ليبيا والبعد الثالث

جميعنا نعيش على نبض الأحداث التي تشهدها ليبيا منذ عدّة أشهر نتفاعل معها وتحرك فينا مزيجا من المشاعر الجياشة ولا غرابة في ذلك فليبيا هي البلد العربي المسلم وهي الجار الذي تجمعنا به علاقات اقتصادية و اجتماعية نحتها التاريخ على وقعه. و بمزيد التمعن في الأمر لاحظت أن فوضى المفردات و المفاهيم تمكنت من المادة الإعلامية على اختلاف أشكالها و مصادرها حتى أضحت الألسن تنطق بما لا يفقهه عقل و لامنطق. وحتى نصدر الأحكام الصحيحة على الأحداث، وجب أن تتضح الصورة أمامنا بجميع أبعادها بما لا يدع مجالا للشك أو الريبة .  ولكن المتأمل يلاحظ أن صورة الأوضاع في ليبيا هي صورة ذات بعدين   : فالبعد الأول تظهر فيه صورة نظام كلياني احتكر السلطة و أزهق ثروات البلاد و اضطهد الشعب الليبي على مدى عقود فكان حلا لأبناء هذا الشعب أن يثوروا و ينتفضوا آملين في غد أفضل في ظل دولة حديثة تحفظ لهم حقوقهم و تحقق طموحاتهم و تضمن توزيعا عادلا للثروات بين جميع أبناء و فئات الشعب. وثورة الشعب الليبي الأعزل كما صورها لنا الإعلام  و كما ورد في تصريحات و قرارات الهيئات السياسية الإقليمية والدولية  عند بداية الثورة قد قابلتها الأجهزة الأمنية بمنتهى العنف و لست أحسب هذه الأجهزة بريئة مما نسب إليها و إن كنت استشعرت آنذاك غاية المبالغة و التضخيم في نقل الخبر.
أما البعد الثاني فلا نرى فيه انتفاضة سلمية أو لنقل ثورة شعبية عفوية كما هو الحال في تونس و مصر و إنما هو تمرد مسلح و انفصال عن سلطة الدولة بل أكثر من ذلك إعلان لدولة داخل الدولة : دولة عاصمتها بنغازي يحكمها مجلس انتقالي تحالفت فيه معارضة الخارج مع منشقي الداخل تقود زحفا نحو غرب البلاد لإسقاط نظام الحكم بقوة السلاح. هذه المعارضة تعمل بمباركة عربية و بدعم من قوى الغرب بلغ حد توفير الغطاء الجوي لتقدم الإنفصاليين وقصف مواقع و خطوط إمداد الجيش الليبي.  و استعمالي لهذه المفردات ليس من قبيل التعاطف مع النظام و إنما هو حرص مني على تسمية الأمور بمسمياتها بعيدا عن فوضى المفردات و المفاهيم التي طغت على الساحتين السياسية و الإعلامية على حد سواء.    و تعقيبا على ما سبق، فإن الصورة الليبية في بعديها الأول و الثاني تظل معتمة غير واضحة المعالم و لا تخولنا القول بامتلاك الحقيقة و الحكم بالقطع. فالضرورة كل الضرورة أن تتغير معالم الحياة السياسية في ليبيا بما يكفل الكرامة والحرية و يؤسس لدولة الحداثة،  والخوف كل الخوف من جحافل الغرب الإستعماري الّتي تقرع طبول الحرب على بوابات ليبيا تربصا بشعبها و طمعا في موقعها و ثرواتها  ولنا في التاريخ القديم والحديث أسوة سيئة في ذلك.
وختاما لست أرى في نظام الحكم في ليبيا القدرة على تحقيق تطلعات الشعب الليبي لكن الأمر ليس أقل سوء بالنسبة  لانفصاليي الشرق الذين بدأوا مسيرة التغيير و إعادة البناء بتقديم فروض الطاعة و الولاء للأحلاف الدولية المريبة. يقول كثيرون بأن الغاية تبرر الوسيلة..ولكن المتصفح للتاريخ يعلم أن العمالة لا تبني الأوطان

Please follow and like us:

اترك رد