واقع اللادينيين في تونس

بقلم: محمّد بن رجب الجندوبي

اللادينية ليست بظاهرة تحتكرها مجتمعات بعينها بل هي جانب طبيعي من التنوع الفكري في المجتمعات الحضارية والبدائية في مسيرتها التطورية وقد برز اللاتدين منذ القدم.

يصر المؤمنون من مجتمعات شرق وجنوب المتوسط على النظر الى اللادينيين المنبثقين من مجتمعاتهم على أنهم متأثرون بالغرب/عملاء للغرب/مندسون/مرضى نفسيون/ شواذ….

لا يستيقظ المرء من النوم ليقرر أن يكون لادينياً، فمثل هذا القرار المصيري يقتضي من صاحبه دراسة وبحثاً وتفكيراً، لكي يصل إلى درجة التخلي عن معتقده، فتغيير المعتقدات أمر صعب لا سيما إذا كانت دينية.

يُعَدّ مصطلح اللادينية مصطلحاً شاملاً يضم العديد من المفاهيم التي تخص غير  المؤمنين مثل الملحد والربوبي واللاأدري واللااكتراثي…. ويعرّف “المعجم العلمي للمعتقدات الدينية” الملحد بأنه الشخص الذي لا يؤمن بالمفاهيم الدينية مثل الإيمان بالله وخلود الروح والبعث بعد الموت والدين ككل.

ويُعرَّف الربوبي بأنه الشخص الذي يؤمن بالإله ولكنه ينكر الوحي الإلهي ويطرح بدلاً منه الدين الطبيعي المعتمد على العقل. وتعرّف “دائرة المعارف الفلسفية” اللاأدري بأنه الشخص الذي يرى أن وجود الله والمورائيات أمر لا يمكن معرفته أو البت فيه. ويُعرف اللااكتراثي بأنه الشخص الذي لا يبالي بمسألة وجود الله من عدمه.

كان للنهضة العلمية والفكرية والفلسفية في أوروبا أثر كبير في قيام النزعة اللادينية كأفكار الربوبية التي تتجلى في فكر فولتير مثلا واللاأدرية عند داروين والإلحاد عند ماركس وموت الإله عند نيتشه الذي كانت عبارته صاعقة دوّت في أوروبا وفي كافة أنحاء العالم.

ساهم التطور العلمي الكبير في ازدياد أعداد اللادينيين بشكل عام في العالم، كما برزت خلال في القرن 21 ظاهرت اللادينية العاطفية وقد تشكلت كـرد فعل على فعل ديني متطرف كالأعمال الإرهابية التي تنفذها  الجماعات الإسلامية المقاتلة  كالقاعدة وطالبان وداعش… هذه الأعمال أدت إلى اتجاه الكثيرين نحو اللادينية كتعبير عن رفضهم لفكرة الدين كمحرّض على  للعنف.

في تونس كغيرها من دول العالم هناك فئة من اللادينيين تساهم في تشكل النسيج  المجتمعي سنحاول دراستها من خلال مقاربة حقوقية لفهم واقعهم.

اللادينيون في تونس يعانون من تفاضلية الحقوق والحريات التي تقاس بمكيالين فحقوق المتدين ليست نفسها حقوق اللاديني ، فبعد أن خلنا أن تونس قد تخلصت من الترهيب والتكفير خاصةً مع دستور 2014 الذي يضمن حرية التعبير والضمير كان الواقع في تصادم مع النص…

فالدستور التونسي الذي تمّ إقراره سنة 2014 ينصّ في فصله السادس على أن “الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي”. لكن واقع التونسيين يثبت أن ما جاء في الدستور لا يزال حبرًا على ورق حيث  تتعدد الأمثلة على الإنتهاكات التي قد تطال من يعلن أنه لاديني أو أنه قرّر اعتناق دين آخر غير الذي تعتنقه عائلته ومعظم الناس، بل حتى من يغير مذهبه.

فغالباً ما يتم الزج به في رهانات الساسة لحشد الجماعة وتأليبها وفي هذا الصدد نذكر قضية أمنة الشرقي التي حكم عليها بالسجن سنة 2019 بعد أن وجهت لها النيابة العمومية جملة من التهم الخطيرة على خلفية منشور في الفيسبوك قد تصل إلى ثلاث سنوات سجنا.

كانت الشرقي قد شاركت قصيدة ساخرة  فيها محاكاة لسورة قرآنية على صفحتها الخاصة في الفايسبوك شاركها قبلها الأف لكن الألة الإعلامية اختارت الشرقي ككبش فداء لحشد الناس تحت مسمى الغيرة على المقدسات وحماية الدين وقد تدخلت الدولة كحامية للدين ونصّبت محاكم  ووجهت للشرقي تهم المس بـ “المقدسات والأخلاق الحميدة والتحريض على العنف” لتسجن الشرقي قصد إرضاء الغالبية وفي المقابل لم تفتح النيابة العمومية أي تحقيق في كل دعوات القتل والتهديد التي تلقتها آمنة الشرقي من رجال دين وناشطين ظهروا بالصوت والصورة يتوعدون بسحلها في الشوارع وبغض النظر عن جدلية محاكاة القرآن، فإن محاكمة مواطن في دولة تدعي ضمان حرية الضمير والتعبير بتهمة “الدعوة إلى الكراهية بين الأجناس والأديان”، تؤكد أن الترسانة القانونية الجديدة لم تساهم في زحزحة العقليات البالية في تونس ولم ترس ثقافة الاختلاف وقبول الاخر لأن سياسة الدولة لا تريد الذهاب في هذا الاتجاه.

أمنة الشرقي ليست أول من يسجن في تونس بتهمة الإساءة للمقدسات ففي سنة 2012 ثبّت حكم استئنافي صادر بالمهدية سجن المدون جابر الماجري سبع سنوات ونصف بتهمة “الإساءة إلى الإسلام، قضى منها عامين بين القضبان تعرض فيهما للتمييز والعنف قبل أن يُفرج عنه بعفو رئاسي. وكان جابر قد نشر على مدونته الشخصية في الإنترنت صورا وكتابات اعتبرت “مسيئة” للإسلام والرسول محمد.

محكمة المهدية أصدرت حكما أخر بسجن المدون غازي الباجي بتهمة “انتهاك الأخلاق من خلال الإخلال بالنظام العام” وذلك بعد نشر رسوم كاريكاتورية تُجسّد شخصيات مقدسة عند البعض.

كما وجهت تهمة الإساءة للمقدسات لرئيس الحزب الليبرالي التونسي منير بعطور على خلفية مشاركته منشورا بحثيا يبحث في نسب الرسول محمد اعتبر مسيئا للنبي ووصل الأمر بالسلطات التونسية أن تعلم بعطور بضرورة مغادرة البلاد لأن حياته مهددة بدلا من توفير الحماية له وقد قضت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس بسجن بعطور مدة سنة نافذة وخطية مالية قدرها ألف دينار وإخضاعه للمراقبة الإدارية مدة عامين بتهمة ازدراء النبي محمد.

جميع من تم ذكرهم تم تهجيرهم إلى أوروبا تحت ضغط السفارات الأجنبية والمنظمات العالمية بعدما أدانهم القضاء التونسي وأصدر في حقهم عقوبات بالسجن وأصبحت حياتهم مهددة في تونس حيث أن الدولة تخلت عن واجبها في حمايتهم قصد إرضاء الجماهير.

بالإضافة الى هذا السجل القضائي الحافل بالإنتهاكات ضد اللادينيين في تونس نجد في الدستور التونسي فصل يستثني  وغير المسلم من الترشح للرئاسة وهذا تمييز ضد فئة من وكأنّ صفة المواطنة وسقط عن غير المسلمين في تونس بالتالي لا يحق  لهم الترشح للرئاسة.

مجلة الأحوال الشخصية بدورها لا تنظم أحوال التونسيين غير المسلمين، ومثل هذه القوانين لا تتناسب مع حرية الضمير المنصوص عليها في الدستور الجديد، ما بعد الثورة.

على الرغم من التقدم الديمقراطي في تونس فإن واقع اللادينيين مازال يشهد تمييزاً وتصاعداً للعنف المسلط ضدهم من الدولة والمجتمع ووجودهم داخل البلاد يقع تحت دائرة التحيز والتفاضلية فاللاديني ليس مواطن كامل الحقوق ولا يحظى بمواطنة كاملة. زيادة على ذالك اللاديني مطالب بأن لا يجاهر بالإفطار في رمضان وإلا فهو مهدد بالسجن 6 أشهر تحت أحكام الفصل 226 من المجلة الجزائية “التجاهر بفحش” وهو ما يسميه شراح القانون أيضًا “التجاهر بما ينافي الحياء”. كما أنه مقصى من الخوض في الشأن العام وحتى الشأن الديني فكأن اللاديني وبتخليه عن دين الغالبية قد انسلخ من هويته المواطنية والثقافية وسحبت منه الجنسية.

على الصعيد الإعلامي هناك تشويه متواصل من الإعلام الخاص والعمومي ضد اللادينيين كما تشهد وسائل التوصل الاجتماعي تحريضا دائما وتهديدات جدية موجهة ضد اللادينيين وهو ما يفرض عليهم أحيانا استخدام حسابات وهمية أو إخفاء توجهاتهم، فاللاديني في تونس غير محمي وإن تعرض للعنف لن تحميه السلطات إذ أنّ الأمن يرفض حماية اللادينيين من عنف العائلة والشارع ويتركهم في مواجهة مصيرهم فإما الهروب أو الاختباء والعيش تحت الترهيب والرعب.

تؤكد السلطات التونسية على الصبغة المدنية للدولة لكن الواقع يثبت العكس إذ أنّها  ما تزال تنصب محاكم التفتيش وتسجن اللادينيين تحت حجة “التجاهر بفحش أو التحريض على الكراهية” بل والأخطر من ذلك السلطات التونسية خضعت في عديد المرات للضغوط الخارجية لإطلاق سراح نشطاء لادينيين تهمتهم حرية التعبير، فالقضاء يصدر أحكام بالسجن النافذ لإرضاء الغالبية والسلطات تسمح لهم بالهروب قصد إرضاء الغرب وهذا ما يؤكد فرضية أن اللاديني التونسي لا يحظى بصفة المواطنة بل هو رهين التجاذبات السياسية وهذا يفرض وجوب تعديل القوانين الرجعية التي تستغلها السلطة لإدانة اللادينيين وتقويض حرية التعبير كما يفرض إلزامية تعديل الخطاب الرسمي للدولة والتخلي عن استخدام الوازع الديني لإرضاء الغالبية وتحييد الإعلام وفرض قوانين زجرية ضد كل من يقوم بالتحريض ضد اللادينيين ويعرض حياتهم للخطر. فليس من المقبول أن يقضي اللاديني حياته متخفيا وهارباً من السجون يسكنه الرعب خوفا من التعرض للسحل وحتى القتل في الشوارع (وقد شهدنا هذا في دول مجاورة) بسبب قناعاته. وتتجاوز هذه الممارسات الإقصائية الأفراد لتشمل  الجمعيات، إذ منعت السلطات جمعية ”إنارة“ من تنظيم تظاهرات ثقافية وفكرية قبل جائحة كورونا دون تبرير ثم ومع الجائحة سمحت الدولة لعديد الأحزاب والمنظمات بتنظيم تظاهرات جماهيرية في المقابل أصرّت على منع أنشطة هذه الجمعية بدعوى الظرف الصحّي.

وفي انتظار يوم يعيش فيه جميع التونسيين كمواطنين، بمختلف انتماءاتهم العقائدية والفكرية، في كنف الاحترام المتبادل، وتشرع فيه السلطات التشريعية بتغيير القوانين البالية التي تعود إلى عقود مضت والتي تتعارض مع أحكام الدستور، لا بدّ من نهضة فكرية تقودها نخبة البلاد وإعلامها بهدف إحداث تغيير في العقليات المتحجرة التي لا تزال ترفض الاعتراف بحقوق الآخر المختلف عن الغالبية.

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد العاشر، ديسمبر 2021، ص. ص. 10-11.

للاطلاع على كامل العدد:  https://tiny.cc/hourouf10

 

Please follow and like us:

اترك رد