ارتسام اللاعدالة في الفنون المعاصرة في تونس

بقلم: هيبة المسعودي

إنّنا لا نجاور المبالغة إذ ما اعتبرنا أنّ تحقق العدالة بين الجهات في جميع المجالات في البلاد التونسية بمثابة التوصيف الطوباوي، الذي يسكن تونس في أقوال السياسيين والمنظرين ولا علاقة له بالواقع. إنّها مفارقة حادة تخز السواد الأعظم وكُل تخيّر أن يعبّر عنها بطريقته، غير أنّ الفنّ له طريقته الخاصة في تصوير الأشياء سواء بنقل الواقع بضرب من الميمزيس القوي مما يدرجه في المدرسة الواقعية لدرجة أن الأعمال الفنية  تصير مرآة للواقع قادرة على نسخ ألامنا واحترازاتنا وانفعالاتنا وقد يتحول في لحظة بعينها إلى قوة تثبيت للقطة فارقة أو شخصية أو فئة لم تنصفها أبواق العدالة. إنّ الفنّ قد ينتصر إلى شخص ما في شيء من الانحياز كتب حوله ناجي العلي ما يلي” أنا متهم بالانحياز، وتلك تهمة لا أنفيها. أنا منحاز لمن هم”تحت”. لمن هم ضحايا التكذيب وأطنان التضليلات وصنوف القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات” والفنّ يتهم بالانحياز لأنّه يرى في اللاعدالة عدالة منظور إليها من زاوية نظر فنية أو شكل من أشكال التعويض

 إنّ الفنّ حفظ للحظات الواخزة للاإنسانية فثمة بنكتوم قوي في الفوتوغرافيا على حدّ عبارت رولان بارط في كتابه الغرفة المظلمة حيث يكتب حول هذا المفهوم الفوتوغرافي”توجد الكلمة في اللاتينية لكي تشير إلى هذا الجرح، هذه الوخزة، هذه العلامة التي أحدثتها آلة مدببة…[1] تنطلق منها العدسة للثأر ممّن تناستهم العدسات الرسمية للأنظمة، ثمة في الجداريات المعاصرة والمشهديات انحياز إلى ضحايا تعثّر العدالة في تونس، اذ لم نقل غيابها. لكن يبقى السؤال الأكثر إحراجا هل ثمة عدالة في اقتسام الفعل الفنّي بين الجهات؟ أم ألغينا مطلب العدالة وأصبحنا نطالب بالاقتسام العادل للاعدالة الثقافية بيننا؟

الفقر والفنّ والمقاومة

في كتابها تحرير المحسوس تتساءل أم الزين بنشيخه” هل يمكن  للفقر أن يكون موضوعة جمالية؟ أو كيف التحديق في عيون الجياع بمقولات فنية؟”[2]بمعنى هل الفقر هو خاصة من الآفات الاجتماعية الاقتصادية لايمكن أن تجعل منه مشغل لذّة حسية أو فكرية أو يأخذنا بعيدا عن اللذائذ إلى عالم الفضح والتعرية في دروب الفنون الناقدة ولجماليات المقاومة؟

إنّ جعل الفقر في محك التفكير والتمحيص يشكل مشتركا بين الفلسفة والفنّ. فالفقر على هشاشته وهامشيته قادر على تحريك سواكن الإبداع تجاه ضروب مغايرة وقد تشكل من لدنه دافعية الفعل الحقيقي. فأنطونيو نيغري من الذين نبشوا في هذا المشترك في طيات كتابه الفن والجموع ليكتب”الفقر هو فعليا حيّز مشطّ توضع فيه المسألة البيو-سياسية بشكل مطلق[3]” فالفقر هذا الشرّ البغيض الذي ينغص الممكن من الحياة، يستعيد إشكال الجسد  ويعيده إلى قلب السؤال الفلسفي باعتبار أنّ الجسد الفقير ليس مادة أو جسما بيولوجيا، إنّه الخيمياء المكونة “للبيوسياسي” ذاك الرفض القاطع لفصل السياسية عن البيولوجي أو الإنساني أو الاجتماعي لأنّ الحسم في المعركة اليوم أصبحت رهينة التشابك الكلي بين البيوسbios والسياسي وهو ما يقتضي الزّج بالجسد في عمق هذا الرهان المعاصر فيقول” يكون الجسد العاري مجبرا على تجربة التجديد على حافة الكينونة. [4]” مما يعني أن في الفقر كما في ظاهرة العراء بماهي مجاز الفاقة طاقة عنيفة وقوية ترجّ هدوء الأريحية وتخلخل أسس الاستقرار المزيف الذي قد يسقط فيه الإنسان المعاصر، وحده الفقر يمنحك القدرة على اختراع كينونة تليق بالمعارك الحياتية بماهي معارك مع سياسات التفقير والتجهيل.

 ضمن هذا الأفق من تجليات اللاعدالة، تفجّرت التعبيرات والوقائع الفنيّة للانتصار للبيوس ضدا لكل سياسات التفقير لأن السلطة السياسية الرأسمالية هي القدرة على خلق الأزمات وتطورها في شكل من المجاعات والركض المتواصل من أجل تحقيق لقمة في الأصل سرقت أضعافها من صحنك. فإنّ “واحدة من أهم استراتيجيات السلطة اليوم هي توليد الضيق والكدر والكرب والمديونية.” وإنّ السياسة اليوم هي فنّ انتاج الفقر أي إنتاج فقراء وعراة يسهل اخضاع أصواتهم بربع رغيف. لكن ما ظنّ السياسي أنّ المقاومة لسياسات الإخضاع والتلهية حسب عبارة تشومسكي تأتي من الفنّ. إنّ الفنّ قادر على الصدام بل خوض معركة الفضح حينما تجهد كلاب الحراسة بماهي كلاب تابعة للأنظمة القائمة، في إسكات الوخز وتهميش الهامش فنيا. فالهامش ينتمي إلى ما يجب قبره حتى في لغة الحرية.

ويستنتج عبد العزيز العيادي “إذا، الفقير بجسده العاري وبلغته الخلاسية وبكيانه البيو-سياسي، يفتح سبيلا باتجاه المقبل. الجسد العاري المجدّد. [5]” والتجديد لن يكون سياسيا ولا فلسفيا فقط، إنّه في الفنّ في الرسم والفوتوغرافيا. إنّ الجسد مجدّد من جهة أنّ الفن يقاوم وينتصر للهامش أي ذلك الجسد العاري و العيون الغائرة من وطأة الحزن المميتة. ويبدو أن الفوتوغرافيا  هي العدسة القانصة للحظات الواخزة لما هو إنساني فينا من جهة وما يجب اخفائه بكل القوى المتاحة للسلطة الميكروفيزيائية حسب عبارة ميشال فوكو، قد صارت الأقرب إلينا في الفضاءات الافتراضية أو الفضاء العمومي الافتراضي لأن الصورة لم تعد حكرا على الفنان أو الصحفي، بل أي كان في أي زمن في إمكانه أن يلتقط لحظة إحراج السلطة إحراجا مرّا تتكاثر فيه الصور الفاضحة لتملص سياسة الدولة من الاحاطة بالفقراء. صور تتناسل تناسلا جرثوميا كثيفا وأنت تشاهد مفارقة قاتلة بين جمال طبيعة الشمال الغربي ورعشة سكان جبالها، نصاعة الثلوج ودكانة وجوه الريفيين، كثرة الوافدين على جندوبة وعين دراهم للسياحة الشتوية، وتزايد أرقام الاحصائيات النزوح الى العاصمة.

ههنا لن يسعفنا إلا رولان بارط في فهم ما يحدث من خلال مفهومين البنكتوم Punctum  و الستوديوم Studium حيث يعتبر حضورهما المتزامن مبررا كافيا لديه كمتلقي للاهتمام بصور فوتوغرافية بعينها دون غيرها. فالانجذاب إلى الصور الفوتوغرافية يعود حسبه إلى انفعال مرتبط بالعاطفة لكن ليست عاطفة حسية صرف إنّما هي الممتزجة بالوعي الثقافي والسياسي”العاطفة التي تمر من خلال رابط معقول لثقافة أخلاقية وسياسية[6]” نتحسس من خلالها يقظة قوية تجاه فقراء السياسة. وهذا ما يطلق عليه الستوديوم فيكتب” أثار الستوديوم اهتمامي بالكثير من الصور الفوتوغرافية، سواء كنت أتلقاها كشهادات سياسية، أو أتذوقها كمشاهد تاريخية جيدة، وذلك لأنني أعيها في الأشكال، وفي الوجوه، وفي الإيماءات، وفي الزخارف والأفعال…” [7] فالستوديوم هو ما يشدّنا ثقافيا وسياسيا إلى الصورة أي يتعلّق بالوعي وهوما يبرز جهد المتلقي في البحث عنه في علاقة بالعالم الخارجي.

أمّا البنكتوم فهو أمر ما “يخترق” فهو من يبحث عنك وقد شبّهه بارط بالسهم، أي أنّه “وخز، ثقب صغير، بقعة صغيرة، قطع صغير، وأيضا رمية نرد. البنكتوم هو تلك المصادفة، التي توخزني، ولكنها أيضا تؤلمني وتطعنني) [8]” ففي الصورة سواء كانت فوتوغرافية أو تشكيلية وحتى إشهارية شيئ ما يشدّك إليها، وهو ما يبحث في هويتك وماضيك وطفولتك وذكرياتك ومبادئك …  فالفنّ  قد يساهم في” الارتقاء بالفقر إلى اللوحة وجعل البؤس ذي عيون حادة تحدق في وجوههنا كلما حدقنا في واقع حكومات لم تنصف الفقراء يوما[9]” وخاصة في آلام تلك الفئة التي لم تطلها عدسات السلط الرسمية.

إنّ في تزامن الوعي بما يحدث والطعن والاختراق، تكون الصورة الفوتوغرافية أكثر من صورة،لأنّها تحدث فينا ذاك التوتر الواخز بفهم إستراتجيات التفقير وتذبيح هذه الاستراتجيات لطاعن في السنّ يتكأ عن عكاز الخبز أو لتشققات أيادي تلاميذ المدارس الريفية أو اصطكاك أسنان عجوز تطهو الصبر في قدر أشد سواد من ما يعدّه الساسة لهم. ماذا يريد ملتقطو هذه الصور؟ أيريدون شهرة والحال أن الحقوق المصور لا تحُفظ؟ أم يريدون انتصارا لمن هم خارج خرائط الاعتراف؟ أم الدهشة مما يعتّم عليه في زماننا يدفعك لأن تكون مواطنا عالميا تفتك عن طريق الفنون حقا في التعبير عن القضايا؟

لقد كتب رولان بارط حول المبدأ الذي يدفع إلى التقاط الصورة ” حيث المبدأ وراء إنتاجها(أو من الأفضل القول الحجة الصدمة لأنّ الصدمة الفوتوغرافية( مختلفة كثيرا عن البنكتوم) الذي لا يقوم على فعل الصدمة بقدر قيامه بالكشف عمّا حسن إخفاؤه ، والذي جهله الفاعل نفسه أو لم يعيه. وعليه، كل سلسلة المفاجأت (هكذا هي بالنسبة لي، بصفتي مشاهد، ولكن بالنسبة للمصور، هي بالأحرى كفاءات[10]” فثمة صدمة شبيهة بالدهشة الفلسفية التي اعتبرها أرسطو بداية الفلسفة ، والصدمة هي بداية التقاط الصورة، ترج فيك الرغبة في مشاركة المرئي المباشر إلى مرئي مشترك لغايات احتجاجية لأن الصدمة هي ما تحدث فينا حق رد الفعل رغم أن ردات الافعال تختلف والصدمة تحدث عندنا ردات فعل غير انفعالية، ردات فعل واعية تتخذ من الصورة سلاحا في عصر الفيديو سفير حسب عبارة روجيس دوبرايه.

لقد كتب محمد شكري” الكتابة ليست نزهة، بل مسيرة احتجاج” ولعل هذا ما يجعل الصور الفوتوغرافية تتقاطع مع الكتابة لكن ليس الفقر وحده ما يحتم علينا مقاومته، بل ثمة أشكال أكثر ضراوة من الفقر حينما يتعلق الأمر بأسماء تنقش في تاريخ البلاد وأخرى تضحي من أجل ذاكرة إعلامية قصيرة جدا. يقال إذ كانت الحقائق تزيف أمامنا كيف لنا أن نثق في التاريخ؟ سؤال يجيب عليه الفنّ في تفاؤله بأنّ للفنّ قائمته الخاصة والمنحازة إلى من طردوا من الأوسمة الشرفية والرمزية وقائمة المناضلين والمناضلات. هنا قد رسمت أمينة بالطيب الفنانة التشكيلية تخليدا لصمود امرأة علمتنا معنى الشموخ والصمود من تلوعت من طعن الحكومات في الجبال القصية وطعن الارهاب مرتين. إنّها لوحة زعرة السلطاني أو دادا زعرة كما يجب أن يخلد التاريخ إسمها بالفنّ لا بسياسات الفشل فإن تكون فلذة كبدها قربان للجماعات الإرهابية تروي ظمأهم للدماء والذبح في مناسبتين وأن تقدم لوعة الفقد و رائحة شواء بني البشر ليمتزج الصمود بالكارثة بالعبء الشهداء الذي يحرصهم أفق لا نعرفه، فقط ترعاه نظرات الأمّ.

مسنة شامخة تشيح عنا البصر نحو أفق أكثر رفعة ورحمة منا، بلباسها الأمازيغي البدوي وعصابة الرأس متقنة اللف وكأنّ باحكام اللف تصبح كاتمة لصداع المعاناة. إنّ الفنّ يكون أركيولوجيا في هذه اللوحة فيمكن الأجيال القادمة أن تقيم حفريات بالمعنى الذي قصده فوكو حتى نعثر على الحقيقة خارج المسارات الرسمية للبحث. فالفنّ قد يكون وجهة الباحثين عن الحقيقة في عفوتها وتلقائيتها.

 

الهوامش

  1. رولان بارت، الغرفة المضيئة، (تأملات في الفوتوغرافيا)، ترجمة هالة نمّر، بيروت، المركز القومي للترجمة، 2010 ص29.
  2. أم الزين بنشيخه، تحرير المحسوس، منشورات ضفاف، بيروت،2014، ص263.
  3. أنطونيو نيغري، الفنّ والجموع، عن عبد العزيز العيادي،” أنطولوجيا المقاومة في فكر أنطونيو نغري”، في كتاب الفلسفة والمقاومة والإبداع، تونس ، دار محمد علي للنشر،2016، ص23.
  4. المصدر نفسه.
  5. عبد العزيز العيادي،”أنطولوجيا المقاومة في فكر أنطونيو نغري، المرجع نفسه، ص23.
  6. رولان بارط، الغرفة المضيئة، المصدر المذكور سابقا، ص28.
  7. المصدر نفسه، ص28.
  8. المصدر نفسه، ص29
  9. ام الزين بنشيخة، تحرير المحسوس، المصدر المذكور سابقا، ص256.
  10. رولان بارط، الغرفة المضيئة، المصدر مذكور سابقا، ص34.

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 31، أكتوبر 2023.

للاطّلاع على كامل العدد وتحميله: http://tiny.cc/hourouf31

 

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights