هل بلغ شعبنا درجة من الوعي والنضج؟

بقلم: أمين الزقرني

“إنّ شعبنا بلغ من الوعي والنضـج مـا يسمـح لكـلّ أبنائـه وفئاتـه بالمشاركة البنّاءة في تصـريف شؤونه..” هكذا تحدث بن علي في خطابه النوفمبري سنة 1987 دون أن يسمح لأحد فيما بعد بالمشاركة في تصريف الشؤون، الا من دان له بالولاء.

يتحدى اليوم المعارضون لقانون الحريات الفردية والذي يتضمن التنصيص على المساواة في الميراث بين الجنسين اللجنة التي كتبت مقترح هذا القانون الى الدعوة الى استفتاء شعبي حتى ترى هذه اللجنة وكل من ساندها أن الشعب التونسي سيرفض مثل هذه القوانين التي لا تتوافق مع الآيات القرآنية الواضحة. ومن هنا كان السؤال: هل بلغ فعلا شعبنا درجة الوعي والنضج حتى يصرف شؤونه بنفسه أم أنه محكوم عليه أن يقاد إلى الجنة بالسلاسل؟

وأنا أقرأ هذه الدعوات الى الاستفتاء من هنا وهناك تراودني هذه الوضعية الساخرة:

لجنة الحريات: هل تريد شيئا من الحرية؟

الشعب التونسي: لا.

لجنة الحريات: أوكي. قليلا من المساواة إذن؟

الشعب التونسي: قلت ما نحبش!

لجنة الحريات: لا تريد حرية ولا مساواة؟؟؟ لكن الشعوب التي تقدمت كلها تأسست على هذه المبادئ!

الشعب التونسي: وشكون قال اللي أحنا نحبو نتقدمو كيما الشعوب هاذيكا. نحبو نتقدمو على طريقتنا.

لجنة الحريات: كيف ذلك؟؟

الشعب التونسي: شكون قالك اللي في اللامساواة بين الجنسين مافماش حكمة نجهلوها؟

لجنة الحريات: أوكي -_- ماذا تريد إضافة الى الحكمة التي تجهلها؟

الشعب التونسي: نحب أمن وغذاء.

لجنة الحريات: لكن هذا ليس دوري.

الشعب التونسي: نعرف فأنت أجندا خارجية.

وينتهي المشهد بغلق الملف وإبقاء الوضع على ما هو عليه.

Image result for ‫لجنة الحريات الفردية والمساواة‬‎

على الأرجح فإن الشعب التونسي هو غير جاهز لأن يقاد إلى الجنة بالسلاسل. يتم حشو الوعي الجماعي بفكرة أن الصالح هو في البقاء على ما توارثناه لأن من ورائه حكمة ربانية لا نقدر على تفسيرها.

هل الشعب التونسي يحتاج إلى أن يفرض عليه “الإصلاح”؟ وهل هي استراتيجية ناجحة على المدى البعيد؟

هناك من يستثمر في الجهل واللعب على المقدس وعلى تعلق مشاعر الناس بهذا المقدس. والنتيجة أن المجتمع التونسي كلما صعدت منه نخبة تدعو الى اصلاح مدني كلما تعرضت هذه النخبة الى وابل من الشتائم والرفض “الشعبي”، والذي تتزعمه طبعا الحركات والمؤسسات الدينية.

Image result for ‫لجنة الحريات الفردية والمساواة‬‎

على المدى المتوسط على الأقل فإن هذه الطريقة الفوقية في فرض القوانين المدنية لم تكن ناجعة. قد تكون ناجعة في فرض سلوك بعينه مثل منع تعدد الزوجات، لكن هل يعني هذا أن هذا السلوك ناتج عن اقتناع بحيث صارت عقلية احترام المرأة والمساواة معها هي الدارجة؟

نرى قلة النجاعة من خلال الانتكاسات المتتالية التي حصلت في تونس. حيث أعيد الترخيص لنشاط الأحزاب والجمعيات الدينية والتي قامت بتعبئة شعبية نجحت بها في الوصول الى الحكم. ولم تمنعها أخطاؤها ولا زلاتها في أن تعيد الكرة ثانية وثالثة وأن يعتمد عليها الشعب حتى لا يمر قانون الحريات والمساواة في مجلس النواب بالشكل الذي هو عليه، على أقل تقدير بشكل منقح.

قلة النجاعة تظهر أيضا في تصدير أكبر عدد من الإرهابيين الى داعش والى باقي دول العالم من تونس. فأصبحنا بعد كل حدث إرهابي ننتظر تقرير الشرطة المحلية عن وجود جواز سفر تونسي في مسرح العملية. هذا الشباب الذي يسهل اصطياده الى الفكر الجهادي وهذا “الشعب مسلم ولن يستسلم” هو أكبر دليل على فشل النظام التربوي على الأقل في تكوين أغلبية مدنية واعية. ولذلك لن تجد هذه القوانين التقدمية من يطبقها لا من الشعب ولا من السلطة التنفيذية أو جهازها التنفيذي الذين جميعهم هم نتاج التربية والتكوين الذي يتلقونه في البيت والمدرسة.

الوعي والنضج يبدأ من هناك. من التربية في البيت والمدرسة.

Pin It on Pinterest

Share This