أبنائهم عـبــر سـاعــات طِــوال من الدروس الإضافية المؤدّى عنها. أمَّا النموذج الثانـي، فيُحذَف فيه كـلُّ انتقاء وكـلُّ تقييم مُنَقّط إلــى حدود السنة الخامسة عشرة. فـي هذا النموذج، تُنبذُ المنافسةُ، ويُحفَّزُ التعاونُ والشراكة، ذلك أنَّ كـلَّ التلاميذ يُستقبلون فـي المدرسة الأساسية عينِها، طيلة فترة تمدرسهم الإجباري، والمدرسةُ عينُها تقترح، كـل ظهيرة، أنشطةً يدويةً وفنيةً أو رياضيةً لفائدة التلاميذ كـافة.

يجب أن نعترف بأننا لا يمكن أن نَخْلُصَ إلــى نتائج ثابتةٍ –نتائج دغمائية – انطلاقا من الدراسات والأبحاث التـي تُنجِزها PISA. فتمحيصُ هذه الدراسات يُبطِلُ الطرحَ الدّاعـي إلــى تدبيــرِ المؤسسات التعليميةِ بالاعتمادِ علـى النتائج: هل يريدون أن يحصلوا على نفس النتائج بتقليد فنلندا أو كوريا الجنوبية؟ فـي الواقع، وبما أنه من المستحيل نقلُ تجربة من هذه التجارب وتنزيلُها فـي مجتمعنا، نظرا للخصوصيات المجتمعية والتاريخية التـي تـنــزل بثـقلها علـــى قطاع التعليم، فإن أي مقارنة دولية لا يمكن أن تُغنينا عن التفكيــر فـي مشروعنا التــربوي الخاص بنا: أيُّ أطفال نريد تكوينهم لأي مجتمع، لأي عالَم؟ وما الـطُّرُقُ البيداغوجية التــي سنعتمدُ لتحقيق هذا المُبتغــى؟

يمكن القول – على أبعد تقدير- إنَّ تقارير بــيـــزا PISA تُطلِعُنا على وضعيتنا و” تطورها”، بعد نشــــر كــل تقرير جديد: نعلم إذن أننا بلدٌ من أكبر البلدان من حيث الهوة بين التلاميذ المتفوقين ونظرائهم ذوي النتائج المتدنيّة (ما يقارب أربع سنوات بين الفئتين). بالإضافة إلــى أننا فـي بلد حيث الأصولُ الاجتماعيةُ مِنْ أهمِّ محدّدات النّجاح والرسوب المدرسـيَـيْـــن، زِدْ علــى ذلك أننا من البلدان التـي فيها تُخَصَّصُ أكبرُ حصة من الزمن المدرسـيّ لضبط الأقسام التـي أصبح أبرزُ هاجس فيها هو ما يرتبط بالانضبــاط والسلوك على حساب التربية والتعليم. ونرى أيضا أنّ هذه المشاكـل المتراكمة، وهذه الوضعية المتفاقمة، لم تَجِدْ بَـعْدُ حلولا ناجعة فعّالة، وهذا سببٌ آخر للالتزام وحشد الجهود للدفاع عن هذا القطاع!

لكن، والحقُّ يُقال، مخطـئٌ كـلُّ من يحصـرُ هذا الالتزامَ دفاعا عن التعليم فـي التنزيل المنهجي لتقارير “بــيــزا” وتوصياتها فــي المستويات الدراسية كـلِّـها. ذلك أنَّ الهوسَ بالمِحرار لا يؤدي [بالضرورة] إلـى خفض درجة الحرارة! بل وأكثر من ذلك، قد يدفعنا [هذا الهوس] إلــى إغفال أعراض مرضية أخرى متعددة وأشد خطورة، أعراضٌ إذا ما نالت ما تستحق من اهتمام، ستجعل حبلَ النجاة فــي متناولنا، إذْ ستقودنا إلـى فهم الوضعية فـي شموليتها وإيجاد الحلول المناسبة لإشكــالاتها المعقّدة.

هذا هو الخطر الأساسـي للتقويمات المرتكزة علـى الجانب الكَـمـيّ: إنّها تختــزلُ المشروعَ التربويَّ فـي ما يمكن حِسابُه وقياسُه ومقارنتُه، وبالتالـي ما يمكن تداولُه فـي ” البورصة الدولية للتربية”، حيث العملةُ السائدةُ هـي تقارير “بــيــزا”. إنها تقود إلــى اختزال التربية اختزالا رهيبا فـي كـل ما هو قابلٌ للحساب والمقارنة، سواء فـي ما يتعلّق بالسياسات التعليمية، أو موقع العائلات فـي علاقتها بالمنظومة التربوية ونمط تعامل الآباء والأولياء مع تعلّمات أبنائهم، وهي مواقع وتعامل يُمليها فــي أغلب الأحيان ترتيب المؤسسات، بل وحتـى فـي ما يتعلق بالممارسات الصفية حيث تطغــى، أكثر فأكثر، ما أدانه وشجبه الأساتذة بالولايات المتحدة، طيلة سنوات، أي ما يسمـى بــــــ”التدريس من أجل التقويم” (2)

 

ما الهدفُ من التقييم: المقارنةُ أم التطوير؟

 

لاحظ ماركس وإنجلز، منذ سنة 1848، أنَّ المصانعَ، وهي تحت السيطرة المطلقة لهاجس رفع الأرباح، صارتْ آلةً ضخمةً تفرضُ على العمال الرضوخَ التام والقيامَ بأعمال متكررة تحكُمها فقط معاييـر قابلة للمقارنة. لقد فضح ماركس وإنجلز عالمًا لا إنسانيا وشَجَـبَــاه، وهو عَـالَـــمٌ العلاقاتُ بين البشــر فيه خاضعةٌ للمتطلبات القاسية للعدد (الكــم)، عالمٌ حيث البورجوازيةُ أغرقت كـلَّ مناحــي الحياة البشـرية فــي ” المياه المتجمّدة لأنانية الحساب”.

أما الشاعر بول كـلوديل، برفضه حبسَ كتاباته داخل أي شكـل من الأشكـال النمطية القابلة للمقارنة، ومطالبته بشِعر يسمح بالتعبـيـر عن “موسيقــى الكــلام”، فقط بواسطة اللعب بالإيقاعات والأوزان، فقد كتب سنة 1942: ” يجب أن يكون فـي القصيدة رقمٌ يجعل كـلَّ حساب غيرَ ممكن “.

كــان هذا قبل ظهور PISA، أي قبل هيمنةِ التقييمات الكمّية واستئسادِ هاجس النتائج. كــان هذا قبل الخلط بين الرقم والقيمة. يتساءلُ عالِـمُ النفس، جون أوري: ” ما ثمنُ تلميذ قادر علـى كتابة قصيدة، يلعب بالأرقام على سجيّته، ولا يخاف من أخذ الكـلمة أمام أنظار زملائه، يكتشف معنـى خريطة جغرافية معيّنة، وينبهر أمام لوحة فنية؟ بكم؟ ذلك التلميذ المهذّب الذي يبتسم ويقول ” صباح الخير” عند وصوله، صباحا، إلى المدرسة؟ “

 

هل يجبُ الطعنُ فـي كــلِّ تقييم للعملية التربوية؟

 

سيكون الخطرُ كبيرا، إنْ نحنُ احتمينا خلفَ التسويف واكتفينا بالتعليق، بل حتّــى إذا طالبنا بعدم تحميل المسؤولية للمجتمع. لا شك أنّ العلاقة البيداغوجية هـي دائما علاقة فريدة، وأن انعكـاساتها لا تظهر فــي الأمد القريب، لكن، وبالرغم من ذلك، لا يمكن أن تكون قضيةً خاصة: إنَّ الأستاذ يشتغل ضمن نظام، تدفع له الدولةُ أجرا من أموال دافعـي الضرائب. وغَـنــِيٌّ عن البيان أنَّ تربيةَ إنسان لا يمكن أن تنحدر إلى مستوى صناعة شيء من الأشياء، وأننا فـي منأى عن المساءلة علاقةً بالمساهمة فـي انبلاج الحرية والالتزام فــي تجربة التعلّم، لكن، رغم ذلك، لابد على الأقل أن نقدّم حسابا: فالأستاذ، شأنه فــي ذلك شأن الطبيب، لا يمكن أن يرضخ لــــــ”شرط” النتيجة”، فــي حين أنه محكوم بشرط “الوسائل”. يمكن الجزم بصعوبةِ تقييم تلاقــي المتعلّم والثقافة، بالاعتماد على معايير واقعية موضوعية (إلا إذا اعتبرنا التحضير لهذا التّلاقـي، كــالتحضير لمسابقة ” من سيربح المليون”)، لكن يجب إيجاد مؤشرات تُحيل إلى مدى التزام المدرّسين، ومستوى تطلّعاتهم. هناك خطرٌ داهمٌ يحدق بهذه الفئة: إنّه فقدان الحُظوة على نحو خطيـر. 

لهذا بات مستعجَلا بالنسبة للمدرسين، ولكـلّ من يشتغل فـي قطاع التربية، أن يُبَلوِرُوا آليات جديدةً لتقييم ممارساتهم، سواء في إطار حركــات [ذات خلفية] “بيداغوجية” أو فـي منظماتهم المِهْـنِيّـة. وإنه لمن غير اللائق ذاك التذمرُ السلبِـــُّي من الانعكـاسات الوخيمة للتقييمات الدولية والمؤسساتية، خصوصا إذا لم يُرافِقْ هذا التذمرَّ وهذا الرفضَّ خلقٌ وإبداعٌ لبدائل عملية، تُقترَح وتُناقَش مع الدولة-المشغّل، وتُجرَّب بمعيّة المتعلّمين والمتعلّمات، وتُقدَّم لوسائل الإعلام ولآباء وأولياء التلاميذ.

شخصيا، اشتغلت بهذه الورش الشاقة فـي العديد من المناسبات. حاولنا فــي بعض المدارس الابتدائية وبمعيّة المدرسين والآباء أن نحدد بعض المؤشرات التــي تمكّن من كشف وتعقب رغبة التلاميذ فــي القراءة وَسَعيِهِم إلـى استثمار مختلف الوثائق، وقدرتهم على تجنيد معارفهم فــي الرياضيات لحل بعض المشاكــل التــي يصادفونها فــي حياتهم اليومية، ورغبتهم فــي الإبداع الفـنـي وكذلك مستواهم فــي التواصل الشفوي. تلزم الإشارة هنا إلــى أنَّ تحديدَ واختيارَ هذه المؤشرات عملّيةٌ تقتضـــي الكثير من الدقة، وأنّ جمع المعطيات أمر شاقّ، لكنها مقاربة مثمرة للغاية.

أمّا بالنسبة إلــى مسألة القراءة والاشتغال على الوثائق، على سبيل المثال، يمكن أن نعتمد على مجموعة من المؤشرات: كزيارة المكتبة أو استعارة الكتب وتلخيصها… وهذا لا يسمح لنا فقط بِتَتَبُّع تطوّر كـل متعلّم على حِدَة، بل يمكّننا من تحديد هدف تربوي محفزّ لمبادرات جديدة سواء من طرف المدرّسين، أو الآباء أنفسهم. ستتضاعف العروض. سينبثق نادي القراءة. ستظهر عملية تبادل للكتب بين العائلات…وقد يذهب التلاميذ حدّ رفع تحدي الفوز بجائزة من الجوائز الأدبية!

وفـي مدرسة إعدادية حيث حددّ المدرّسون مكـافحةَ العنف وإنتاجَ الكتابات الطويلة هدفا للاشتغال، بَحَثنا، مع إشراك مندوبــــي التلاميذ، عن المؤشرات التــي ستمكّننا من معرفة مدى التقدم فــي شِقـَّي هذا الهدف (مكافحة العنف وإنتاج كتابات طويلة). فـي بادئ الأمر، نختار مؤشرات بسيطة: كــانخفاض عدد المشاجرات فـي ساحة المدرسة، أو عدد حالات الطرد من القسم نتيجة سلوكـــات عنيفة… لكّن، وفــي الوقت نفسِه، نعثر على مقترحات لمؤشرات مذهلة: كعدد المناقشات أو المناظرات أو نسبة المتعلمين المنخرطين فـي أعمال ذات طابع تعاونـي، أو حتـى نسبة ارتياد الجمعية الرياضية! إن البحثَ عن مؤشرات النجاح لا يعطينا فقط وسائل لتصوير الحالة الآنية لمؤسسة معينة، بل يحفز كذلك عملية خلقٍ جماعـيٍّ لها من النتائج ما لا يُعَدُّ ولا يُحصـى، وعلى أصعدة متعددة.

والمشهد نفسُهُ تكرر فـي ما يرتبط بمسألة الالتزام بالقواعد فـي الكتابة والتمكّن من اللغة: انتقلتْ مؤشــرات النجاح من النقاط الجيدة المُتحَـصَّلِ عليها فـي الفرنسية وتدنـّي الأخطاء الإملائية فـي باقـي المواد، إلـى عدد المقالات التــي تتوصل بها جريدةُ المؤسسة، والتلاخيصِ ونقدِ الأفلام التـي تُعَلَّقُ على جدران الداخلية، وعدد الملخّصات العلمية، أو حتـى نسبة المشاركين في مسابقة ” رسائل الحب”، والتـي قررّ المتعلّمون أنفسُهُم تنظيمَها.

فــي الحقيقة، هذا التفكير في طرق التقييم أعاد هَيكَـلَة حياة المدرسة وأعطاها هويّة مخصوصة، إذْ عندما نقرر جماعةً ما نريدُ أن نصير والطرقَ التـي ستساعدنا في ذلك، نخلق آنئذ ما يُسمِّيه علماء الاجتماع بــ ” انعكـاس المؤسسة” effet établissement، وهو انعكــاس يؤثر فـي الالتزامات الفردية كما فــي هيكــلةِ الجماعـيِّ – المشترك.

وما هو ممكنٌ في السّلكين الابتدائي والإعدادي ممكنٌ أيضا فـي التعليم الثانوي والعالـي. فدون الحاجة إلــى استبعاد أهمية نتائج الامتحانات، يمكن للفاعلين أن يتجنّدوا لتحديد مؤشرات تجعل ممكنا تتبعَ نجاح وتطور العملية التعليمية فـي مناحيها المتعددة: البحث والتوثيق وتبادل المقروءات والعمل التعاونـي ومدى انخراط مندوبـي التلاميذ، أو الدينامية الثقافية على صعيد المؤسسة.

 

لكن، مهما بلغت أهميةُ هذه الدينامية المحلية فـهــي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستغنـــي عن المؤسسة التعليمية، وعن إدراجها فـي إطار أكثر اتساعا إذْ هناك خطر محدق، وهو أن انهمام كـــلِّ مؤسسة بتحديد معاييرها الخاصة قد يُفضـي إلى حجب الطموح المشترك الذي يجمع كـــلَّ المؤسسات. ولهذا فإنه لمن الضروري بلورة بدائل فعلية لأساليب التقويم التقنوقراطية الطاغية على منظوماتنا التربوية، وإنه لواجب على الأساتذة فــي أقطار العالم كــلِّها أنْ يتوفروا على آليات تمكّنهم من تحديد الوسائل الواجب استعمالها بطريقة جماعية من أجل ضمان استفادة الجميع من الثقافة، ومن أجل النهوض بحرية الفكر لدى الجميع، ولتفعيل شتـى أنواع التضامن تأمينا لمستقبل كــلِّ ما هو مُشتَرَك.

وهنا لابد من الإشارة أنه من الممكن أن تحلّ منظمةٌ كــاليونسكو UNESCO (3) مثلا، محلّ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (4) التــي ليست سوى ” ودادية ” تهدف إلـى ترويج الليبرالية، تَمَّ تأسيسها سنة 1948 لتنزيل مخطط مارشال (5)، وهـي اليومَ تحاولُ بَـسْطَ هيمنتها وفرضَ معاييـــرها حول الفعّالية والنجاح فــي العالم قاطبة.

 إن منظمةَ الأمم المتحدة ستُشرّف نفسَها إذا وفَتْ بوعدها بخصوص وضع دفتر تحمّلات مناسب لنشــر تعليم تحرّري وتربية تضامنية. وهذا لن يُجبـِر، سواء الدول أم المدارس، على التخلّـي عن أنظمتها التربوية، بل سيمكن الجميع من التموقع حول منظور مشترك: المعارف الأساسية – أي تلك التــي تجمع بنــي البشر؛ لا تلك التــي تنشــر بينهم التفرقة، وتلك التـي تساهم فــي الانعتاق؛ لا تلك التـي تُفاقِمُ شروطَ العبودية، وكـلّ القيم التـي تَحُولُ دون ارتمائنا فـــي أعماق البربرية: احترامُ الغيرية والتعاونُ خدمةً للجميع. ولا شك أنها مهمّة بالغة الصعوبة، ولكن من يجرؤ على القول بأنها غير ضرورية وبأنّها لا تغدو ملحّة يوما بعد يوم؟

 

الهوامش

 

  1. Le Programme International pour le suivi des acquis des élèves
  2. البرنامج الدولي لتتبع مكتسبات التلاميذ: مجموعة من الدراسات التـي تُنجزها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تهدف إلى تقييم الأنظمة التعليمية للدول الأعضاء وغير الأعضاء؛ ولا يقتصر دورها في انجاز هذه الدراسات وإصدار التقارير ، وإنما برفع (( توصيات ))…
  3. TEACHING TO THE TEST
  4. Organisation des Nations Unies pour l’Education, la Science et la Culture
  5. منظمة الأمم المتحدة للتربية, والعلم والثقافة.
  6. OCDE (Organisation de Coopération et de Développement Economique)
  7. Plan Marshall (يندرج ضمن إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة المد الشيوعـي حيث تحالفت مع مختلف الدول المتضررة من الحرب بدعمها عسكريا ( اليونان في حربها الأهلية مثلا) وماليا من أجل تنفيذ خطة لإعادة البناء والإعمار شريطة تنزيل مجموعة من التوصيات سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسـي، كتحرير الاقتصاد وفتح الأبواب أمام رؤوس الأموال الأجنبية… )

 

نُشر هذا المقال بمجلّة حروف حرّة، العدد 33، ديسمبر 2023.
للاطّلاع على كامل العدد: http://tiny.cc/hourouf33

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights