إيران والقاعدة… ما وراء الخلفيّة الإيديولوجية

 


بقلم: أنيس عكروتي
يوم الثاني عشر من شهر جانفي الفارط لم يكن يوما عاديّا في سجّل العلاقات الأمريكيّة الإيرانيّة، إذ وصف وزير الخارجيّة الأمريكي مايك بومبيو إيران بأنّها بمثابة “أفغانستان جديدة“ بالنسبة لتنظيم القاعدة.

لا يعتبر هذا التصريح مهمّا لكونه يتطرّق لطبيعة العلاقات بين إيران وتنظيم القاعدة فحسب بل لأنّه يأتي إثر إماطة اللثام عن كنز معلومات نوعيّ. فمن مخبأ أسامة بن لادن في آبوت آباد تكشف الوثائق والوسائط التكنولوجية عن رسائل تساعد في تحديد شكل العلاقات بين الطرفين.

تتباين الآراء في شأن هذه العلاقة بين القائل بتحالف استراتيجي بين دولة ولاية الفقيه وأهمّ تنظيم جهاديّ قبل بروز تنظيم الدولة الإسلامية، تحالف يستهدف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلفاءها في منطقة الخليج أساسا، وبين قائل ببطلان هذه الاتّهامات وإظهارها في شكل تآمري شبيه بملف أسلحة الدمار الشامل العراقية..

بين الرأيين هناك مجال آخر للتفكير والتحليل والحديث يطول في هذا الموضوع نظرا لعراقة هذه العلاقة أوّلا وطبيعتها المعقّدة ثانيا، هذا إضافة إلى المناورات السياسية بين الطرفين لتحسين شروط التفاوض خاصّة في أهم ملفّ عالق وهو البرنامج النووي الإيراني.

ما يميّز هذه العلاقة يمكن تلخيصه في رسالة وجهّها الإيرانيّون للقاعدة وأخرجها مسؤول كبير في التنظيم للعلن في شهر ماي من سنة 2010، ممّا ورد فيها: “لا مانع عندنا أن يأتي إخوة منكم (عرب أو غيرهم) ليعملوا في التنسيق وجمع الأموال وغيرها، من خلال إيران، ولكن عليهم ألا يأتوا بطرق رسمية، بل يأتون بالتهريب، ولا يأتون كذلك بالإخوة من الخارج عبر الطرق الرسميّة وخاصة المطارات، بل يأتون بهم بطرق التهريب (من تركيا أو غيرها).

ولا تتعاملوا مع أي إيرانيّ (يعني لا تشغّلوا إيرانيّين في عملكم ولا تتعاملوا مع إيرانيّين في الشغل).”

من الجانب الآخر، سبق لبن لادن نفسه أن ذكر سنة 2007 أنّ “إيران هي الشريان الرئيسي للأموال والأفراد والاتصالات.“ صحيح أنّ القاعدة تتعامل بحذر مع الجانب الإيراني ولكن ليست لها خيارات كثيرة نظرا لإقامة عدد من قيادات وعناصر التنظيم لإيران، وهنا نتحدّث عن أسماء وازنة لعلّ أبرزها أبو محمّد المصري، الرجل الثاني بالقاعدة والذي قُتِل في قلب طهران يوم 7 أوت الماضي تزامنا مع ذكرى الاعتداءين الذين استهدفا سفارتين أمريكا في نيروبي ودار السلام سنة 1998.

اتّهمت واشنطن المصري آنذاك بتنسيق الهجمات التي أودت بحياة 224 شخصا وخلّفت 400 إصابة على الأقل. وقد كان يقيم بإيران مع عائلته، فالقاعدة كانت تبحث عن ملاذ آمن إثر اجتياح القوات الأمريكية لأفغانستان سنة 2001. قبل هذا الحدث لم تكن العلاقات متوترة بين الجانبين بل كان هناك حديث عن تنسيق حدث بينهما في السودان أيّام كانت ملجأً للإسلاميّين من مشارب عدّة.

كان المصري وغيره من القيادات مثل سيف العدل، المرشح الأبرز لخلافة الظواهري على رأس التنظيم، يُعتبرون ورقات ضغط سياسية تلوّح بها إيران سرّا في مواجهة العقوبات الاقتصاديّة الغربيٍة. إضافة إلى ذلك، تمّ استثمار هذا الوجود القاعدي سنة 2015 عندما تمّ الإفراج عن دبلوماسي إيراني اختطفته عناصر جبهة النصرة الموالية للقاعدة آنذاك مقابل منح إيران قيادات القاعدة هامشا أوسع من التحرّك.

لعّل أكثر ما يثير استغراب البعض في طبيعة هذه العلاقة هو الحاجز العقائدي الإيديولوجي فما الذي يمكن أن يجمع بين إيران كمركز ثقل الإسلام السياسي الشيعي والداعمة بقوة لتنظيمات سياسية مسلّحة تصادمت كثيرا مع تنظيمات ولدت من رحم القاعدة بالتنظيم الذي ظلّ لسنوات عديدة الممثّل الأبرز للتيّار الجهادي في نسخته السنّية؟

يبدو أنّه ليست لإيران احترازات جوهريّة على جزء أو شقّ من القاعدة بعينه ممثّلا في المصرّي وهنا نعني أساسا مجموعة الظواهري وسيف العدل وغيرهما وهي المجموعة التي تتصدّر هرم مركزية القاعدة. ممّن يعتبرون الأبناء الشرعيّين لسيّد قطب وأبرز مؤسسي التيّار القطبي أو الجهادي الذي لم يتبنّ المنهج السلفي العقائدي الكلاسيكي بل وكان في صدام وتناقض فكريين معه حتّى أنّ قطب هُوجم ويُهاجَم من أئمة التيّار السلفي النجدي لجرأته في نقد صحابة وأنبياء. تشترك هذه المجموعة مع النسخة الشيعية في الجانب الثائر للإسلام فقطب وبعده تلاميذه لم يعيروا الاختلاف المذهبي أيّ اهتمام يُذكر1.

تربط القاعدة بإيران علاقة التقاء مصالح فالتنظيم يبحث لملجأ آمن لقيادته وإيران تهدّد باستغلال الورقة ضدّ خصومها وهو ما جعل الإدارة الأمريكية تبدي تخوّفها من توظيف القاعدة للتكنولوجيا الإيرانيّة خاصّة على مستوى الجانب الاتصالي.  لا يمنع ذلك إيران من التشدّد تجاه القاعدة كلّما اقتضت الظروف ذلك، فإقامة قيادات القاعدة بطهران مقيّدة كثيرة وأشبه بالإقامة الجبريّة. وتفاعلا مع الضغوط الأمريكية في 2002 و2003، شنّت طهران حملة اعتقالاتواسعة في صفوف عناصر التنظيم الجهادي وراجت أخبار حتّى عن تعذيب وانتهاكات جسدية بحقهم.

في ظلّ الاتّفاق النوويّ المرتقب بين إدارة بايدن ونظيرتها في طهران، من الوارد جدّا أن الذهاب في اتّجاه تسليم قيادات القاعدة المقيمة بإيران مقابل رفع العقوبات الاقتصاديّة والذهاب نحو صفحة جديدة من العلاقات بين الدولتين ودول الخليج أيضا. هذا الأمر وحده يمكن أن يدفع بالقاعدة لشنّ هجمات مسلّحة تستهدف المصالح الإيرانيّة ممّا قد يفتح صفحة أخرى من العلاقات المتشابكة بين الجانبين.

ورد هذا المقال ضمن مجلّة حروف حرّة، العدد الأوّل، صص. 4-5

 كامل العدد متاح للتحميل على الرابط التالي: 
https://tounesaf.org/wp-content/uploads/2021/03/Hourouf-Horra-01.pdf

الهوامش

1 يروي الصحفي يسرى فوده طرفة تبرز اختلاف الروافد داخل القاعدة أثناء محاورته لخالد الشيخ محمد ورمزي بن الشيبة في بينهما بباكستان. فعندما همّ فوده بتدخين سيجارة عارضه بن الشيبة اليمني القادم من بيئة سلفيّة تقليديّة واسترسل في ذكر الأدلّة الشرعيّة عن تحريم التدخين، فقاطعه خالد الشيخ محمّد، وهو يمثّل الجانب السياسي للقاعدة، داعيا فوده لمواصلة التدخين

 

Please follow and like us:

اترك رد