القطيعة في الاستمرارية أو كيف نتطوّر من الداخل: الحداثة في فكر هشام جعيّط

 

المصدر: alaraby.co.uk


بقلم: فهمي رمضاني

في حوار لهُ مع المُفّكر اللبناني رضوان السيّد، يقُول المُستشرق الألماني فان أس: ”ما أكثر المُفكّرين عندكم أنتم العرب… وما أقل المُؤرّخين“. وحاججه رضوان السيّد بذكر جعيّط وخاصة كتابه ”أوروبا والغرب“ الذي اعتبره تاريخا وفكرا واستشرافا. إنّ هذا القول يحيل إلى فرادة هشام جعيّط فهو لا يُؤرّخ فقط وإنّما يُفكّر ويُؤرّخ في نفس الوقت.

فالرّجل الذي غادرنا إلى عالم آخر يوم الثلاثاء 6 جوان 2021 كان صوتًا مُجدّدا مسكُونًا بهواجس التاريخ وهُمُوم الثقافة وإشكاليات العصر، فمعرفته المُعمّقة بالتاريخ وخاصة بفترة الإسلام المُبكّر – تلك اللحظة التأسيسية التي طبعت بعمق مصير العرب والتي استحوذت كذلك على معظم اهتماماته وانشغالاته – لم تمنعه من الانخراط في الجدل الثقافي والحضاري الذي كان يُمزّق الوعي العربي منذ نهاية الاستعمار واستقلال الدول العربية وتكوّن ما يُعرف بالدّولة الوطنية.

لذلك فإننا لا نجانب الحقيقة في الإقرار أولاً بأن لهشام جعيّط مشرُوعا فكريّا مُتكامل المعالم يرُوم فهم المصير العربي وإشكالية التُراث والحداثة وسُبل تجاوز الانحطاط والتخلّف، ثم ثانيًا بالنزعة التجديدية والإحيائية التي تُميّز مشرُوعه: فهو يبحث عن طريق جديد يعُود من خلاله العرب إلى التاريخ ويُسهم بالتالي في تفعيل دورهم الحضاري في المسيرة الإنسانية والخُروج من واقع الأزمة للإجابة في النهاية عن سؤال قديم جديد “ماذا تخلّف المسلمون وتقدّم غيرهم؟”. ويكشف هذا السؤال في الحقيقة عن علاقة العرب بالحداثة وهي إشكالية مركزية تناولها هشام جعيّط في العديد من مؤلفاته وخاصة في كتاب “أزمة الثقافة الإسلامية ” إذ اعتبر سؤال التراث والحداثة سؤالا مصيريا -أو هو مسألة بقاء في “الوُجود التاريخي”- يعكس صراعنا مع ذواتنا وماضينا وهُويّتنا من ناحية وعلاقتنا المُلتبسة والمُتوترة مع الخارج والآخر من ناحية أخرى.

وهو ما سنحاول توضيحه في هذا المقال، مُحاولين فهم نظرة هشام جعيّط إلى الحداثة وتمثّله لهذه اللحظة التاريخية الفارقة في مرحلة أولى ثم التطرق لمميزات منهجه الذي اعتمده لمُحاولة إدخال العرب إلى الحداثة وتجاوز الإشكاليات التي أحدثت شرخ عميق في الذهنية العربية في مرحلة ثانية.

 ماهي الحداثة؟

كثيرا ما تمّ تمثّل الحداثة باعتبارها قطيعة ابستمولوجية وتحوّل جذري كان مركزه الغرب أو مرور من عصر سيطرة الدين إلى عصر العلوم والتقنية والآلة، دُون الانتباه إلى الديناميكيات التي كانت مُتجذّرة في بُنى الماضي وشرايين الثقافة التقليدية.  بيد أن هشام جعيّط كان يرى أن الحداثة هي قطيعة وتواصل في نفس الوقت: إذ أعاد تركيب المسار التاريخي للحداثة وصياغة تصوّر جديد يولي أهمية للديناميكية الداخلية وللأبعاد الجوهرية والروحية التي تُكوّن الذات التاريخية. فالحداثة بهذا المعنى لا تعني فقط قطيعة مع الماضي بل هي كذلك تواصل وتفاعل مع قيمه وبناه المختلفة. لذلك يؤكد جعيّط على ضرورة فهم مسارات التاريخ فهما عميقا يمكننا من استجلاء قوانينه وحركته والاهتمام كذلك بالخلفيات الفكرية والدينية والثقافية والأنتربولوجية الكامنة خلف ركام الأحداث فليس المهم بالنسبة إليه الحدث بل ما وراء هذا الحدث، لذلك نراه يحفر أركيولوجيا في كل الظواهر التي استحوذت على اهتمامه من خلال التعويل على المناهج الحديثة ومعرفته الجيّدة بالفلسفة والعلوم الاجتماعية. 

يتميز جعيّط كذلك بإلمامه الكبير بتاريخ الحضارات وبمعرفته الواسعة بخصوصياتها الحضارية وتحولاتها الكبرى وخاصة باستناده للتاريخ المقارن الذي يخول له إقامة المقارنات بين المجالات الحضارية المختلفة، لذلك فإنه تمثّل الحداثة كمرحلة من مراحل تطوّر الإنسانية ضمن مسار التاريخ العالمي: فقد اعتبر أنّها ليست فقط مرتبطة ببروز الغرب الحديث الذي شهد تحوّلات فارقة على المُستويات الفكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وإنّما هي تحوّل عميق في تطوّر الإنسانية وقفزة ضخمة لا تماثلها إلا القفزة النيولوتية.

بهذا المعنى يُؤكد جعيّط على أن الحداثة خُطوة مُهمّة في إطار التحولات الحضارية الكبرى التي عرفتها الإنسانية مع الإشارة كذلك إلى أنها نتيجة التقاء عمليات التحديث التراكمية المتواصلة التي شهدتها الحضارات قاطبة منذ فجر التاريخ وبالتالي رفض أن تكون الحداثة مُنجزا غربيًا فقط. وهو ما نجده في ثنايا كتاب أزمة الثقافة الإسلامية حيث يقر بأن  “الحداثة ليست فرنسية أو إسلامية أو صينية بل هي نتيجة التقاء حضارات عدة وليست بالضرورة قطعا جذريا مع الماضي بل هي سيرورة متواصلة ومنقطعة”

يؤمن كذلك جعيّط بأن للحداثة جانبين: الجانب المادي أي الاقتصادي والتقني والتكنولوجي والجانب القيمي الذي يشمل الأفكار والثقافة والقيم. ولئن أقرّ بأهمية التكنولوجيا والتقنية التي أسهمت في بسط سيطرة الغرب على العالم فإنه يعتبر أن الحداثة انبنت على الفلسفة والعلم والمنهج التجريبي والفن والأدب لذلك فهي قيم قبل أن تكون عناصر مادية. ولا شك أن هذه القيم قد تشكلت وبرزت للوجود عبر مسار تاريخي شاق وطويل لم تُفلح بعض الشعوب في الوصول إليه مثل الشعوب العربية الإسلامية التي دخلت الحداثة خطأ مثلما يشير لذلك جعيّط.

طريق العرب نحو الحداثة أو كيف نتطور من الداخل؟

مثّلت إشكالية انحطاط العالم الإسلامي وتخلّفه من أهم القضايا التي اهتم بها جعيّط منذ بداية السبعينيات، حيث كان يدعو إلى ضرورة تجاوز حالة التأخر التاريخي وتحقيق التقدم والقيام بما يسميه “بالتحوّل الثقافي الكبير”. لكن كيف ذلك؟

يُؤمن جعيّط بالديناميكية الداخلية والقطيعة في الاستمرارية أي أن نستثمر التراث كي نتطور من الداخل فتحدث القطيعة بصفة سلسة عكس ما يؤمن به البعض من ضرورة القطع نهائيا مع الماضي والتراث والدخول مباشرة في الحداثة. ففي رأي جعيّط، نحن لسنا قادرين على استيراد الحداثة بل يجب أن تنبع منّا أي أن تكون الحداثة نتيجة ديناميكية داخلية، فالتطوّر في نظره لا يحدث إلا من الداخل دون أن يعني ذلك الانغلاق ورفض الانفتاح عن الخارج طبعا.

فاليابانيون مثلا على حدّ قول جعيّط أثناء ثورة الميجي استعملوا ما هو قديم وعتيق وطوّرُوه للتجديد الجذري، فقد اختاروا من التراث ما يخدم مصلحة الاصلاح كإحياء الشنتوية وربطها بعبادة الامبراطور وترويج ايديولوجيا الساموراي وتحويل نشاط الاقطاعيين إلى نشاط اقتصادي وصناعي. ثم جاءت فيما بعد مرحلة الانفتاح على الغرب، فاستلهم اليابان عديد التقنيات ليخدم نهضته الاقتصادية فتحول بذلك من بلد إقطاعي متخلف خلال القرن التاسع عشر إلى قوة صناعية استطاعت الانتصار على الروس سنة 1905 والقيام بدور مهم خلال الحربين العالميتين.

من هنا يظهر إيمان جعيّط بضرورة التجديد من الداخل أي انطلاقا من التراث وليس من خلال القطيعة معه فثورة الميجي في اليابان وجدت جذورها في أعماق المجتمع وفي صلب الثقافة التقليدية المستلهمة من فترة التوكوغاوا. يستشهد جعيّط كذلك بالثورة الفرنسية التي كانت حمّالة للمبادئ المسيحية بل إنها “منتمية إلى العالم التاريخي المسيحي” حتى وإن أعلنت عن حداثتها. فعلينا ألا ننسى أن أوروبا قد طوّرت نظرتها للدين والثقافة من خلال التراث الإغريقي الروماني الذي تمت العودة إليه في فترة الإحياء الأوروبي ليبعث في ثوب جديد. يقول جعيّط: “الهوية ليست تأصيل بقدر ماهي تجديد وليست انغماسا في التراث بقدر ماهي إعادة تأسيس التراث للإبداع والخلق والاكتشاف”.

أمّا بالنسبة للعالم الإسلامي، فقد أشار جعيّط إلى فشله في تحقيق نهضته وخروجه بالتالي من التاريخ، إذ لم تعد له مساهمة حضارية في بناء الحضارة العالمية. فقد استورد العرب الحداثة دون أن تنبع منهم كما اكتفوا فقط بالجانب المادي وأهملوا الجوانب القيمية والفكرية والثقافية للحداثة هذا بالإضافة الى كون علاقة الدولة بالمجتمع لم تتطور مثلما حصُل في الغرب إذ لا يزال الاستبداد السياسي وقمع الحريات متواصلا داخل الفضاءات العربية الإسلامية.

لا ريب أن للمفكر الرّاحل هشام جعيّط مشروعا فكريا وحضاريا حقيقيا يربط بين الماضي والحاضر، إذ تناول هذا الأخير أغلب قضايا الفكر العربي وإشكاليات العصر ومنها إشكالية علاقة العرب بالحداثة والتراث. فلئن عمل على الدعوة إلى ضرورة غرس الحداثة التي اعتبرها “المجرى الحتمي للتاريخ” من خلال ” التطور من الداخل ” فإن مشروعه قد جوبه بالصمت الأمر الذي ولّد عنده مرارة وخيبة أمل كبيرة جعلته في بعض الأحيان متشائما حيث اعتبر أنّ “الأمة الإسلامية ما هي إلا صحراء ثقافية ” وأن المساهمة الوحيدة للعرب في هذا العصر تكمن فقط “في إنتاج البشر”. ويبدو أن التاريخ اليوم قد أخذ منحى السرعة إذ تتدافع الأحداث تدافعا مجنونًا وبذلك لم يعد بالإمكان إهدار المواعيد التاريخية فإما أن نحلم بعودة الروح وبزوغ الوعي أو أن نصبح “أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام”.

نشر هذا المقال ضمن مجلة حروف حرّة، العدد الخامس، جويلية 2021، ص. ص. 7-9.

كامل العدد متوفّر على الرابط التالي:

https://tiny.cc/hourouf5

 

Please follow and like us:

اترك رد