قراءة في مذكرات خير الدين باشا: التقاء الذاتي بالموضوعي


بقلم: هشام الزعبي

تعد المذكرات صنفا خطيرا من المصادر التاريخية، فهي من جهة تقدم قراءة مباشرة للأحداث وغير بعيدة عنها وبذلك تنجو من التحريف الذي قد يلحقها بفعل التناقل المستمر لها. ومن جهة أخرى تقدم الرواية التاريخية وفق منظور ذاتي يفتقر عادة إلى التنسيب والنقد. لذلك يمكننا أن نقول أن المذكرات بالنسبة للشخصيات الفاعلة، التي لا تمتلك كامل تاريخها الشخصي بل تشترك فيه أحيانا مع شعوب بأسرها، تمثل التقاء الذاتي (القراءة الشخصية للأحداث والأوضاع) والموضوعي (التاريخ المشترك).

ولا تشذّ مذكرات خير الدين باشا (1821-1889) عن هذا التصور فهي تمثّل محطة التقاء بين ذلك التاريخ “الرسمي“ المتداول حول هذه الشخصية وقراءتها الذاتية والخاصة للأحداث والأوضاع. فكأننا بخير الدين من خلال مذكراته يريد أن يستبق ما قد يحصل نتيجة تداول خاطئ لمجريات الأمور أو يستبق مصادرة حقه في الكلام والدفاع عن مواقفه.

تقديم عام لمذكرات خير الدين

لم يكتب خير الدين مذكراته بنفسه بل أملاها على كاتبه الخاص باللغة الفرنسية، وبالمقارنة مع وثائق أخرى فلقد تأكد الأستاذ محمد صالح مزالي أن المذكرات كتبت بخط أدولف ياكوت (سويسري من نيوشاتال) الذي شغل خطة كاتب ومدرّس للأطفال لدى خير الدين من 1885 إلى حدود وفاة صاحب المذكرات في 1889.

 تمكن الأستاذ محمد صالح مزالي من الحصول على مذكرات خير الدين ورسائله من ابنه الطاهر خير الدين. وفيما بعد نشر قسما من رسائله (العربية) بالمجلة الزيتونية بين سنتي 1939 و1940. أما الوثائق والنصوص الفرنسية فقد نشرها بمعية جون بينيون تباعا في المجلة التونسية فيما بين 1934 و1940.

ورغم كل هذه المجهودات فلقد بقيت مذكرات خير الدين مجهولة من قبل الكثير من المهتمين بالتاريخ التونسي خاصة والعثماني عامة إلى حدود تحقيقها وتعريبها من طرف الأستاذ محمد العربي السنوسي، وأشرف المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة) على نشر هذا العمل سنة 2008.

خير الدين ورحلته من القوقاز إلى تونس

يفتتح خير الدين المذكرة الأولى التي حملت عنوان: “إلى أولادي: حياتي الخاصة والسياسية“ بالجملة التالية: “رغم يقيني بأني شركسي الأصل، فإنني لم أحتفظ بأي ذكرى دقيقة عن موطني ولا أهلي“.

وهنا تجب الإشارة إلى انتماء خير الدين بالتالي إلى منطقة “شركسيا“ في شمال القوقاز والتابعة حاليا للفدرالية الروسية بعد أن تم احتلالها بين نهاية القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر وكانت مستقلة بموجب اتفاقية فيينا في 1815.

والمرجح أن خير الدين وقع اختطافه في ظل الحروب المنجرة عن هذا الاحتلال إذ يقول: “لقد وقع اختطافي، إثر بعض الحروب أو عند بعض الهجرات، في سن مبكرة جدا، من عائلتي”.

وتعكس هذه الحادثة تمزق المماليك الذين يتم اختطافهم وبيعهم للبلاطات الشرقية بين الموطن الأصلي الذي أشار إليه خير الدين بصريح العبارة وبين البلاد التي يقضي فيها حياته ويقدم لها خدماته والتي يشير إليها خير الدين في مذكراته بـ“موطني بالتبني“.

بالنسبة للعائلة، فيبدو أن خير الدين عند سطوع نجمه أحس بوطأة هذا التمزق وأراد أن يبحث له عن أصول تخرجه منه فراح يبحث عن أفراد أسرته الأولى ولكن دون جدوى إذ يقول في مذكراته بكل مرارة متحدثا عن عائلته: “افتقدت أثرها إلى الأبد. وقد باءت الأبحاث التي قمت بها منذ ذلك الوقت في عديد المناسبات للعثور عليها دائما بالفشل“. غير أن بعض الإشارات تؤكد أن خير الدين نجح نسبيا في التعرف على بعض أصوله إذ أطلق على نفسه في وصيته (1886)“خير الدين بن حسن بن عبد الله“.

وبالعودة إلى التاريخ المتداول فإن تاريخ ميلاد خير الدين (أي 1821) يصبح محل شكوك حيث تؤكد الأرشيفات العثمانية بأنه من مواليد 1242 ه. الموافق لـ 1826 م. ويرجح مترجم المذكرات الأستاذ محمد العربي السنوسي بأنه ولد بين 1822 و1826.

وبعد اختطافه سيتحول المسار التاريخي لهذه الشخصية نهائيا ليصبح جزء من مسار أكبر وهو المسار العثماني والتونسي. ففي البداية وقع بيع خير الدين إلى أحد أشراف اسطنبول وهو تحسين باي الذي كان قاضيا عسكريا. وباعه هو بدوره إلى أحد وكلاء القصر البايلكي بتونس لينتقل هذا الشاب إلى قصر البايات الحسينيين بتونس.

خير الدين وتراجيديا الفساد والإفلاس بتونس

انتقل خير الدين إلى الخدمة لدى البايات في العسكر في فترة حكم أحمد باي (1837- 1855). وقضى في الحياة العسكرية فترة طويلة ارتقى فيها إلى أعلى الرتب العسكرية وذلك إلى حوالي 1854 عندما غادر الجيش وامتهن السياسة ليصطدم بقوة بالتيار الذي كان يديره طيلة فترة طويلة مصطفى خزنه دار ومحمود بن عياد.

لم يتردد خير الدين في مذكراته برميهما بالفساد والسرقة حيث يقول :“استغلا كما طاب لهما الإيالة المسكينة طيلة عشرين سنة“، لا سيّما أنّ أوّل مهمة سياسية له كانت الدفاع عن مصالح تونس ضدّ محمود بن عياد بعد فرار هذا الأخير إلى فرنسا

في المقابل، ظلّ  الخلاف بين خزنه دار وخير الدين قائما وذلك رغم الصلة العائلية التي تربط بينهما حيث كان خير الدين متزوجا من جنينة ابنة خزنه دار. فبعد ترؤسه للمجلس الأكبر الذي وقع إقراره بموجب دستور 1861 سرعان ما استقال منه سنة 1863معلّقا على ذلك قائلا :“لا أريد بوجودي في تسيير شؤون البلاد، المساهمة في التلاعب بمصير موطني بالتبني الذي يدفعونه دون رحمة إلى الإفلاس”.

في الأثناء سقطت البلاد في دوامة التداين مما دعا خير الدين إلى الرجوع للحياة السياسية بترؤسه للكومسيون المالي في 1869 ثم توليه الوزارة الكبرى سنة 1873 بعد مغادرة غريمه السياسي مصطفى خزنه دار.

ولكنه وجد نفسه من جديد أمام نفس التيار الذي كان هذه المرة بقيادة الباي نفسه وهو محمد الصادق باي (1859-1882) بمعية “نديمه“(كما أسماه خير الدين) وهو مصطفى بن اسماعيل.

ونلاحظ من خلال مذكراته أن خير الدين كان متخوفا من غياب المؤسسات الكفيلة بالإبقاء على الإصلاحات التي قام بها وارتباط السلطة السياسية بالأفراد حيث يقول: “الرخاء الذي نجحت في تحقيقه للبلاد كان نتيجة لمجهودات فردية، وكنت متخوفا من أن يحصل الانهيار، عندما لا أكون موجودا“.

كانت الغلبة في النهاية لحزب الباي ومصطفى بن اسماعيل بعد إجبار خير الدين على الاستقالة في 1877 و”انتهى الأمر بتسليم البلاد للفرنسيين“.

خير الدين من الوزارة الكبرى إلى الصدارة العظمى

لم يخف خير الدين في مذكراته تأثره الشديد بالنزعة العثمانية فترة توليه المسؤوليات السياسية بتونس حيث اعتبر أن مناعة البلاد في علاقاتها الخارجية مرتبطة بشكل عضوي بوضعها الجغراسياسي كإيالة عثمانية. كما نلمس لديه الإحساس بالانتماء إلى الكيان العثماني ككل وليس الإيالة التونسية فقط.

وأتيحت له فرصة المشاركة في تسيير دواليب الامبراطورية العثمانية منذ سنة 1878 بعد دعوته من طرف السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في ظرف كانت فيه الأستانة تعاني من مخلفات مؤتمر برلين.

ويظهر من خلال المذكرات أن خير الدين كان في البداية متهيبا مما قد يقلد به من مناصب إذ يقول: “كنت أشعر بالعجز بعدم التوفيق في الوظائف العمومية، في بلد جديد بالنسبة لي مثل تركيا.“

وحصل ما كان يخشاه خير الدين إذ كلّف في 4 ديسمبر 1878 بالصدارة العظمى وهي المنصب الأكثر أهمية في تركيا بعد منصب السلطان.

وحسب المذكرات فلقد برع خير الدين أثناء توليه هذا المنصب في المسائل الخارجية على وجه الخصوص إذ نجح في إبرام معاهدة بين الدولة العثمانية وروسيا إثر الحرب التي نشبت بينهما من أفريل 1877 إلى مارس 1878.

كما تعامل مع احتلال البوسنة والهرسك من طرف صربيا وكان رافضا لهجرة البوسنيين نحو تركيا معتبرا أنهم يمثلون ورقة ضغط بالنسبة للدولة التركية داخل أوروبا إذ يقول في هذا الصدد: “إن سمحت حرب أوروبية أو أي واقعة أخرى مستقبلا لتركيا بأن تكون في موقع المطالب، فإنها ستجد موقعا متقدما ثمينا بفضل هؤلاء السكان المخلصين“.  وعلاوة على ذلك فلقد سعى خير الدين بجهود حثيثة، مثلما تظهر مذكراته، لعزل الخديوي اسماعيل حاكم مصر معتبرا إياه مبذرا للأموال العمومية وذي نزعة استقلالية تجاه الامبراطورية.

ورغم كل هذه الجهود فإن المذكرات تخبرنا أن خير الدين وجد من المؤامرات والدسائس عند وزرائه أكثر مما وجده سابقا في تونس. حيث وقع اتهامه بالرغبة في تحقيق مآرب شخصية إذ نسبت إليه نية تكوين مملكة عربية لفائدته تضم مصر وطرابلس وتونس ولذلك وجب عليه خلع خديوي مصر ثم باي تونس.

 ويقول خير الدين معلقا عن نتائج ما روج حوله: “أعتقد أن هذه الافتراءات الخادعة والتافهة …هي التي أثارت الفزع والحفيظة في ذهن السلطان إزائي وإزاء أفكاري.“ كل هذا دفع بخير الدين إلى الاستقالة في أواخر جويلية 1879.

 وبقي مقيما باسطنبول إلى أن وافته المنية هناك سنة 1889. وجلب رفاته في عهد رئيس الجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة إلى تونس ليتم دفنه في مقبرة الزلاج في 1968.

 

في ختام القول، لا يسعنا سوى أن نؤكد أن مذكرات خير الدين باشا تمثل إضافة حقيقية في الدراسات التاريخية المتعلقة بالفترة الحديثة من تاريخ البلاد التونسية حيث مكنت من إزاحة اللثام على العديد من النقاط التي ظلت مجهولة من تاريخ هذه الشخصية وتموضعها الذاتي في التاريخ العام أو المشترك.

ورد هذا المقال ضمن مجلّة حروف حرّة، العدد الأوّل، صص. 8-9

 كامل العدد متاح للتحميل على الرابط التالي: 
https://tounesaf.org/wp-content/uploads/2021/03/Hourouf-Horra-01.pdf

 

Please follow and like us:

اترك رد