تكريس الحوكمة من خلال دسترة مبدأي الشّفافيّة والمشاركة

منذ التسعينات انتشر الوعي بضرورة تعميم الحوكمة و ربطها مباشرة بالديمقراطية. كان لا بد من خلق الية تمكن من تفعيل دور المواطن و الحد من اقصائه من الحياة السياسية لتكريس الديمقراطية

 الهدف من إرساء الحوكمة الديمقراطية أو التشاركية  هو إرجاع الشرعية و المصداقية التي افتقدها المنتخبون بتفعيل المشاركة و الحوار بين السلط والمواطنين. تقوم الحوكمة التشاركية على اشراك المواطنين في التخطيط الحكومي و في عملية صنع القرارفي حين يستجيب المنتخبون بكل شفافية عند المساءلة

مفهوم الحوكمة مازال في تطور مستمر و من أحدث المصطلحات مفهوم الحوكمة المفتوحة والتي إلى جانب تشريك المواطن تعتمد أكثر على الشفافية وتضيف لها تطبيقات أوسع و أشمل من قبل بفضل التطور التكنولوجي في ميدان الاتصالات. تقوم الحوكمة الالكترونية المفتوحة على الشفافية في البيانات العامة حتى يتسنى لجميع المواطنين الاطلاع عليها و التفاعل معها

مهما كانت تسميات الحوكمة إلا أن هذه الأخيرة تقوم على مبدأين أساسيين متلازمين: مبدأ الشفافية و مبدأ المشاركة.

يعرّف المعهد الديمقراطي للشؤون الدولية بلبنان الشفافية كما يلي: “الشفافية هي عكس الخصوصية في الحياة السياسية و المدنية. و يتسم أي نشاط بالشفافية حين يتاح للجميع الاطلاع بحرية على كل المعلومات المتصلة به .” كما يشدد نفس التعريف على ضرورة تمكين المواطنين من الاطلاع على كل مراحل اتخاذ القرار من قبل السلط و المسؤولين الرسميين بهدف إصلاح الحكم”[1].

أمّا بالنسبة لمفهوم المشاركة، فيعرّفها نفس المعهد بأنّها : “انخراط الأشخاص في الأنشطة التي تنظمها منظمات المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية، أو في العملية السياسية، و المشاركة هي حق للمواطن و مسؤولية عليه في الأنظمة الديمقراطية.”[2]

لكي تتجسد الحوكمة في  مبدأي المشاركة و الشفافية يجب أن تتوفر الارادة السياسية و الاجتماعية و ذلك بإدراج مبدأي الشفافية و المشاركة في الدستور خير ضمان لتكريس الحوكمة و استمراريتها. كما أنّ تكريس الحوكمة في الدستور هو الضامن  الوحيد لإلزاميّتها على السّلطة السّياسيّة. فالدّستور كما يعرّفه الأستاذ رضا بن حمّاد هو: “ماديا المصدر الأساسي للقواعد القانونية المنظمة للسلطة السياسية في الدولة. و شكليا تمتاز هذه القواعد بالحصانة و العلوية على بقية القواعد القانونية العادية.[3]

تكريس مبدأ الشفافية

تكريس مبدأ الشّفافية بصفة شاملة و مثالية تكون عبر تكريس التوازن بين النظرة التقليدية و النظرة الحديثة للشفافية. فالمفهوم التّقليدي للشفافية يوجب إقرار جملة من الواجبات التي تقع على مختلف الفاعلين في الحوكمة. و النظرة الحديثة هي التي تكرس حق الولوج إلى المعلومة.

–         و اجب الشفافية المحمول على عاتق الجمعيات و الأحزاب

تمّ تكريس هذا الواجب في القانون التونسي و ذلك مؤخرا في المرسومين عدد 87 و عدد 88 بتاريخ 24 سبتمبر 2011 إذ ينطبق هذا الواجب في النّظام الأساسي و في تسيير و نشاط و تمويل الأحزاب و الجمعيات.

و قد تقدّمت عديد مشاريع للدستور التونسي للقوائم المترشحة لٱنتخابات 23 أكتوبر 2011 أو غيرها. ويمكن إدراج واجب الشفافية في الفصول المتعلقة بحرية تأسيس الأحزاب و الجمعيات.

–         واجب الشفافية المحمول على عاتق الأشخاص في المناصب العليا الانتخابية و غير الانتخابية:

أشمل تنصيص فيما يخصّ هذا الإلتزام هو ما أتى به الفصل 5 من مشروع الدستور الذي أعدّه العميد الصّادق بلعيد حيث ينصّ ما يلي :” الشفافية هي واجب أساسي في جميع المناصب العمومية الانتخابية و غير الانتخابية، و يحدد قانون أساسي واجبات الشفافية و أساليب ادائها و عقوبات مخالفتها لكل فئة من فئات المناصب العمومية، و كذلك الضمانات الإجرائية التي سيقع العمل بها في هذا الاطار.

يمضي رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء و أعضاء الحكومة و أعضاء مجلس النواب و كبار موظفي الدولة و الموصفون المعيّنون بأمر رئاسي، عند ٱستلامهم مهامهم بيان شرف يفيد ثبات ممتلكاتهم، بكل مكوناته هم و أزواجهم و أولادهم. و عند ٱنتهاء مهامهم، يقوم خبير محلّف بتحرير ضبط رسمي للممتلكات المذكورة و يرفعه فورا إلى دائرة المحاسبات”.

أما بالنسبة للمفهوم الحديث لمبدأ الشفافية فهو كرس حقا لجميع المواطنين و مكونات المجتمع المدني لإضفاء أكثر عمق و واقعية للواجبات المنجرة عن المفهوم التقليدي لمبدأ الشفافية. و يتمثل هذا الحق في الولوج إلى المعلومة و بالتحديد إلى الوثائق الادارية.

–         حق الولوج إلى المعلومة:

أهم ما يجب ذكره في خصوص حق الولوج إلى المعلومة أنه تم مؤخرا تكريس حق النفاذ إلى الوثائق الادارية في القانون التونسي بمقتضى المرسوم عدد 41 الصادر في 26 ماي 2011 يتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الادارية للهياكل العمومية. و يتمثل في حق كل شخص طبيعي أو معنوي في النفاذ إلى الوثائق الادارية (التي تنشرها الهياكل العمومية او تتحصل عليها في إطار مباشرتها للمرفق العام وذلك مهما كان تاريخ هذه الوثائق وشكلها ووعاؤها(،  الصادرة عن الهياكل العمومية أي مصالح الإدارة المركزية والجهوية للدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية بإفشائها بمبادرة من الهيكل العمومي أو عند الطلب من الشخص المعني مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها بهذا المرسوم.

و لئن وضع المرسوم عدد 41 لسنة 2011 آليات لضمان احترام الإدارة و الموظفين العموميين وتطبيقهم لمقتضيات حق النفاذ إلى الوثائق الإدارية إلا أنه لم يضع آليّة لفتح البيانات التي تتمثل في وضع اطار قانوني لإعادة استعمال و نشر و توزيع البيانات التي تم الحصول عليها.

تعتبر البيانات المفتوحة من المقومات الأساسية لحق الولوج إلى الوثائق الإدارية. و للحصول على صياغة شاملة و مثالية يمكن الجمع بين ما نصّ عليه الفصل 93 من مشروع قائمة دستورنا و الفصل 28 من مشروع هيئة الخبراء برئاسة العميد عياض بن عاشور ويمكن أن يكون الفصل الذي يكرّس حق النّفاذ إلى المعلومة كما يلي :”يتمتّع كل مواطن و مواطنة بالحق في الوصول إلى المعلومات و المعطيات و نشرها و لا يحدّ القانون من هذا الحق إلاّ لحماية المعلومات السّرّيّة المنضوية تحت سرّ الدّفاع الوطني أو أمن الدولة أو حرّيّة الغير.”

كما أنّه من الضروريّ إنشاء هيئة مستقلة تسهر على تطبيق و ٱحترام الشفافية في مختلف مظاهرها.

مبدأ المشاركة

من مقومات المواطنة المشاركة في الحياة السياسية و العامة للدولة. أي أن يكون طرفا فاعلا وليس مفعولا به. و لمبدأ المشاركة أيضا مفهوم تقليدي و مفهوم حديث، و لإضفاء أكثر فاعلية للتكريس الدستوري للحوكمة لا بد من تكريس متوازن للمفهومين.

يكرس المفهوم التقليدي لمبدأ المشاركة بعدا محدودا يقتصر على المشاركة الجماعية لمكونات المجتمع المدني كالجمعيات و الأحزاب السياسية.

–         مشاركة الجمعيات و الأحزاب السياسية

يكرس المفهوم التقليدي لمبدأ المشاركة بعدا محدودا يقتصر على المشاركة الجماعية لمكونات المجتمع المدني كالجمعيات و الأحزاب السياسية . يمكن تعريف المجتمع المدني بانه الاطار الذي يحتوي كل أنواع الأنشطة التطوعية التي تنظمها الجماعة حول مصالح وقيم وأهداف مشتركة تعود بالنفع على المجتمع.

بالنسبة للجمعيات، أولاها القانون التونسي أهمية كبرى لتأطير النشاط الاجتماعي إذ يمنحها المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر  2011  حقوقا واسعة  في الفصل 5 : الحصول على المعلومات، تقييم دور مؤسسات الدولة و تقديم مقترحات لتحسين ادائها، إقامة الاجتماعات و التظاهرات و المؤتمرات و ورشات العمل و جميع الأنشطة المدنية الاخرى.

و فيما يخص النشاط السياسي فالأحزاب السياسية هي التي يكلفها القانون بتأطير النشاط السياسي للمواطنين و المشاركة في الانتخابات.

و يمكن تخصيص فصل في الدستور ينص على حرية تأسيس الجمعيات  و الأحزاب السياسية و بيان حقوقها و واجباتها.

غير أنه لا يجب إقصاء المواطن المفرد من النشاط السياسي أو الاجتماعي.

–         مشاركة المواطن بمفرده

اهتم مشروع الدستور الذي قدمه العميد الصادق بلعيد بتكريس مبدأ المشاركة بطريقة واضحة و متكاملة و ذلك عبر الفصل 3 الذي ينص على ما يلي : “تضمن الجمهورية التونسية حق كل مكونات الجتمع المدني، فردية كانت أو جماعية، في المساهمة في ممارسة الديمقراطية التشاركية على كافة المستويات، و المشاركة في حوار مفتوح، شفاف و متواصل مع السلطات العمومية، و الدفاع خصوصا عن الحقوق و المصالح المشروعة للافراد و الجماعات و الجمعيات التي تكونها، أمام الجهات صاحبة القرار في المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و المساهمة في تعزيز اواصر التضامن الاجتماعي بن كافة مكونات الشعب”

كما أن نفس المشروع يتجه نحو الحد من تهميش دور المواطن إذ ينص الفصل 4 على مفهوم المواطنة :” هي مجموع الحقوق و الحريات المدنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي يقرها الدستور لكل أفراد المجتمع الوطني إلى جانب الالتزامات و الواجبات التي يلقيها على كاهل كل منهم. وهي أساس الديمقراطية و تعبئة المواطنين لإحياء الديمقراطية التشاركية على كافة المستويات وهي تلقي على كاهل المواطنين واجب المشاركة  في الإقتراع والإستفتاءات في كل المستويات و المشاركة في الحياة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية للمجتمع المدني و تحمل ما يقتضيه ذلك من مسؤوليات و اعباء عمومية. و هي أساس واجبات الإنفتاح على الطبقات المحرومة و المرضى والمعاقين و التضامن معهم”.

لإدراج هذا النوع من التنصيص أهمية كبرى نظرا للظروف التي تمر بها البلاد التونسية فلا بد من التوضيح و توعية المواطن و جعله طرفا فاعلا و يكون ذلك أكبر دليل على القطع مع عهد الدكتاتورية الذي همش دور المواطن.

 


[1]المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية، مصطلحات المشاركة المدنية :  دليل المصطلحات و العبارات الشائعة، 2009، ص. 55.

[2] نفسه، ص. 41.

[3] محمّد رضا بن حمّاد، المبادئ الأساسيّة للقانون الدّستوري و الأنظمة السّياسيّة، مركز النّشر الجامعي، تونس، 2006، ص ص. 168ـ169.

Please follow and like us:
4 تعليقات
    • عزّة الشاوش بوراوي

اترك رد