كيف نَظَّر تْشي غيفارَا لسيادة دولته الكوبية؟

بقلم: د. عادل بالكحلة

أكثرنا يسمع بغيفارَا رجل الحرب المسلحة ضد الامبريالية الأمريكية وعملائها بأمريكا الجنوبية، ولا يعرف غيفارَا المنظّر للدولة والعدالة والرفاه العام.

كان رفقاء غيفارَا بالثورة الكوبية، واعين بأن الاستقلال السياسي لن يكون ماثلا إلا إذا كانت السيادة. وذلك الوعي – لم يكن لدى أكثر دولنا العربية لما خرج منها الاستعمار القديم، التي «تركت استقلالها السياسي يضعف حتى ضاع تماما لعدم ضمان استقلالها الاقتصادي»[1]. وذلك لا يكون في نظر غيفارَا إلا إذا كان «التخطيط، أي البرمجة الواعية والذكية لجميع المشكلات التي ستطرح على كوبا في السنوات القادمة»[2].

  1. الهدف الغيفاري السَّوْقي: المبدأ السيادي:

إنه يلحّ على أن«واجبنا الثوري، لا ينحصر في التفكير بحاضرنا المثقل بالتهديدات وحسب، بل أن نفكّر بالمستقبل أيضا»[3]. يبدأ هذا السَّوْق، بأن يُعبَّأ «شعب كوبا بأسره، [أن] يفهم بالضبط ما هي المبادئ الثورية كلها»[4]. وهو يذكّر شعبه بتأميم حكومة لازارو كارديناس المكسيكية للنفط نازعة ملكيتها من الشركات النفطية الأمريكية عام 1938، والمحاولات السيادية الغواتيمالية تجاه الولايات المتحدة.

وهو يدعو إلى عدم الخوف من تأميم السكر الكوبي، فالإعلام الخادم للإمبريالية-الأمريكية سيفعل ما فعل تجاه السعي السيادي المكسيكي والغواتيمالي من تهويل، منبها إلى أن بإمكان الاحتكارات الكبرى أن تزيل «السلطة السياسية للكثير من جمهورياتنا»[5]، لتصبح نموذج «الجمهورية المشتراة».

يؤكد غيفارا أن «السيادة الوطنية تظل كلمتَيْن جَوفَاوَيْنِ إذا لم تقترن بالاستقلال الاقتصادي»[6]. وهي تعني قبل كل شيء ألاّ تتدخل أيّ دولة خارجية في سيرورة الدولة المستقلة سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وأن ينصّب شعبها (أو الأكثرية فيه) ممثلي الحكم الذي يريد، و«نمط الحياة» الذي يراه الأفضل، حسب «إرادته» وما عدا ذلك خضوع لإرادات شركات الفواكه والشركات الاحتكارية في النفط والمعادن والقهوة.

إن الدولة التي «لا تملك اقتصادا خاصا بها، والتي تسيطر عليها رؤوس الأموال الأجنبية لا تستطيع الإفلات من وصاية الدولة المرتبطة بها، وتستطيع بقدر أقل أيضا فرض إرادتها إذا كانت تتناقض مع مصالح البلد المسيطر اقتصاديا»[7]. وكل خطوة في التراجع عن مطلب السيادة، يعني خطوة للعودة، إلى التبعية أو تكريسها.

صحيح أن بإمكان الدول الإمبريالية محاصرة هذا المسعى بالرد العسكري، ولكنّ تشي غيفارا يؤكد أن ذلك أصبح «صعبا جدّا»[8]، فنحن «في زمن تريد فيه جميع الشعوب إسماع صوتها وتصويتها، وليس سهلا تنويم الرأي العام في البلد المعني وفي العالم كله لتمهيد الأرض وجعل التدخل أقل بشاعة»[9]. وإذا عزمت الولايات المتحدة الأمريكية على المهاجمة «بجنود من مواطني الاحتكارات أو مرتزقةٍ من بلاد أخرى، فسيكون الثمن باهظًا جدًّا، بحيث لا يقوون على دفعه»[10]. فالإصرار السيادي إنما يتطلب شجاعة إنسانية وقطْعًا مع استعدادات الرُّهاب من الامبريالية.

  1. متطلبات الاستقلال النّاجز:

يؤكد غيفارا أن الاستقلال النّاجز يتطلب من كوبا أن تُنمّي «جميع طاقاتها، وجميع ثرواتها الطبيعية» وأن تقاوم التسلط البيروقراطي والتكاسل العام وأن تعقد «اتفاقات تجارية مع العالم بأسره» في سياق تخطيطي ذكيّ، في: الإصلاح الزراعي أوّلا والتصنيع على أساسه ثانيا، يتطلب تبرع الجميع بـ 4% من الأجور، وإنشاء فروع اقتصادية تعوّض جُهود الاستيراد في مجالاتها، مقاومةً كل جيوب احتكار الثروة بالبلاد. ويذكّر غيفارا بتحذير فيدال كاسترو من انتظار حل المشكلات من توظيفات رأس المال الأجنبي الذي لا يفكر في مصلحة كوبا وإنما في مصالحه[11].

البداية – كما يرى غيفارا وثوّار كوبا – ينبغي أن تكون بالإصلاح الزراعي، فقد كان نحو نصف ملاكي الأرض (كوبيّين وغير كوبيّين) يمتلكون 46% من المساحة الزراعية، و70% لم يكونوا يمتلكون سوى 12% منها، وكانت شركات تمتلك 20% من مساحة مقاطعة كاماغواي[12]. لقد استطاعت حُكومة الثورة الرفع في أسعار المحاصيل بِلَجْمِ «عمل الاحتكارات الجامح في الخدمات العامة»[13].

أما المعادن والنفط، فقد كانت تهيمن عليها الشركات الأمريكية. ورغم أن الحريف الأوَّل في التجارة الخارجية أصبح الاتحاد السوفياتي إلا أن كوبا تتعامل معه معاملة «الندّ للندّ»[14]. فالاتفاق التجاري معه «كان ملائما جدّا لكوبا»[15].

بذلك أصبحت كوبا «تصدّر ثورتها»، لا بمعنى التدخل في شؤون الآخرين، بل بمعنى أنها «تصدّر فعلاً مِثالها»[16]، وهو «مِثال شعب صغير يتحدّى قوانين العِلْم الكاذب المسمّى ” الجغرافيا السياسية“، والذي يُسمِع صُراخ الحرية حتى وهو في فم التنين»[17]، أي على مرمى حجر من حِمَى الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك ما يخشاه الإمبرياليون وعملاؤهم المحليون. ومن العجب أن « الربيع العربي» الكاذب بعيدٌ جدًّا عن فم التنين، ولكنه لم يكن يتحلّى بشجاعة إنسانية أمام التنين، فسرعان ما كان مُنصاعًا لـ«فْرِيدُومْ هَاوْسْ» و« آيْﭘاكْ» وضغوط السفراء الإمبرياليين، ليتهاوى شيئا فشيئا أمام استعادة الدولة العميقة لثقتها في نفسها شيئًا فشيئًا.

سَمَّى غيفارا ورفاقه البحث الدائب عن العدالة الاجتماعية «اشتراكية»، وسَمُّوا الاكتمال الناجز والحيّ لذلك البحث «شيوعية»، ولم يكونوا في ذلك دُغمائيين ولا مُتابعين، بل كان بحثهم انطلاقًا من واقعهم الكوبي، ومن رؤية مقارنة عالمية في مقاومة التبعية والتفاوت الطبقي والدكتاتوريات، ومِن تجربة يومية في إعادة البناء، ولا مُشاحةَ في الأسماء؛ فالثورية القرمطيّة كانت تَدْعو مِثالها «الأُلْفة»، وتسمي الإنجاز النهائي: «ملْءُ الأرض عدلاً كما مُلِئت جَورًا». والعبرة ليست في التعصب للألفاظ، وإنما في الذهاب رأسا نحو الجوهر: السيادة السياسية والاقتصادية والثقافية، والقطع مع التبعية، والعدالة الاجتماعية، وتحالف الشعوب ضد الامبريالية والعَمالات والروح الرجعية القابعة فينا منذ تحكم الاستخبارات الأموية في نفوسنا، إلى حدّ أننا مَازلنا نعاني من رُهاب ملوك بني أمية إلى حد اليوم فلا نسمح لأنفسنا حتى بالطعن فيهم وهُم في فتورهم: «دِماءٌ طَهَّرَ الله منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا».

  1. ضرورة إعلان تحالف الشعوب ضد الامبريالية:

يُعلن غيفارا أن عمله ورفاقه «كله صرخة حرب ضد الإمبريالية، ونداء صدق لوحدة الشعوب ضد العدو الكبير للجنس البشري: الولايات المتحدة الأمريكية الشمالية»[18].

يعرف غيفارا أن مقاومي الإمبريالية: ثقافيًّا أو سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو عسكريًّا محكومٌ عليهم منها بالموت، فالمهمّ هو أن تكون صرخة الثوَّار مسموعة بدرجة كافية حتى تستمرّ جذوة حركة السلام العالمي: «لا يهمنا أن يفاجئنا الموت، بل نرحّب به شريطة أن تُسْمَع صرختنا»[19]، التي تُذكي أكثر مراكمةَ الكراهية العالمية للإمبريالية.

في مؤتمر «التضامن الآسيوي – الإفريقي» بالجزائر عام 1965، أكَّد غيفارا أن التحالف الأممي ضرورة لا يمكن التّخلي عنها في المعركة ضدّ الإمبريالية بأنواعها، فالعدوّ المشترك واحدٌ وانفرادُهُ بالدولة الواحدة من عالَم المضطهَدين يجعله منتصرًا بسهولة.

وهذا التحالف الأممي «لا يمكن بطبيعة الحال أن يتحقق عفوًا»[20]، فلا بدّ من التخطيط الجماعي له بواسطة «مُناقشات»[21]، وينبغي أن تعرف الشعوب المظلومة أنها مضطرة «لشروط مؤلمة» للانتصار[22]، ولكن تلك الشروط ستهون لأنها متقاسَمَة.

يؤكد غيفارا في مؤتمر الجزائر أن التعاون في معركة جزئية ضد العدو الإمبريالي، اقتصاديا أو سياسيا أو ثقافيا أو عسكريا «مساهمة في إضعاف واقعيّ، وخطوة أخرى نحو النصر النهائي»[23]. وعدم المبالاة بين الشعوب المضطهدة هو دائما في مصلحة ذلك العدو.

وما يعبّئ الشعوب في هذا الاتجاه التحالفي هو «أن يتم في الوُجدانات تحويلٌ يثيرُ موقفًا أخويًّا جديدًا تجاه الإنسانية»[24]، سواء على الصعيد الفردي أو في المجتمع الذي يبني العدالة الاجتماعية أو الذي بناها، «أو على الصعيد العالمي تجاه جميع الشعوب التي تشكو من الاضطهاد الإمبريالي»[25]. وذلك ما يقتضي الإسراع بتنمية التبادلات الاقتصادية «بأسعار تتيحُ التنمية»[26]، وباعتمادات طويلة الأمد في الصناعات الأساسية واكتساب التقانة المتطورة[27]، وتنمية التعارف على تجارب النجاح والمقاومة.

ويؤكد غيفارا أن التخطيط التحالفي ينبغي أن يتجه منذ البداية «نحو تقسيم إقليمي معيّن بحيث ينسّق اقتصاديات البلدان، ويصل بهذه الصورة إلى الدمج على قاعدة النفع المتبادل الحقيقي»[28]. فالتزاحم بين الدول المتجاورة من شأنه «تبذير طاقات يمكن أن تستخدم في تعاون اقتصادي أوسع بكثير، وعَدَا هذا تتيح للاحتكارات الإمبريالية أن تلعب لِعْبتها»[29]، ويعمّق الخصومة السياسية، لتتدخل التوظيفات الرأسمالية الإمبريالية بخداع تنمويّ، وبذلك تتبلبل أفكار الكثير من أبناء تلك الشعوب[30].

لقد كان غيفارا في ذلك المؤتمر ذا حماسة عالية تجاه استقلال فيتنام «وإفريقيا الجنوبية وفلسطين (…) وفينزويلاَّ وغواتيمالا وكولمبيا»[31].

وقد ختم كلمته بقوله:«إن قليلا من المسارح تساوي في رمزيتها الجزائرَ، إحدى عواصم الحرية الأكثر بطولةً (…) فَلْيُلْهِمْنَا الشعبُ الجزائري العظيم الذي تمرَّس في آلام الاستقلال كما لم يتمرَّس مثله سوى القلة من الشعوب (…) في هذا الكفاح الخالي من المعسكرات ضد الإمبريالية الأمريكية»[32].

  1. غيفارَا الإنسان:

كتب غيفارا إلى طفلته هيلدا عام 1965، عن غُربته مِن أجل الإنسان والتي دَفع ثمنها بُعده عن عائلته: «يجب أن تعْلمي أنني بعيد عنك زمنًا طويلاً، باذلا كل ما باستطاعتي للكفاح ضد أعدائنا». وبتواضع العظماء يقول لها: «ليس ذلك أمرًا عظيمًا، لكي أفعل شيئا ما، وأظن أنك ستكونين دومًا فخورةً بأبيك، كما أنني فخور بك». إنه يُعْلِمها أن «سنوات كثيرة للكفاح» ما زالت أمام الشعوب، ويدْعوها إلى أن تُعدّ نفسها: «يجب أن تعدّي نفسك، أن تكوني ثورية جدًّا. وهذا يعني في سنك الإكثار من الدراسة، قدر الإمكان، والاستعداد دوما للدفاع عن القضايا العادلة» … كان مشتاقًا إليها جدا، وكان في حاجة إلى «قبلة كبيرة جدًّا وقوية جدًّا، تدوم طيلة الوقت الذي لن أراكِ فيه»[33].

كيف نستطيع أن نبلور هذه الأشواق لأبنائنا في العالم العربي التي أُجهضت ثورته بالدولة العميقة وتفرُّق الثوريين وخيانة الإسلام الإخواني وتكبّر اليسار على ثقافة شعبه؟!

*  *  *

نسترجع تغني الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم برمزنا تشي غيفارا. نتجمّع حولهما ونقول بشجاعتهما الإنسانية:

جيفارا مات.. جيفارا مات     آخر خبر في الراديوهات

وفي الكنايس والجوامع     وفي الحواري والشوارع

وع القهاوي وع البارات     جيفارا مات.. جيفارا مات

واتمدّ حبل الدردشة والتعليقات     مات المناضل المثال

*  *  *

يا ميت خسارة ع الرجال     مات الجدع فوق مدفعه جوّا الغابات

جسّد نضاله بمصرعه ومن سكات     لا طبالين يفرقعوا ولا إعلانات

ما رأيكم دام عزكم يا أنتيكات     يا غرقانين في المأكولات والملبوسات

يا دفيانين ومولّعين الدفايات     يا محفلطين يا ملمعين يا جيمسينات

يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات     ما رأيكم دام عزكم.. جيفارا مات

لا طنطنة ولا شنشنة     وإعلانات واستعلامات

*  *  *

عيني عليه ساعة القضا     من غير رفاق تودعه

يطلع أنينه يزعق ولا مين يسمعه     يمكن صرخ من الألم

من لسعة النار في الحشا     يمكن ضحك أو ابتسم أو ارتعش أو انتشى

*  *  *

جيفارا مات موتة رجال    يا شغالين ومحرومين

يا مسلسلين رجلين وراس     خلاص خلاص

مالكوش خلاص غير بالبنادق والرصاص     ده منطق العصر السعيد

عصر الزنوج والأمريكان     الكلمة للنار والحديد

والعدل أخرس أو جبان     صرخة جيفارا يا عبيد

في أي موطن أو مكان

ما فيش بديل ما فيش مناص

يا تجهزوا جيش الخلاص

يا تقولوا ع العالم خلاص.

 

 

[1] غيفارا (أرنستوتشي)، الأعمال الكاملة، دار دمشق، 1982، ص282.

[2]و 3 غيفارا، م. س، ص282 أيضا.

[4] م. س، ص282.

[5] م. س، ص284.

[6] م. س، ص284.

[7] م. س، ص285.

[8]و 3 م. س، ص285 أيضا.

[10] م. س، ص285.

[11] م. س، ص290.

[12] م. س، ص290 أيضا.

[13] م. س، ص291.

[14] م. س، ص292.

[15] م. س، ص292 أيضا.

[16] و4 م. س، ص295.

[18] م. س، ص540.

[19] م. س، ص540.

[20] م. س، ص540.

[21] م. س، ص540.

[22] م. س، ص540.

[23] و6 و7م. س، ص497.

[26] م. س، ص497 أيضا.

[27] م. س، ص504.

[28] م. س، ص501.

[29] م. س، ص502.

[30] م. س.

[31]م. س، ص506.

[32] م. س، ص506 أيضا.

[33] م. س، ص552.

Pin It on Pinterest

Share This