من الهولوكوست اليهودي إلى الهولوكوست الفلسطيني

مصدر الصورة:  وكالة الأناضول للأنباء

بقلم: خليل العربي

يحدثنا البعض عن الهولوكوست ضد اليهود كجريمة بين غربيين، أو بين أوروبيين لا صلة لنا بهم. كما يستعرضها البعض، بين عدم القدرة على دحضها وعداوة ضحاياها، كجريمة لا ذنب لنا فيها، حتى يبرر تجاهلها. وهو ما سمح بالتماهي مع النقاشات التي تنفيها تماما دون تكليف النفس ضرورة بناء حجج كافية لذلك.

سادت أيضا في مرحلة معينة نقاشات كبيرة حول عدد الضحايا الحقيقي، مع محاولات أخرى للحديث عن أرقام ضحايا عرب ومسلمين وقعوا تحت مقصلة النازية؛ فيما يشبه السباق لإيجاد مكان في طقس القرابين الحديثة، التي يمكن الدفاع عنها بحجة أخلاقية تُنافس على ريع تقديسي للضحية صالح للاستثمار السياسي.

في هذا السياق، أوجدت هذه الخطابات لعبة ثنائيات تمويهية تتسرب من خلالها تصورات قديمة وايديولوجيات لا تقل خطورة عن النازية أو الاحتلال الإسرائيلي. يجابهنا من يريد وضع الهولوكوست في الهامش بمركزية تصوراته عن الفرق بين اليهود والصهيونية على سبيل المثال. لهذا الفصل بينهما جدارة التمييز بين السياسة والدين، لكنه يبقى سجينا لتصور مغلق حول السياسة في إطار بين الدولة القومية والملة الدينية. أدت هذه العملية إلى مجرد دفاع سمج عن الاختلاف الديني، وصولا إلى حصر الجريمة في مجرم واحد، وهو الدولة النازية. وهو ما اصطلح عليه زيجمونت باومان بالحفلة التنكرية التي تنحصر في الابتهالات الدينية والمواعظ والبحث في الأسباب المرتبطة بـ”الداء الألماني” للهتلرية.

أصبح الخلاف مع “دولة” إسرائيل فقط، انطلاقا من دول تُعرف نفسها كعرب ومسلمين، تعطي فسحة هوياتية لليهود، لكنها في الحقيقة عاجزة عن تحقيق مواطنة بناء على عمق إنساني. لا يمكن لتجريم النازية أن يتجاهل أنّ العطل في التصورات حول الدين والدولة قائم فعلا لدينا، لأننا غير قادرين على إنتاج ما هو أفضل منها. عمليا فقدنا كل صلاحية أخلاقية لتجريم النازية لأن الأساس الأخلاقي الإنساني لم يحقق شروطه في دولنا ومجتمعاتنا الخاصة. يمكن لنا ان نُضيف إلى النقاش الأخلاقي حول أية ضحية كانت عندما ندخل مرحلة السعي الى تحقيق الشروط الحديثة الإنسانية على الأقل، والتي انطلق بعد فشلها في الغرب محاولة إنصاف اليهود كضحايا.

تعود بنا سجالات مماثلة إلى مربّع حاول الكثيرون تجاوزه إلى مربع إنساني، هدفه حصر العنف الذي يمكن لأي أحد أن يكون ضحيته. لعلّ الدرس التاريخي الذي يُسعفنا به الهولوكوست، هو كوننا ضحايا مستقبليون لهيمنة تتخلل حياتنا اليوم. من الأكيد أن الهولوكوست أرجعت اليهود إلى خريطة العالم المسيحي المُعلمن لإيجاد موقع في الإرث اللاهوتي لأوروبا. لكن استغلال الأزمة الأخلاقية لأوروبا أنتج تيارات محافظة بين الدين المسيحي واليهودي، هي اليوم تتصدر المشهد في الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، وتؤثّر بشكل كبير في العلاقات الدولية. تمثل هذه التيارات نتيجة مباشرة للتفاوض الأخلاقي حول موقع اليهود في التراث اللاهوتي للعالم الغربي وكونهم ضحية العالم المسيحي في صيغته الحديثة. وقد ضاع في الأثناء المكسب النضالي اليهودي والمسيحي خلال الحربين لصالح سياسات دولية جديدة. نتيجة لاستغلال الملكية الرمزية لموضع الضحية بين الخطاب الديني والخطاب السياسي للدول الغربية، أضحت الهولوكوست أداة هرسلة تاريخية ضد ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية من قبل إسرائيل، ومن ثمة تحميل كل العالم تبعات ذلك. وهو ما يدعونا، كمعنيين بالقضية الفلسطينية، إلى مراجعة تعاملنا مع الهولوكوست فيما وراء الحصر الأيديولوجي القانوني والسياسي والديني. يؤدي الانسياق وراء الخطابات المذكورة أعلاه إلى إعادة إنتاج صراعات هوياتية وايديولوجية نحن في غنى عنها.

لا تختلف الخطابات الضيقة حول الهولوكست في الفضاء العربي والإسلامي، من حيث النتائج، عن توظيفها في الخطاب السياسي الإسرائيلي. باسم الهولوكست، تستعيد إسرائيل قوميتها اليهودية لفرض “النظام” و”القانون” في “الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الأوسط. وهو ما يلتحق بتوظيف رمزية الضحية في خطابات قومية ودينية. من هذا المنظور، تعتبر الخطابات المركّزة على التمييز الديني ردة فعل تُغذي الصلف الإسرائيلي لا غير. وهي في ذلك تتموقع ضمن خريطة الصراع الدولي لتنتج نفس الإشكاليات التي تضر بالقضية الفلسطينية.

تمحور اهتمام زيجمونت باومان بالهولوكوست حول سؤال: ما الذي جعل جريمة مماثلة ممكنة؟ طرح باومان أسئلة صعبة تشملنا بشكل جزئي، فهو يتصدى للحداثة في زمنها الخاص الذي دخلته المجتمعات الغربية، في الوقت الذي تعيش فيه مجتمعاتنا ودولنا آثارا مرتبطة بها. لا يعتبر ذلك تساؤلا عن جدوى هذه الأسئلة بقدر ما هو تساؤل عن مدى استفادتنا منها. طرح باومن تساؤلات عن البيروقراطية والهندسة الاجتماعية إلى جانب أسئلة أخلاقية تواجه الحداثة في ثغراتها. فهو جزء من تيار نقدي كامل، يساهم في مراجعة الحداثة لتاريخها وتصوراتها.

تقول جينينا باومان، زوجة زيجمونت باومان، بخصوص تواجدهما في إسرائيل لمدة ثلاث سنوات: “كانت إسرائيل دولة تحكمها العصبية القومية، وها نحن للتو فررنا من القومية (البولندية)، ولذا لم نرض أن نتحول من ضحايا دولة قومية إلى من يقترف الجرم ذاته في دولة قومية أخرى”1. يمثّل موقفهما دعوة حقيقية إلى مراجعة تصوراتنا وجهودنا في طريق بناء الدول والمجتمع الحديثين في أفقنا الخاص. تجاوز هؤلاء معطى يهوديتهم من أجل محاولة الارتباط بالعمق الإنساني الذي وعدت به الحداثة.

يدفعنا الهولوكست الى التساؤل نفسه عن جدوى الدولة والسلطة والقانون في أفقنا الخاص. أليست بدورها أدوات استباحة وهدر للإنسان، بل هي أضحت تطرده من تاريخها وجغرافيتها؟ ليس أقل الأدلة شأنا سيل أرقام الضحايا من شبابنا في مراكب الحرقة في البحر الأبيض المتوسط. احترق هؤلاء فعلا بيننا دون أن ننتبه إليهم قبل أن يهزّنا خبر غرقهم. يعتبر واقع دولنا ومجتمعاتنا إعلانا رسميا عن موت الإنسان الذي لم ينبثق بعدُ. يلتحق هؤلاء بقصة اللجوء الفلسطيني الذي يعاني في الدول العربية والإسلامية أكثر من معاناته في الدول الغربية. يبدو الإنسان لدينا مجبرا على الهجرة ما لم يجدها داخله، فيسعى للبحث عنها عبر التحرك في العالم. إنّ المهاجر في مراكب الموت والفلسطيني اللاجئ هما ضحية مركبة لمنظومة الدولة القومية في واقعها الملتبس محليا ودوليا.

أدى تعريب الهولوكوست الفلسطيني إلى حصره تدريجيا كمسألة قومية تعني السلطة الفلسطينية وحدها والمعترف بها دوليا كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. وهو ما يطرح مفارقة بين الحق القانوني وممارسته. تحدّثت الدول العربية طويلا كـ”عرب”، وأيضا كمسلمين، لكنها تعيش قوميتها بشكل مختلف. فهي دول دكتاتورية مختزلة في الزعيم والرئيس والنظام، دون وجود لشعب حقيقي قادر على تعريف نفسه كما هو، بالنظر إلى أن شرط المواطنة الحرة التي تتيح له ذلك معدومة. انتهت الدول سيئة التأسيس في العالم العربي إلى التطبيع مع إسرائيل، دون أن يمنعها كونها عربية عن ذلك. لا يمكن لمنطق الدولة الحديثة، بتوصيفها بالعربية أو الإسلامية، أن يحل هذا المجال المليء بالتناقضات دون مواطنة وديمقراطية حقيقية قادرة على تفكيك “النقطة العمياء” في الكيان القومي؛ تلك النقطة التي تستغلها الايديولوجيات والسياسات لخلق الهويات المتشددة والمتعصبة. نفس تلك النقطة التي اتي انتبه لها باومان في الفضاء الغربي، وساهمت في قمع اليهود وتوزيعهم كـ “لاجئين” بين الدول الغربية، بعد أن تركّزوا أساسا في بولندا، وقبل أن يهاجروا إلى فلسطين.

رغم أن حقّ الفلسطينيين في دولة بديهي قانونيا، إلا أنه ليس متاحا في ظل المنظومة الحالية. على المستوى الدولي، لا يجد قرار المحكمة الدولية حول الجدار العازل صدى شأنه في ذلك شأن جرائم الاحتلال الإسرائيلي. ومحليا، لا سند لهذه القضية في الدول القائمة تحت عنوان العرب والمسلمين. هذان العنوانان عاطفيان فقط، في تحريك المظاهرات لا غير، إلا أنهما غير صالحين للدفاع عن الإنسان الفلسطيني في مستوى أكبر من ذلك.

يجد الهولوكست الفلسطيني الدعم من خطاب حقوق الإنسان في بعده الكوني؛ ذاك البعد الذي أرهقته جرائم الدول على مستوى العالم في عهد الإمبراطورية الأمريكية من تيمور الشرقية وكمبوديا وصولا إلى العراق، وأرهقته ديكتاتوريات عربية وإسلامية كلفت الشعوب فواتا تاريخيا أصبحت غير قادرة على الإضافة بسببه في كل المجالات. تبقى مساهمة المنتمين إلى فضائنا الخاص محاولات فردية نضالية تلتحم بريتشل كوري، الأمريكية التي قضت نحبها تحت البلدوزر الإسرائيلي الذي يهدم بيوت الفلسطينيين.

يمثل الهولوكست الفلسطيني التحدي الأخلاقي الراهن للمنظومة الدولية عالميا ومحليا. ولعل من معزّزات الدلالة الأخلاقية للهولوكوست الفلسطيني هو ضرورة التحام كل نضال حقوقي بالإنسان في جميع المجالات. لا ينفصل هذا الهولوكست عن نضالات الحقوق والحريات الفردية والعامة في دولنا ومجتمعاتنا، وعن نضالات الشعوب الأخرى للتحرر من الهيمنة المعولمة لسياسات الاستبداد والتفقير والتهميش.  من الضروري أن نسترجع الهولوكست الفلسطيني، كما هو شأن كل ضحية إنسانية أخرى، وجعله مساهمة في خلق عالم قابل للعيش “…بطريقة تحول دون تحول المستقبل إلى مكان موحش لا يرحب بالبشرية”، على حد عبارة باومان.

 

الهوامش

1من مقدمة كتاب الحداثة والهولوكست لزيجمونت باومان، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2014.

 

صدر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد الثاني، أفريل 2021، ص ص. 6-7.

لتحميل كامل العدد:  http://tiny.cc/hourouf2

Please follow and like us:

اترك رد