”قيلولات الجدّ“… في كسر الصمت حول أكبر المحرّمات

مصدر الصورة: Ceresbookshop.com

بقلم: حمزة عمر

نتوهّم في تونس أنّنا حطّمنا جميع الحواجز بعد 2011 وأصبح الكلام في كلّ شيء متاحا. ونتبجّح أحيانا بكون حريّة التعبير هي المكسب الأساسي (أو الوحيد) للثورة بل ولعلّنا صرنا أحيانا نرى من الضروري وضع حدود لها.

لكنّ ذلك غير دقيق، في أحسن الأحوال. لئن كُسرت سطوة السياسي وأصبح الشأن العام مدار حديث الكافة، فلا يزال هناك من المحرّمات ما يمليه المجتمع بعاداته وتقاليده وثقافته، وهي ربّما أثقل وطأة. فالسلطة التي تسهر على هذه المحّرمات ليست مؤسسة بعينها، بل هي مبثوثة في كلّ فرد فينا.

يأتي كتاب منية بن جميع المعنون “قيلولات الجدّ” (العنوان الأصلي بالفرنسية: Les siestes du grand-père) الصادر عن دار سراس للنشر سنة 2021 في 102 صفحة ليهتك حجاب الصمت عن المحرّم الأكبر لدى كلّ الثقافات تقريبا، وهو زنا المحارم. لعلّ العبارة العربية أشدّ وصما، في مدلولها الأخلاقي الّذي لا يفرّق بين معتد ومعتدى عليه، من نظيراتها في لغات أخرى. ويضحي الجرم مضاعفا عندما يتعلّق الأمر بجدّ في عقده السابع يعتدي على حفيدته التي لم تكد تتجاوز عقدها الأوّل.

تضع الكاتبة، منذ التوطئة، إصبعها على موطن الداء: “الضحيّة مذنبة أو كاذبة لأنّ المعتدين، في أغلب الأحوال إن لم نقل كلّها، هم أشخاص فوق كلّ شبهة”. الجدّ شخص وقور وجيه مشهود له بالتقى والتديّن. لم يكن ليمرّ بذهن أحد أنّ بمقدوره أن يفعل مثل ذلك مع طفلة من نسله. “كان هو، الله على الأرض، وإنّه لشرف أن يحبّك الله”. وفّرت له مكانته تلك حصانة كاملة وألقت كلّ العبء على الضحيّة وحدها.

استبطان هذا الذنب هو ما جعل نادرة، بطلة النصّ، تنزع نحو النكران. ولعلّ أعمق ما في النصّ هو ذلك الوصف الّذي تقدّمه الكاتبة لهذه الآلية. ظنّت الطفلة أنّ ما وقع لها لا يعدو أن يكون من الهلوسات، إذ لا يُعقل أن يصدر فعل شائن كذلك عن شخصّ مُنزّه. كانت إثر كلّ اعتداء تستأنف حياتها وكأنّ شيئا لم يقع، وكأنّها تنفصل عن ذاتها. غير أنّها لم تلبث أن ناءت تحت حملها الثقيل. بدأت بالهروب من المنزل وبالإقبال على شتّى أنواع المسكّنات عساها تخمد كلّ ذكرى. حاولت الانتحار أكثر من مرّة. لعلّ التمظهر الأكثر حدّة لهذه المشاعر المقموعة كان في ذلك الانهيار المفاجئ الّذي أصابها وهي تقدّم عملا لها أثناء دراستها بفرنسا.

رغم كلّ هذه التعبيرات، لم يخطر ببال أحد من المحيطين بنادرة أن يغوص في الأسباب الّتي كانت وراء ذلك. كان ذلك التواطؤ الضمني هو ما زاد الضحيّة غرقا. شكّت نادرة في أنّ أمّها قد تكون علمت بما حصل، وأنّها قد واجهت الجدّ بذلك فكفّ عن ملاحقتها. ولكنّ وفاة الأمّ، دون أن تصرّح بشيء، زاد نادرة عذابا على عذابا. لعلّها فقط كان تتمنّى أن تكون أمّها فعلت ذلك حتّى تجد في مساندتها إيّاها شيئا من السلوى. لم يقتصر التواطؤ على أفراد العائلة. حتّى الأطبّاء والأخصائيون النفسيون، والمفروض فيهم أن يكونوا أقدر الناس على مواجهة مثل هذه الانحرافات، لم يفعلوا سوى أن زادوا الضحيّة تخديرا.

عرّت منية بن جميع بجرأة هذا المحظور، المنتشر أكثر ممّا قد يُتصوّر، ويبدو أنّ الصمت الذي يطوّقه يجد طريقه إلى الكسر شيئا فشيئا مثلما تكشف عنه الشهادات الصادرة ضمن حركة #أنا_زادة. بفرنسيتها الأنيقة، تكثّف الكاتبة تجربة موغلة في الشخصيّة لتهمس في آذان كلّ الضحايا أن قد ولّى زمن الصمت. على أنّه ربّما كان من الممكن أن يكون النصّ أمعن أثرا لو وقع الاشتغال أكثر على معالجته الأسلوبية. نجد فيه، خصوصا في فصوله الأولى، عناصر روائية بارزة منها ذلك التقديم الطريف لشخصياّت مثل الأب وبابا محمود وذلك السرد المفصّل لبعض ذكريات الطفولة. غير أنّ هذه العناصر لا تلبث أن تضمحلّ كلّما تقدّمنا نحو النهاية لنجد تركيزا أكبر على الدفاع عن القضيّة ذاتها بحجج علميّة، وبذكر مراجع موثّقة.  كما أنّه رغم أنّ كلّ النصّ يعبق بريح السيرة الذاتية، فإنّ الكاتبة تضع إشارات تجعل الأمر يلتبس على القارئ، إذ تنبّه منذ البداية إلى كون كلّ تشابه مع الأحداث أو الأماكن أو الأشخاص هو محض صدفة. وهي تروي كلّ القصّة على لسان نادرة، لكنّنا نجد في الفصل المعنون “لم ير أحد شيئا” انتقالا فجئيا إلى الحديث بضمير المتكلّم، قبل العودة إلى ضمير الغائب في الفصل الموالي. لو وقع الحسم بشكل واضح لصالح السيرة الذاتية، أخال أنّ الهوية الأدبية للنصّ ستكون أشدّ رسوخا ممّا يعزّز مقروئيته ويجعله كذلك أشدّ حضّا للضحايا على البوح بتجارب مماثلة. ربّما يكون هذا التقلّب بين الأجناس من رواسب تلك المقاومة اللاواعية لفعل البوح…

صدر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد الثاني، أفريل 2021، ص.11.

لتحميل كامل العدد:  http://tiny.cc/hourouf2

Please follow and like us:

اترك رد