المقاومة القبلية لانتصاب الحماية الفرنسية بالبلاد التونسية

مصدر الصورة: : http://khilazwaw.blogspot.com/


بقلم: هشام الزعبي

على الرغم من الثقل العددي للقبائل بالبلاد التونسية في ظل الاحتلال الفرنسي (حوالي 85 بالمائة من سكّان البلاد) فإن الدراسات التاريخية لم تركز بما فيه الكفاية على موقف هذه القبائل من الاحتلال الفرنسي وخاصة الخلفية التي حركت المقاومة القبلية ضد انتصاب الحماية الفرنسية.

استكشاف الاستعمار الفرنسي للقبائل بالوسط والجنوب التونسي

تراوحت الحملات الاستكشافية الفرنسية بتونس قبل الاحتلال بين المقصد العلمي والنية الاستعمارية.

وفي هذا الإطار يمكن ذكر ما قام بإنجازه الضابط بيليسياي الذي كتب العديد من التقارير سنة 1847 جمعت في كتاب تحت عنوان: وصف الإيالة التونسية.

 إضافة إلى ما أنجزه المستكشف تيسو عند مرافقته لمحلة الجريد بقيادة باي الأمحال سنة 1857 أي عند ثورة غومة المحمودي وربما هذا ما يفسر إشارة تيسو إلى أن العديد من المناطق تساند التدخل الفرنسي.

وعند الالتحام المباشر بالقبائل في الوسط والجنوب أصدرت السلط الاستعمارية في 13 أكتوبر 1883 أمرا يقضي بإجراء بحوث معمقة ومكثفة حول جلّ القبائل التونسية كي لا يتكرر الجهل بالقدرات البشرية والعسكرية لهذه القبائل.

المواجهات العسكرية بين فرسان القبائل وماكينة الاحتلال

على الرغم من الحملات الاستكشافية والبحوث التي تم إجراؤها حول قبائل الوسط والجنوب بالبلاد التونسية، فإن قائد جيش الاحتلال الفرنسي فورجمول دي بوستكينار تصوّر أن عملية الاحتلال ستكون “نزهة عسكرية”. وهو ما لم تثبته الأحداث إذ سرعان ما اندلعت المقاومة حال دخول الاستعمار البلاد في 24 أفريل 1881 من جهة تبسة الجزائرية.

وتميزت قبيلة جلاص على وجه الخصوص بدورها في إدارة المقاومة بالوسط التونسي بقيادة علي بن عمارة الجلاصي. ومن أهم المعارك التي جمعت بين هذه القبيلة والجيش الاستعماري معركة برج حفيظ بين 26 و28 أوت 1881 قرب الحمامات، قد أشار إليها الضابط سيمون في تقريره المفصّل حول قبيلة جلاص.

وتميزت كذلك قبيلة الهمامة (في جهة قفصة بالأساس) بأهمية دورها في مقاومة انتصاب الحماية وأصبح قائدها علي بن ضو الهمامي ألد أعداء فرنسا بتونس منذ سنة 1882. ومن أبرز المعارك التي شاركت فيها هذه القبيلة معركة كدية الحلفاء في 25 أكتوبر 1881 والتي سقط فيها عدد من الجنود الفرنسيون قدرهم المؤرخ الفرنسي” بروش” بعشرين جنديا.

وعموما فلقد شاركت أغلب القبائل التونسية في المقاومة ضد انتصاب الحماية الفرنسية واحتدم الصراع بين كلا الطرفين طيلة سبعة أشهر خسرت فيها فرنسا ما يفوق الـ 782 جنديا.

خلفية المقاومة بين العامل القبلي، الديني والوطني

تميل المدرسة الانقسامية إلى حصر التحركات القبلية ضمن الحدود الضيقة لمصالح المجموعة القبلية وهو ما لا ينطبق حسب رأينا على مقاومة القبائل التونسية لتركيز الحماية الفرنسية.

فما نلاحظه هو اتحاد القبائل المتناحرة سابقا (قبائل مخزنية موالية وقبائل غير مخزنية) في سبيل تنسيق جهود المقاومة وهو ما يؤكد تشكل وعي وطني لديهم، فعلى سبيل المثال، قُتل قائد جلاص علي بن عمارة الجلاصي في معركة القلعة الصغيرة (21 أكتوبر 1881) بعيدا عن الحدود التقليدية لقبيلته.

كذلك خاضت قبيلة الهمامة معركة سيدي المرغني (23 أكتوبر 1881) في موطن قبيلة ماجر (القصرين) بالتحالف مع غيرها من القبائل مثل جلاص والفراشيش.

وينضاف إلى البعد الوطني بعد آخر لا يقل عنه أهمية بل ويتمازج معه وهو البعد الديني الذي مثل عاملا أساسيا في تجاوز الانتماء القبلي. فقد وقع النظر إلى المستعمر الفرنسي كعدوّ في الدين تجب محاربته.

في ختام القول، يمكن أن نعتبر أن مقاومة القبائل بالأرياف للحضور الاستعماري ساهمت إلى حد كبير في رسم معالم الهوية التونسية والتأصيل لانتماء واحد يجمع شتات الكيانات الاجتماعية والسياسية المختلفة.

صدر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد الثاني، أفريل 2021، ص. 10.

لتحميل كامل العدد:  http://tiny.cc/hourouf2

Please follow and like us:
One Comment

اترك رد

Verified by MonsterInsights