احتجاج مارس 1968 الطلّابي في مواجهة النظام البورقيبي

المصدر: leaders.com.tn

بقلم: منصف سلطاني

لم تكن أحداث 1968 الطلّابية في تونس معزولة عن بقية الأحداث التي شهدتها العديد من بلدان العالم وخاصة بلدان القارة الأوربية، ولعل أبرزها الأحداث الطلابية لماي 1968 بفرنسا وكذلك الأحداث بألمانيا حيث نادى الطلبة بالديمقراطية الداخلية ومراجعة مناهج التعليم. وقد دعا تواتر مثل هذه الأحداث عددا من الباحثين والملاحظين إلى اعتبار 1968 بمثابة سنة الانتفاضة العالمية للشباب.

كانت البلاد التونسية شهدت خلال فترة الستينات عدّة تحولات اجتماعية واقتصادية كبرى لعل من أهمّها تجربة التعاضد تحت إشراف الوزير أحمد بن صالح والتي لم تنجح في تحقيق أهدافها التنموية المرجوّة.

وعلى الصعيد السياسي، قام الرئيس الحبيب بورقيبة بحظر جميع الأحزاب السياسية المعارضة وذلك إثر المحاولة الانقلابية لسنة 1962 والّتي قادها عبد العزيز العكرمي والأزهر الشرايطي وغيرهم. وقد كان الحزب الشيوعي التونسي من أبرز التنظيمات الّتي شملها الحظر آنذاك ممّا دفع عددا من أعضائه إلى الدخول في العمل السرّي.

اتّجه الحكم في تونس في تلك الفترة نحو التفرّد والشخصنة، إذ كان للرئيس بورقيبة موقف مناهض من مسألة تكريس قيم الديمقراطية والحريات النقابية، التي يعتبرها غير ملائمة في هذا الوطن بسبب عدم النضج الفكري، حيث كان يرى أن الشعب التونسي غير مؤهل لممارسة الديمقراطية في ظل انتشار الجهل والتخلف.

سيطر الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي الدستوري) على كلّ مفاصل السلطة وأحكم قبضته على المنظّمات الوطنية مثل الاتّحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.

شهدت الجامعة التونسية في هذه الفترة عدة توترات تعود إلى احتداد الصراع بين طلبة الحزب الحاكم (الدستوريين) وطلبة المعارضة (من اليساريين أساسا وبعض التيّارات الأخرى) داخل الاتحاد العام لطلبة تونس الذي كان وقتها في تبعية للحزب الاشتراكي الدستوري وقد بقيت هياكل المنظمة الطلابية إلى بداية السبعينات خاضعة لسيطرة الطلبة الدستوريين دون منازع.

تحّرّك المئات من الطلبة في فيفري 1965 تنديدا بالتمييز بين طلبة الحزب الحاكم والطلبة الآخرين على مستوى الخدمات الجامعية كالمبيت والمنح. وفي ديسمبر 1966، تم إعلان الإضراب العام عن الدروس للمرة الأولى في تاريخ الجامعة التونسية من طرف بعض الطلبة المعارضين بمعزل عن الاتحاد العام لطلبة تونس.

عرفت الجامعة كذلك في تلك الفترة تحرّكات طلابية احتجاجا على العدوان الأمريكي ضدّ الفيتنام واستنكارا للعدوان الإسرائيلي على مصر سنة 1967.

في شهر مارس من سنة 1968، شهدت الجامعة التونسية عديد الاضطرابات التي كانت بمثابة مواجهات يومية بين الطلبة وقوات البوليس.  وقد ازدادت وتيرة الاحتجاجات داخل أغلب المؤسسات الجامعية لتصل لاحقا إلى المعاهد الثانوية. فقام الطلبة المنتمون إلى منظمة “آفاق” (برسبكتيف) المعارضة آنذاك بتعليق اللافتات المناهضة للنظام البورقيبي على جدران الأحياء الشعبية بتونس العاصمة.  وقد بلغت هذه الاضطرابات أوجهها حين وقع الإعلان عن الإضراب العام المفتوح عن الدروس بكل المؤسسات الجامعية والمعاهد الثانوية.

لم تبق السلطة السياسية مكتوفة الأيدي تجاه هذه الاحتجاجات، حيث بادرت بقمعها مباشرة عن طريق المليشيات التابعة للحزب الحاكم بالتعاون مع قوّات الأمن. كما قامت كل من وزارتي التربية والتعليم العالي بتقديم عطلة الربيع من 23 مارس إلى يوم 19 مارس حتى تخلو الكليات والمعاهد من الطلبة والتلاميذ وذلك بقصد إفشال تنظيم الاحتجاجات الطلابية.

اقتحمت قوات الأمن الجامعة التونسية واعتدت بالعنف على عدد كبير من الطلبة وتسبّبت في إصابة الكثير منهم بجروح خطيرة. وفي يوم 20 مارس انطلقت عمليات الإيقاف الّتي شملت خاصة مجموعة برسبكتيف إذ وقعت محاكمة حوالي 94 طالبا منهم و7 آخرين من الحزب الشيوعي المحظور أمام محكمة أمن الدولة. كما شملت هذه المحاكمات أيضا 27 طالبا بعثيا. تراوحت الأحكام السجنية بين عدة أشهر و16 عاما.

تعتبر هذه الانتفاضة حسب اعتقادنا مفصلية في طبيعة العلاقة بين الطلبة من جهة والنظام البورقيبي من جهة أخرى، حيث دخلت الحركة الطلابية في صدام مع السلطة السياسية، وهو ما أدّى إلى تكرار قمع الاحتجاجات خاصة في فيفري 1972. وقد مثّلت هذه التحرّكات أوّل بادرة في شقّ عصا الطاعة داخل المنظّمات الوطنية الّتي كانت تدور في ذلك الحين في فلك الحزب الاشتراكي الدستوري، وهو ما سيتكّرر بعد عشر سنوات بشكل أكثر حدّة ودموية مع الاتحاد العام التونسي للشغل في أحداث جانفي 1978.

أهمّ المراجع

  • بوقرة (عبد الجليل)، النظام البورقيبي: الصعود والانحدار، دار آفاق للنشر، تونس، 2011
  • بوقرة، (عبد الجليل)، فصول من تاريخ اليسار التونسي، دار آفاق للنشر، تونس، 2011

 

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد السابع، سبتمبر 2021، ص. 9

للاطلاع على كامل العدد: http://tiny.cc/hourouf7

 

 

Please follow and like us:

اترك رد