قراءة في الخطاب الصوتي لأبي بكر البغدادي

بقلم: أنيس عكروتي

البغدادي قُتِلَ إثر غارة جوية روسية، البغدادي أسير لدى فرقة خاصة تابعة للاستخبارات الروسية، البغدادي أُصيب بجروح بليغة إثر غارة لسلاح الجو العراقي، البغدادي متواجد في منطقة حدودية بين سوريا والعراق…

كلّها تخمينات مشكوك في مصداقيتها، إذ أنّ اختفاء البغدادي لمدة طويلة نسبيا هو ما طرح عدة فرضيات عن مصيره. إذ أنّه وإثر ظهوره خلال إصدار مرئي بعنوان”ثم تكون خلافة على منهاج النبوة (4)”بتاريخ 4 جويلية 2014 وهو يؤم المصلين بالجامع الكبير “الحدباء “بالموصل العراقية خلال خطبة الجمعة، يعود آخر إصدار صوتي منسوب له (قبل إصدار اليوم بتاريخ 23 أوت 2018) إلى شهر سبتمبر 2017.

الخطاب الصوتي الجديد للبغدادي أصدرته مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي (من أقدم وأبرز المؤسسات الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية) تحت عنوان”وبشّر الصابرين “… الخطاب يعتبر طويلا نسبيا إذ بلغت مدّته 54 دقيقة.

قبل الخوض في شكل الخطاب ومضمونه، يشار إلى التنظيم خسر عدة معارك ميدانية وتراجع حضوره العسكري إلى البادية السورية (على مستوى السويداء بالجنوب السوري) إضافة إلى بعض الجيوب المتفرقة والمنعزلة في مناطق مختلفة من سوريا والعراق. هذا التراجع عوضّه التنظيم بنجاحات في بلدان أخرى مثل أفغانستان التي أصبحت مسرحا يوميا لعمليات”الدولة الإسلامية”ضد عناصر طالبان والقوات الأفغانية وحتى المدنيين من طائفة الهزارة الشيعية. تشهد أراضي اليمن كذلك تنافسا شديدا بين التنظيم من جهة وتنظيم القاعدة من جهة أخرى خصوصا على مستوى منطقة البيضاء. هذا إضافة إلى عمليات أخرى تبناها التنظيم في غرب القارة الإفريقية، شرق القارة الأسيوية وتحركات لذئابه المنفردة في أكثر من بلد أوروبي (آخرها عملية طعن بالسكين نُفّذت في منطقة”تراپ”بضواحي العاصمة الفرنسية باريس).

بالنسبة للحركات الجهادية والإسلامية عموما، من المهم أن يكون القائد الأول دائم الحضور قريبا من المناصرين والمقاتلين، لا سيما وهو”الخليفة”الذي بايعه الآلاف. أبوبكر البغدادي وحسب ما يرويه عنه أصدقاءه القدامى، فإنه شخصية غامضة تتسم بالهدوء وقلة الحديث. ربما هذا ما انعكس على حضوره الإعلامي النادر جدا. فمنذ انضمامه إلى تنظيم الدولة الإسلامية وقبلها تنظيمات الدولة الإسلامية في العراق والشام ودولة العراق الإسلامية وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، لم يظهر خلال إصدار مرئي إلا سنة 2014 أثناء تأديته لخطبة الجمعة بالمسجد الكبير بالموصل. إضافة إلى هذا المعطى الشخصي، ربما يكون المعطى الأمني المتعلّق بسلامته من الترصد، عاملا مهما يفسر غيابه المطول وندرة حضوره.

نبدأ تحليل المادة الإعلامية بالعنوان”وبشّر الصابرين”وهو على غرار مواد إعلامية صادرة عن التنظيم، يتم اقتباس عناوينها من سور قرآنية أو أحاديث نبوية. وردت العبارة في الآية 155 من سورة البقرة”وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ “.هذه الآية مسبوقة بآية أخرى متعلقة بفضل الجهاد وعلوية منزلة الشهيد.”وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ “أي أن السياق العام للآية (مصدر عنوان الإصدار) يتنزل في تحفيز”المجاهدين”والرفع من معنوياتهم في ظل الخسائر التي يتكبدها التنظيم منذ مدة. فهذا الوضع الصعب هو”ابتلاء”و “إمتحان”إلهي لهؤلاء المقاتلين. وفي أغلب تفاسير الآية يقال أنّ النبيّ محمّدا كان يتوجه بالحديث إلى أصحابهم لتثبيت صمودهم وتحذيرهم من إمكانية التراجع والهروب من ساحات المواجهة (ما يسمّى بالتولي يوم الزحف):  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ [15] وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [16]} [الأنفال: 15- 16]. المتولي يوم الزحف أي المتخلف عن القتال دون سبب”شرعي “سيكون مصيره الأخروي جهنميا. يمكن أن نجد رابطا بين مضمون وتوقيت الإصدار وعدة عمليات فرار سجلّها تنظيم الدولة الإسلامية مؤخرا وهو ما يضرب تماسكه وفاعليته ومدى صموده.

بدأ الإصدار الصوتي بخطبة الحاجة. “إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله .. أما بعد … “وهي ذات المقدمة التي بدأ بها البغدادي خطبة الجمعة في جامع الموصل منذ أربع سنوات، وكأننا بصدد الإستماع إلى خطبة مطولة ولا إلى مجرد تسجيل صوتي قصير ممّا يؤكد أهمية ما جاء في الإصدار وتعدد رسائله. تسمّى فقهيا بخطبة الحاجة وقد رُوي أن النبي محمدا علمها لأصحابه عند الشروع في القيام بأمر يهمهم. روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:”عَلَّمَنَا النبي صلى الله عليه وسلم خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) ثُمَّ تَذْكُرُ حَاجَتَكَ “.

 

ثم توجه بخطابه إلى”الموحّدين عامّة”و “المجاهدين خاصّة “، هنا يتلخص الفكر”السلفي الجهادي”والمزيج بين المنهج السلفي القائم أساسا على”التوحيد الخالص”بما فيه من ألوهية وحاكمية لله ونبذ لـ”مظاهر الشرك”والحركية الجهادية القائمة على تفعيل “الجهاد “كالوسيلة الأسمى والأكثر قداسة وعمليّة للدفاع على التوحيد.

وقد نعت هؤلاء المقاتلين بالصابرين والصبر قيمة لها حضور كبير في الأدبيات السلفية عموما والجهادية منها خصوصا، حيث نجد ذكر”فضائله في القرآن والسنة “بصفة مكثفة خصوصا أثناء الأزمات. يروى عن الإمام أحمد بن حنبل: ” لقد ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعا.”

ثم قام بتهنئة المسلمين بحلول عيد الأضحى مما يرجح حداثة التسجيل.

البغدادي وبصفته حاملا للدكتوراة في العلوم الشرعية، نجد كثير التوظيف للآيات القرآنية خصوصا المتعلقة بالقتال. حيث ذكّر في التسجيل بآية الإذن بالقتال : {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيرا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّهُمْ فِى الأرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَآتَوُاْ الزَّكَوةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الاْمُورِ} (الحج: 39 – 41). وهو تذكير للمسلمين لوجوب”الجهاد “ وفي هذا دعوة مبطنة للاستقطاب و “النفير والهجرة”قصد دعم”الموارد البشرية“ للتنظيم في ظل الخسائر الفادحة. و”الهجرة” تعد من أهم مرتكزات الفكر الجهادي.

إثر الحديث عن الأزمات التي يمر بها التنظيم و “المسلمون عموما “ حسب رأيه، يشرع البغدادي في استحضار فترات زمنية كانت فيها”دولة الخلافة الإسلامية”(بحقبتها الأموية والعباسية) ممتدة ويخشاها”الأعداء “.و في هذا دغدغة لمشاعر المسلمين الحالمين بعودة زمن القوة و “التمكين”والتوسع.

الملاحظ في هذا المقطع خاصة، هو الفصاحة والبلاغة الانسيابية والسلاسة على مستوى القول وهو ما يعكس التكوين والمهارات الخطابية للرجل.

البغدادي وصف وضع”الأمة الإسلامية”الآن بالجاهلية الجديدة، وهنا ينصّب الرجل نفسه مصلحا اجتماعيا مجددا على طريقة ومنهج محمد بن عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية ومن بعده سيد قطب في مصر إذ نجد حضورا هاما لثنائية الإسلام والجاهلية  في الأدبيات السلفية الجهادية. أسهب البغدادي القول في هذه النقطة كأننا بصدد الإستماع إلى درس فقهي في”التوحيد ونبذ مظاهر الشرك “، مما يؤكد مجددا على الخلفية”الدينية الشرعية”للشخص فنحن لسنا أمام خطاب سياسي على شاكلة خطابات أيمن الظواهري”الطبيب”ولا أسامة بن لادن”رجل الأعمال”على سبيل الذكر. نحن أمام خطبة دينية لرجل ذي خلفية دينية سلفية تقليدية سرعان ما تحولت إلى سلفية جهادية بفعل الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003. وبسبب هذه الخلفية الدينية الهامة في تكوين البغدادي، فقد برز الجانب السلفي الفقهي أكثر من الجانب الجهادي الحركي رغم أنه يتزعم أهم وأخطر تنظيم جهادي حاليا.

بعد هذا”الدرس الديني“، أثنى”الخليفة”على أبنائه المقاتلين وأشاد ببطولاتهم في ساحات الوغى وجدد توصيته بالصبر والثبات والصمود في وجه أعدائهم. و دائما ما يقترن حديثه بـ”تأصيل شرعي”من القرآن وهو يعلم الأثر الكبير للقرآن على نفوسهم ومعنوياتهم. بعد الدرس في”التوحيد “، يبدأ البغدادي درسه في”الجهاد وفضله”موظفا كعادته الآيات المحفزة على القتال والوعد بالنصر ومنزلة الشهيد.

نأتي الآن للجانب السياسي في الخطاب والذي لم ينل جانبا هاما مقارنة بالجوانب السابقة ذكرها.

لمّح البغدادي إلى وجوب التركيز على قتال المخالفين القريبين منه ونعتهم بال”المنافقين”(مستشهدا برأي ابن القيم الجوزية الذي قسم الناس إلى ثلاث فرق : مؤمنون، منافقون وكفار)، وذلك في إحالة مباشرة لما سمي بنظرية”قتال العدو القريب”والتي تجسدت فعليا بداية من صعود أبي مصعب الزرقاوي الذي قاتل”الشيعة” و“الصحوات”بشراسة فضلا عن قتال القوات الأمريكية بالعراق.

هذا التحول في المسار الجهادي يعد أمرا مهما على اعتبار أن تنظيم القاعدة كان يركز جهوده على”قتال العدو البعيد”وهي أمريكا والدول الحليفة لها. أمريكا هاجمها البغدادي في هذا الخطاب وهددها بمزيد من الهجمات والخسائر. و أشار إلى ما سماه ب”تمرد حلفائها”في إشارة إلى الخلاف التركي الأمريكي الأخير (وهي إحالة أخرى على حداثة التسجيل) و “عدم انصياع”روسيا وايران وكوريا الشمالية للعقوبات الأمريكية عليها وهذا ما اعتبره البغدادي بداية لانكسار شوكة أمريكا وتراجع حلفائها في العالم.

اختتم”الخليفة”خطابه برسالة إلى السوريين والعراقيين”من أهل السنة”(معتمدا خطاب المظلومية ومستنهضا فيهم روح القتال ضد”النصيرية”و “الرافضة”و “الصليبيين “) مذكرا إياهم بدفاع مقاتلي”الدولة الإسلامية”عنهم محذرا ومهددا في الآن نفسها الفصائل السورية المعارضة (نعتها بـ”الصحوات “)، والذي اعتبرهم خونة ومرتدين (في إشارة للمصالحات التي حدثت بينهم والجيش السوري برعاية تركية روسية) ودعاهم إلى”التوبة”وترك القتال تحت رعاية”رايات الكفر “، مثنيا في الأخير على صمود جنود”الدولة الإسلامية”في السويداء جنوب سوريا وداعيا اياهم بمزيد من الصمود ومهاجما بشدة وعنف لرجال الدين في شبه الجزيرة العربية والبحرين والأردن، متهمهم بموالاة الحكام والغرب وقعودهم عن مناصرة”المجاهدين. مبشرا”الأسرى”بالصبر والفكّ القريب. هذا إضافة إلى تحيته للقائمين على”الإعلام الجهادي ومحذّرا”أهل السنة”في مكان من خطر”التضليل الإعلامي”معتبرا أن الحرب مستمرة بل وستشد وطأتها، مباركا صنيع”الذئاب المنفردة”في كندا وأوروبا ومشجعا مناصريه على القيام بعمليات مماثلة.

هذا أهم ما جاء في التسجيل الصوتي الأخير لزعيم تنظيم”الدولة الإسلامية “. فهل أن التراجع الميداني الكبير للتنظيم هو ما كسر صمته الطويل أم إنها رسالة منه بأنه حي يرزق ولا يزال”الخليفة الشرعي”الذي يقود المعارك ويدير أمور”الرعيّة”أم أن هذا الظهور يتعلّق بكلا الأمرين؟

Pin It on Pinterest

Share This