فيلم “غدوة” لظافر العابدين: في انتظار غد لا يأتي…

بقلم: حمزة عمر

عادة ما نتكّل على الأحكام المسبّقة لكي نعفي أنفسنا من خوض التجارب. لعلّه نوع من الاقتصاد الذهني الّذي نروم به توفيرا لمجهوداتنا. وكثيرا ما يكون الحكم المسبق خاطئا، ويكون المجهود يستحّق البذل. كان ذلك حالي مع فيلم “غدوة”. لمّا علمت بصدوره، مع تلك الحملة الإعلامية الّتي صحبته، وأنّه من تأليف وإخراج وبطولة ظافر العابدين، تبسّمت في سرّي قائلا: لقد طغى هذا الفتى الوسيم طغيانا عظيما…

لكنّي مع ذلك، بفعل الملل وشيء من الصدفة، وجدتني ذات مساء في قاعة سينما شبه فارغة أشاهد الفيلم. ولمّا خرجت منه، قلت لنفسي: أحسن والله هذا الفتى في طغيانه.

يروي الفيلم قصّة حبيب (ظافر العابدين) وهو والد المراهق أحمد (أحمد بن رحومة). حبيب محام يبدو أنّه كان على قدر من الشهرة وهو مهووس بتحقيق العدالة، لكنّ صحّته النفسيّة تنهار، فنجده يعيش حالة من الذهان تجعله غير قادر في عديد الأحيان على تمييز الحقائق…

ليس في الفيلم الكثير من الأحداث. جزء كبير منه يقع داخل شقّة حبيب المتواضعة وسط العاصمة. حين يخرج منها، فإنّه يذهب لمصارعة طواحين الهواء. في طريقه، يجد الكثير من التعاطف ممّن يعلمون بحاله ويقدّرون علوّ همّته، غير أنّه لا يسلم كذلك من الازدراء وحتّى الاعتداء.

ثورة مشكوك في وقوعها

يكشف لنا أحمد عن معنى عنوان الفيلم إذ يزفر متنهّدا: أخشى ألّا يأتي الغد أبدا. لئن كان السياق خاصا بوضعيّة أبيه، فإنّنا نكتشف أنّ هذه العبارة تعمّ كلّ شيء في البلاد. يعيش حبيب في حالة من الارتباك لا يعرف معها بحدوث الثورة، لكنّه يجعلنا نتساءل معه: أتُراها وقعت فعلا؟ لا شيء ينبئ في الواقع عن حدوثها. في أحد أجمل مشاهد الفيلم، يعبر حبيب قسما من المدينة على متن المترو، وينظر من نافذته إلى الناس في الشوارع: نفس مظاهر البؤس القديم، إن لم يكن قد ازداد انغراسا.

لا شيء تغيّر. لا يصدق ذلك على شيء كما يصدق على العدالة. يكرّر حبيب فيما يشبه الهذيان هذه الكلمات: “الحقيقة، المحاسبة، ثمّ المصالحة”. تلخّص هذه الكلمات الخيبة الكبرى للثورة التونسية، بما أنّه لم يتحقّق منها شيء يذكر. تتجسّد هذه الخيبة في سلوك المعنيين بتطبيق العدالة في المقام الأوّل: رجال الأمن والقضاء، ممّن لم تزدهم الثورة إلّا صلفا وعنجهيّة وتعديّا على غيرهم. ذهان حبيب ليس في الحقيقة غير تلك المفارقة الكبرى بين الآمال الواسعة الّتي فجّرتها الثورة وبين الواقع الّذي آلت إليه. حبيب هو كلّ الحالمين الّذين تمنّوا التغيير قبل أن تجلدهم سياط منظومة لا تزال تبدع في الحفاظ على نفسها. الغد الّذي لا يأتي هو ذلك الحلم الكبير الّذي يجاهد لكيلا يذوي.

تضفي علاقة حبيب بابنه أحمد الكثير من الدفء على الفيلم. أحمد يعيش مع أمّه (نجلاء بن عبد الله) بعد طلاق أبويه. غير أنّه يختار المخاطرة بمستقبله الدراسي لمّا ينتقل إلى شقّة والده حتّى يرعاه. تنقلب الأدوار، فيضحي أحمد أبا يمنح الكثير من العطف والاهتمام لحبيب التائه عن واقعه. يجسّد أحمد هذا الشعاع من الأمل الّذي يمكن أن نحافظ عليه: الجيل الجديد الّذي سيحمل بين يديه مشعل التغيير الّذي أخفقت في تحقيقه الأجيال السابقة.

فيلم ناجح في ملامحه الكبرى ولكن…

يمكن أن نقول أنّ ظافر العابدين نجح إلى حدّ كبير في “طغيانه”، فهيمنته على وظائف الفيلم الكبرى لم تسقط به في فخّ التمركز على الذات. نرى ذلك بالخصوص فيما يتعلّق بأدائه إذ أنّه الدور ناسبه تماما فملامح الاضطراب الّتي كان يبديها حبيب كلّما واجهته شخصيّة ما بحقيقة خفيت عنه كانت تحسن نقل ذلك الشعور إلى المشاهد. ربّما كنّا لنسعد برؤية حيّز أكبر نجلاء بن عبد الله والبحري الرحّالي ورباب السرايري وغانم الزرلي، لكن أخال أنّ طبيعة الفيلم النفسيّة تبرّر التركيز الكبير على دور حبيب. غير أنّ الفيلم كان ليكون أكثر عمقا لو وقع تقليص مدّته الزمنية، إذ أنّ بعض المشاهد تتمطّط إلى حدّ الترهّل، وأخال أنّه كان من الممكن حذف عشرين دقيقة منه دون الإضرار ببنيته. كما أنّه كان من الممكن الاشتغال على الحوار، خاصة في المشاهد المتعلقة بقضيّة العدالة والتي كانت فيه اللغة المستعملة أقرب إلى الشعارتية. أمّا عن مسحة التفاؤل الّتي نراها في المشهد الختامي، وحتّى في الوصف التعليقي الّذي تلاه، فأرجو من كلّ قلبي ألّا يصطدم بخيبة جديدة…

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 14، مارس 2022، ص. 8.

للاطلاع على كامل العدد: http://hourouf14.tounesaf.org

 

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights