إرث بريمر ولعنة الميليشيات… هل من خلاص للعراق؟

بقلم: أنيس عكروتي

مساء التاسع من أفريل سنة 2003 والموافق لسقوط بغداد، أسقط عدد من العراقيين تمثال الرئيس الراحل صدام حسين بساحة الفردوس معلنين عن نهاية مرحلة دامت قرابة قرن وآملين في القطع مع منظومة حكم شمولي استبدادي منغلق والمرور إلى نظام ديمقراطي منفتح يضمن الحريات ويحقق الرفاهية. لكن سرعان ما تلاشت الآمال وغرق البلد في مستنقع العنف والقتل على الهوية والفساد السياسي..

يوم الثاني عشر من شهر ماي وبعد مرور شهر تقريبا على سقوط بغداد، تقلّد بول بريمر منصب الحاكم الفعلي للعراق، واتّخذ من أحد قصور صدّام مقرّا له وانطلق في سنّ مجموعة من الأوامر والتشريعات التي ستكون لها انعكاسات وخيمة على الأوضاع العامة، ومنها حلّ مؤسسة الجيش والمؤسسات الأمنية والإعلامية والتشريع للعقاب الجماعي لمن اشتغل في النظام السابق وخاصة بناء معادلة سياسية على أساس محاصصة طائفية شبيهة باتفاق الطائف اللبناني.

أقر بريمر نفسه في العام 2007 أمام جلسة مساءلة في الكونغرس بأنه “ارتكب أخطاء”، وأنه “لو عاد به الزمن إلى الوراء لكان عالج عدة قضايا بطريقة مغايرة.”

التركة الثقيلة لبريمر جعلت العراق يتخبط في أزمات متلاحقة أعيد خلالها إنتاج الفشل بأشكال مختلفة لكن تبدو الأزمة الحالية استثنائية، فقد تجاوزنا مدة عشرة أشهر من الانسداد السياسي وتعكّر الأوضاع دون وجود آفاق حقيقية لإيقاف النزيف.

تعود بدايات هذه الأزمة إلى عجز التيّار الصدري عن تشكيل حكومة إذ لم يستطع تأمين نصاب الثلثين رغم فوزه بالعدد الأكبر من مقاعد البرلمان. يذكر أنّ مقتدى الصدر كان قد أعلن مقاطعته تياره للانتخابات أشهر قليلة قبل انطلاقها مشككا في نزاهة العملية برمتّها.

منتصف شهر جوان، بعثر الصدر الأوراق السياسية بإعلانه استقالة كلّ نوابه من البرلمان معطّلا بذلك أيّ مبادرة لتشكيل حكومة تستثني التيار الصدري وتحالف “تقدّم” (السني) بقيادة رئيس البرلمان وكتلة عزم والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني.

يضم الطرف المقابل (الإطار التنسيقي) في أغلبه أحزابا سياسية قريبة، بل وحتى موالية فعليا لإيران سياسيا وعقائديا، ويعتبر الخاسر الأكبر في الانتخابات التشريعية الأخيرة إذ لم يتحصل إلا على 57 مقعدا مقابل 92 مقعدا خلال انتخابات 2018. وقد عرف”الإسلام السياسي الشيعي الموالي لإيران” انحسارا لشعبيته خصوصا مع تورطه في أعمال عنف وقتل طالت المحتجين خلال ما عُرف بانتفاضة تشرين سنة 2019، وهي حركات احتجاجية شهدتها خاصة مدن الجنوب العراقية ورفعت شعارات تنادي بنزع سلاح الميليشيات وتحجيم الدور الايراني السلبي في العراق والتصدي للفساد السياسي الذي بلغ مستويات غير مسبوقة. طالب المحتجّون بـ”عراق لكل العراقيين ” كما دعوا إلى تغيبر النظام الحالي ومحاسبة النخبة السياسية على أخطاء مرحلة ما بعد 2003. وقتها كتب محللون أن النجف تنتفض في وجه “قم”، بمعنى القطع مع كلّ أشكال التدخل الخارجي وخاصة الايراني.

بالعودة إلى الأزمة الحالية، تفاقمت الأمور أكثر حين اقتحم أنصار مقتدى الصدر -في حركة استعراضية- مقر البرلمان في 27 جويلية الحالي رافضين أي تسوية سياسية تستثني التيار الصدري.

مع اتسام جلّ القيادات الحزبية الحالية بالتعنت وتصلب المواقف وشخصنة العمل السياسي ومع عدم استعداد أي قوة سياسية للحوار (رغم بعض التصريحات المتناقضة مع الفعل الميداني)، تتخذ مكوّنات ” البيت الشيعي ” من الشارع مسرحا للصراع..

مخاوف عديد العراقيين من الذهاب نحو صراع مسلّح سيكون دمويّا لا محالة، عزّزتها التسريبات المدوّية التي نشرها الصحفي العراقي علي فاضل مؤخرا والتي تكشف عامة عن نية لنوري المالكي ابن حزب الدعوة ورئيس ائتلاف دولة القانون في منع التيار الصدري وحلفائه من تشكيل حكومة ولو بقوة السلاح الخارج عن الدولة مستعينا بميليشيات ودعم خارجي يأمل أن يتحصل عليه من الحرس الثوري الإيراني بمباركة من مرجعيات دينية ذات شعبية، إضافة إلى التهجم على الصدر واصفا إياه بالجاهل.

من جهة أخرى، استبعد محللون ذهاب القوى المتصارعة نحو التصعيد، ففي حديثه لـ”حروف حرة”، قال أ. رائد الحامد رئيس قسم الدراسات الأمنية في مركز العراق للدراسات الاستشرافية أنّه “لا تبدو هناك أيّ احتمالات لانزلاق العراق إلى أتون حرب أهليّة داخل المكوّن الشيعي بين قوى الإطار التنسيقي والتيار الصدري.” وأضاف أنّ ” السقف الأعلى لأي احتكاك بينهما لا يتعدّى اشتباكات محدودة أو امكانية عودة التصفيات الجسدية المتبادلة بين الطرفين، لكن الحديث عن حرب مفتوحة غير وارد على الأقل في المدى المنظور.”

حامد أكّد على أنّ ” القيادات المتنافسة تدرك يقينا أن أي اقتتال بينها يعني نهايتهما معا أو نهاية طرف منها أو على الأقل اضعافهما معا، مما يقود إلى فقدان السلطة وعودتها إلى المكونات الأخرى وهو أمر لا تسمح به المرجعية الدينية في النجف ومراكز القرار الايرانية الثلاثة الناشطة في العراق (مرجعية المرشد الأعلى علي خامنئي، مرجعية الحرس الثوري ومرجعية وزارة الأمن والاستخبارات). “

سياسيا وخارج المكوّنات الشيعية المتصارعة، تبدو مواقف بقية القوى خجولة بعض الشيء كأنّها تكتفي بمراقبة مآل الأمور لتتفاعل فيما بعد مع مخرجاتها حتى ” قوى تشرين ” اعتبرت في أغلبها أنّ هذا الصراع لا يعني عموم الشعب العراقي في شيء وأنّ تسوية سياسية لن تحل الاشكال القائم منذ سنوات ولن تغير بالضرورة شكل النظام السياسي إلى الأفضل.

عمليّا، لا يبدو أنّ هناك خيارا خارج الخيارات التالية، إمّا إقناع الصدر بالعودة إلى البرلمان واستئناف محادثات تشكيل الحكومة مع تشريك أكبر عدد ممكن من القوى أو الذهاب نحو حل البرلمان الحالي وبالتالي التحضير لانتخابات جديدة أو عقد تسوية سياسية بين الصدر والإطار التنسيقي لكن يبقى هذا الأمر مستبعدا.

 إذا كان الوضع الداخلي متصدعا بهذا الشكل، فهل من دور خارجي ايجابي في حل الأزمة؟

اعتبر الصحفي علي فاضل ناشر التسريبات الأخيرة- عن المالكي أنّ ” لا امريكا ولا روسيا ولا أي دولة عظمى مهتمة بالوضع العراقي.” مستبعدا حدوث أيّ تغيير مستقبلي في النظام.

إنّ الولايات المتحدة الأمريكية وبصفتها صاحبة المسؤولية الأكبر في إنتاج هذه المنظومة السياسية تبدو غير مهتمة بصفة مباشرة بالشأن العراقي وهي تدرك استحالة تحقيق تسوية في ظلّ وجود قيادات حزبية تتنافس من أجل احتكار التمثيلية السياسية (بشكل يشبه حيازة أصل تجاري!) لمكون مذهبي أو عرقي ما. كما أنّ النظام السياسي الحالي صنع في أمريكا وتغييره قد يأتي ببدائل أكثر سوءًا على المنطقة وحتى على الولايات المتحدة. ثمّ أنّ إدارة بايدن تراهن بقوة على مقتدى الصدر لتحجيم دور الأدوات الإيرانية في العراق وهو الذي وصفته صحيفة “فورين بوليسي” برجل أمريكا في العراق. فرغم خطابه الشعبوي، نجح الصدر في تصدر المشهد السياسي مزيحا كلّ خصومه.

أمّا بخصوص الدول الأخرى فلا ايران التي تدعم بشكل واضح قوى سياسية بعينها ولا تركيا صاحبة السمعة السيئة في العراق (خاصة بعد القصف الأخير على دهوك العراقية) ولا بقية الدول العربية غير المؤثرة قادرة على لعب دور الوساطة بين مختلف القوى.

أ.رائد الحامد وبسؤاله عن حجم الدور الإيراني في العراق قال أنّ : ” لتنافس في العراق الذي اقترب من حالة التصعيد والاقتتال، هو انعكاس للخلاف في رؤية أو سياسات مركزي القرار في إيران للفوز بالعراق، الحرس الثوري الذي يهيمن على الجزء الأكبر من قوى قرار الإطار التنسيقي وقيادات المجموعات الشيعية المسلحة، ووزارة الأمن والاستخبارات التي لها دور في رسم سياسات القوى الشيعية الأخرى مثل التيار الصدري وتيار الحكمة وائتلاف النصر.”

 تخطئ الولايات المتحدة الأمريكية ــ سياسيا ــ ألف مرّة لتصيب مرّة واحدة. والخطأ العراقي كان جسيما، لعنته لا تزال تلاحق أجيالا من العراقيين، ممّا يجعل التفاؤل صعبا بشأن المستقبل.

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 18، أوت 2022، ص. ص. 6-7.

 للاطلاع على كامل العدد: http://hourouf18.tounesaf.org

 

Please follow and like us:

اترك رد