يومان في زنجبار

بقلم: حمزة عمر

وصلت إلى زنجبار مساء الثلاثاء، بعد رحلة شاقة أخذتني من تونس إلى قطر فزنجبار. كان في الحسبان أن أقضي الليلة الفاصلة بين الرحلتين في فندق بالعاصمة القطرية لكنّ الأشقّاء الأعزّاء رفضوا منحي تأشيرة عبور فاضطررت إلى أن أهيم على وجهي بين المطاعم وقاعات الانتظار ولم أحصل إلّا على ساعة أو بعضها من النوم القلق. زاد ذلك في ضيقي من الرحلة، التي كانت لديّ شكوك جديّة في جدواها، لكنّ العمل عمل على أيّة حال.

نقلتنا الحافلة من الطائرة إلى مبنى المطار. انتقلت من برودة الطائرة إلى حرارة ممزوجة بالرطوبة، ولكنّها محتملة. لم تكن هناك لافتات الكترونية من أيّ نوع. عليك أن تسأل لتعرف. سلّمت الموظّف جواز سفري والوثائق المتعلّقة بالتأشيرة، فأمعن فيها النظر ثمّ طلب منّي الانتظار قليلا جانبا. سلّم الأوراق إلى ملازم أوّل اختفى لهنيهة، ثمّ عاد ليخبرني أنّه حسب وثائقي، يجب عليّ الحصول على تأشيرة عمل بمبلغ 250 دولار، عوضا عن التأشيرة العادية بـ50 دولار. وجمت قليلا، إذ لم أكن أملك إلّا ما يزيد عن المطلوب قليلا، وهو ما يتركني شبه مفلس على مدى يومين. قلت له أنّ المبلغ كبير، فابتسم معربا عن عدم قدرته على المساعدة. دفعت مرغما شاتما (بالأنجليزية، تطبّعا مع السياق) هذه السفرة المشؤومة من أوّلها. انتقلت إلى مراقبة الهجرة فأخذوا صورتي وبصماتي ومنحوني التأشيرة الصالحة لثلاثة أشهر. لمّا وصلت إلى ساحة الأمتعة، وجدت حقيبتي في انتظاري على الأرض. استغربت من ذلك، ولكنّي حملتها ومضيت. فيما بعد، علمت أنّ المطار المسكين (الذي لا أظنه يعادل في حجمه نصف مطار جربة) لا يملك حزام أمتعة، وكلّ شيء فيه يتمّ يدويا.

وجدت في انتظاري موظفين من الفندق. رحّبا بي، وامتطيت معهما السيّارة. لم أستسغ، كعادتي دائما مع المستعمرات البريطانية السابقة، وجود المقود على اليمين، ولا القيادة على اليسار. كلّ شيء يبدو مقلوبا ! أحد مرافقيّ كان يدعى عبدول، وهو من أصل سوداني لكنه لا يجيد من العربية سوى كلمات قليلة، بينما يتحدّث السواحيلية والأنجليزية بطلاقة. أخبرني السائق أنّهم يتعلّمون العربية كلغة ثالثة لكن المدرّسين ليسوا جادين في تعليمها، وهو نفسه لا يذكر منها سوى كلمات قليلة كـ “كيف الحال” و”مثنّى” و”جمع”. طوال الطريق، ظللت ألاحظ اللافتات. من السهل تبيّن الكلمات العربية في اللغة السواحيلية. على الرغم أنّها صارت تُكتب هنا بحروف لاتينية، فيمكن ملاحظة كلمات مثل “وزارة” و”وكالة” و”مدرسة” و”تفضّلي”. لاشكّ أنّ قرونا من الحكم العُماني والتأثير العربي تركت بصمتها في هذه الجزيرة، التي تعدّ لهجتها “فصحى” السواحيلية كما تقرّر ذلك في مؤتمر 1928. في المنطوق، تبيّن الكلمات العربية أصعب بكثير. بعض اللافتات كانت مكتوبة بالعربية، كـ”جامعة زنجبار” (التي يموّلها سودانيون) وأسماء المساجد. بعض البيوت كذلك كانت توشّح جدرانها بالبسملة وبآيات من القرآن. للنساء حضور مهم في الشارع، ولم أر على مدى يومين زنجبارية غير متحجبة. عدد كبير منهنّ كنّ يرتدين خمارا أبيض مع عباءة داكنة. توهّمت أنّ تلك الألوان تدخل في عادات اللباس العامة لدى الزنجباريات، قبل أن يتّضح أنّ ذلك رداء التلميذات. غير أنّ الحجاب فيما يبدو عادة، وليس من مظاهر التديّن، إذ رأيت كثيرا من النساء يرتدين خُمُرا ومع ذلك يكشفن عن أذرعهنّ، كما رأيت بنات لم يتجاوزن الخامسة يرتدينها.

ممّا أثار انتباهي في الطريق هيمنة السيّارات الآسيوية، التويوتا بدرجة كبيرة ثم السوزوكي، إضافة إلى علامات لم أعرفها أظنّها صينية. قيل لي أنّ زنجبار تستورد السيّارات عن طريق دول الخليج بأسعار مناسبة تجعلها مفضّلة على السيارات الأروبية التي لم أر منها أيّ مركبة (السيارة الوحيدة غير الآسيوية التي لمحتها كانت من نوع فورد). سمعنا دويّ سيّارات الشرطة، فأوقف السائق السيّارة وانتحى جانبا من الطريق، إلى حين مرور موكب صغير من سيّارة فخمة وسيّارة مرافقة، وأخبرني مرافقاي أنّه نائب الرئيس في طريقه إلى القصر.

كانت الخضرة تكتسح كلّ مكان، وهو ما منحني شعورا ببعض الانتعاش بعد تعب السفر وجعلني أتساءل: من سمّى تونس بالخضراء، في حين أنّ الصفرة تغزو ثلثيها أو أكثر؟ كان المحيط الهندي يتبدّى لي حينا، ويختفي حينا آخر خلف المباني. الطريق كان معبّدا ولابأس به رغم بعض الحفر، حتّى بلغنا منعطف النزل. هناك أضحى سبيلنا ترابيّا شديد الوعورة لاتقدر السيّارة على عبوره إلّا ببطء شديد. حتّى بعض التجمعات السكانية النائية عندنا تملك مسالك أفضل، فما بالك بمنتجع سياحي؟؟ جعلني ذلك أوجس خيفة من النزل: هل سيكون أقرب إلى “الوكالة” (بمعناها التونسي، لا السواحيلي حيث تعني الدكّان)؟

لكنّ النزل كان جيّدا. لم يكن له تصنيف من نجوم، لكن ربما يجدر منحه ثلاثة نجوم حسب مقاييسنا. ما يميّزه خاصة طابعه الايكولوجي إن صحّ التعبير، إذ يطغى الخشب على تصميمه. حديقته منسّقة بعناية والمسلك الذي يعبرها يوصلك إلى مسبح يطلّ على المحيط، ويجانب المطعم. بغرفتي، وجدت ما يلزم من المرافق، من سرير محاط بالناموسيات، وثلاجة ومروحة في السقف ومكيّف وتلفاز (لا يلتقط إلّا القنوات شرق الافريقية) وحمّام. بعض الحشرات كانت من الضيوف الدائمين، وخاصة النمل والبعوض، إلى جانب خنفساء كبيرة كانت ملقاة على ظهرها وظننتها ميّتة، ولمّا حاولت إلقاءها في سلة النفايات، انقلبت وفرّت بسرعة ولم أستطع إدراكها. أيقنت حينذاك أنّ لمبيد الحشرات الموجود فوق المكتب أهميّة قصوى.

خيّرت أخذ قسط من الراحة قبل النزول إلى العشاء، لكنّي لم أستطع النوم بسهولة. كان للغرفة واجهة بلّورية لا تفلح إزاءها الستارة البيضاء كثيرا في حجب ضوء الشمس. لكن عليّ أن أعترف أنّ الانترنت وخاصة الفايسبوك اللعين كانا ممّا أخّر نومي.

استفقت  حوالي السادسة مساء. خرجت لأتمشّى على ضفاف المحيط، فوجدت زميلين أعرفهما من رواندا. جلسنا وأخذنا الحديث من العمل إلى الحديث عن فشل الديمقراطيات في افريقيا إلى الشعور بالانتماء بين مختلف دول القارة.  كان أحدهما مغتاظا لأنّه حين زار مصرا، كان الجميع يقول له: نحن سعداء أن نلتقي شخصا من افريقيا، فكان يجيب بانفعال: ولكنّكم أفارقة بدوركم ! مثل هذا التصرّف يحدث لدينا كذلك، نحن الذين أهدينا اسم بلادنا إلى القارة. أخال افريقيّتنا لاتظهر إلّا عندما نشجّع منتخبات القارة في كأس العالم.

حان وقت العشاء. كنت جائعا، وكنت مغتبطا لأنّ الأكل في زنجبار “حلال” لدى الأشقاء المسلمين وهو ما يجنّبني مشقّة البحث والانتقاء والسؤال التي تلازمني كلّما زرت “بلاد الكفّار”. لكن كان الشبع عسيرا عليّ، إذ لم يكن هناك عدا الخضروات (التي لا أحبّذها) سوى بعض الأرز الأبيض والبطاطا، وقطع هزيلة من اللحم. أكلت ما تيسّر، وبقيت بعض الوقت مع الزميلين اللذين دعواني إلى سهرة خارج النزل، فاعتذرت وخيّرت النوم باكرا حتّى أستعدّ للعمل.

استيقظت حوالي السادسة والنصف صباحا، ببعض المشقة. راجعت التقديم الذي من المفروض أن أعرضه ثم ذهبت إلى المطعم. لا يهمّني من فطور الصباح عادة سوى القهوة، وكانت خيبتي كبيرة لمّا لم أجد قهوة “حقيقية”، وإنّما فقط مسحوقا سريع التحضير، فضّلت عليه مشروب الكاكاو الساخن. تبيّن لي فيما بعد أنّي اتّخذت خيارا خاطئا، إذ بقيت لساعات طويلة وأنا أشعر أنّي لم أستفق بعد.

جمعتني جلسة العمل بشبّان وشابات من تنزانيا وأوغندا وكينيا. لا أغالي إن قلت أنّي أعجبت كثيرا بحماسهم، وإن كانت خلافاتهم السياسية تجعل النقاش يحتدّ ويخرج عن الموضوع والسيطرة، لا سيّما إن تحدّثوا بالسواحلية، التي يجيدونها جميعا، وتركوني كالأطرش في الزفة.

أعلن المنظّمون أنّ هناك جولة في المدينة ستخصّص للمشاركين. سرّني ذلك كثيرا. فبالنظر إلى حالة شبه الإفلاس التي أعيشها، وغلاء أسعار سيارات الأجرة وبعد المكان عن المدينة، كان سيكون من المحتّم عليّ ملازمة الغرفة طوال الوقت.

مبنى تذكاري للذكرى الخمسين للثورة الزنجبارية

مبنى تذكاري للذكرى الخمسين للثورة الزنجبارية

أخذتنا الحافلة إلى مبنى حديث الطراز يقع خارج المدينة العتيقة صمّم لإحياء الذكرى الخمسين لثورة زنجبار. يحتوي المبنى على عدد من الوثائق التاريخية والمقتنيات الشخصية لرئيس زنجبار الأوّل عبيد كارومي، لعلّ أهمّها نموذج للطاولة التي اغتيل وهو يترأس اجتماعا حولها. صعدنا إلى أعلى المبنى الذي يشرف على كامل المدينة. تطوّق الزرقة، بحرا وسماء، المدينة ويمنحها اختلاف ألوان المباني رونقا خاصا لا ينغصّه إلا الصدأ البادي على الأسطح القصديرية العديدة. خلال الزيارة، طلب منّي الكثير من المشاركين التقاط صور إلى جوارهم، ولبّيت جميع الدعوات بسرور ظاهري (رغم ضيقي العتيق من الظهور في الصور). لم أفهم كثيرا أسباب هذا الإلحاح، إذ لا أحسب أنّ مساهمتي في الورشة تركت هذا الأثر الذي يدعوهم إلى تخليدها. أتراه مركّب الرجل الأبيض (والبياض نسبي) لايزال حاضرا؟

اتّجهنا إثر ذلك إلى وسط “مدينة الحجارة”، المركز التاريخي لزنجبار. يبدو أنّها أخذت اسمها من الحجارة المرجانية التي استعملت في بنائها. عبرنا أزقّتها الضيقة إلى مكان سوق العبيد القديم. أقام البريطانيون على أنقاضه كنيسة أنجليكانية، مذبحها يوجد تماما في المكان الذي كان يستعمل مزادا للعبيد. استغرق بناء الكنيسة ست سنوات وتحوي رفات أسقفها الأوّل الذي قام بترجمة الكتاب المقدّس إلى السواحيلية، ومن طرائفها أنّ بها اثنا عشر عمودا من الرخام (المجلوب من إيطاليا على ماأذكر) ترمز إلى حواريي المسيح، تمّ وضعها في البناء أثناء سفر المشرف الذي اشتدّ حنقه لمّا عاد واكتشف أنّها وضعت مقلوبة، بحيث كانت قواعدها إلى الأعلى ! وكان الوقت تأخّر على إصلاح الخطأ الذي بقي ماثلا إلى اليوم. بجوار الكنيسة توجد غرفتان تحت الأرض نصل إليهما عبر درج ضيّق. تواجهك رائحة العفونة لمّا تنزل، وتضطرّ للانحاء لأنّ طول المكان لا يتجاوز 1,7 م. لا ضوء هناك إلّا من كوى ضيقة أحدثت مؤخرا ولم تكن موجودة في القرن التاسع عشر.

الكنيسة الأنجليكانية

الكنيسة الأنجليكانية

أخبرنا الدليل أنّ الغرفة التي لم تكن مساحتها تتجاوز 15 مترا مربّعا كانت تسع 75 شخصا “يخزّنون” هناك لمدّة تصل إلى عدّة أيّام لكن لا تتجاوز أسبوعا، لأنّ ذلك كان يعني القضاء المؤكّد على جميع العبيد. كانت هذه الغرفة نوعا من “الاختبار الانتقائي” يثبت من خلاله من يبقون على قيد الحياة، وهم قلّة نسبة إلى العدد الجملي، جَلَدهم. بدأت هذه التجارة مع البرتغاليين الذين سيطروا على الجزيرة والساحل الشرقي لأفريقيا قبل أن يطردهم العرب العمانيون في القرن الثامن عشر. عوّل العرب على تجارة العبيد، إضافة إلى زراعة القرنفل، كمصادر أساسية للدخل في زنجبار، وازداد عدد العبيد المباعين ليصل إلى حدود عشرة آلاف في السنة أواسط القرن التاسع عشر، بعد أن كان لا يتجاوز ثلاثة آلاف. واستمرّ الحال كذلك إلى أن تمّ إلغاء العبودية نهائيا في أواخر القرن التاسع عشر بضغط من البريطانيين الذي كانوا قد استفادوا فيما مضى من هذه التجارة، إلى حدّ أنّ تعميد العبيد كان من الممارسات الرائجة لرفع سعرهم في السوق. كنت العربيّ الوحيد بين الحضور، وجعلني سماع هذه المعطيات أشعر بشيء من الحياء. في الخارج، كان هناك مجسّم يقع في جبّ غير عميق لخمسة عبيد والأغلال في أعناقهم قام بإنجازه فنّان سويدي.

سرنا على الأقدام في أزقّة مدينة الحجارة العتيقة. تعرّجها والتواؤها وأيضا شكل أبوابها يذكّر بالمدن العتيقة العربية، وإن كان تتميّز عنها بتأثيرات هندية وأروبية، وأيضا بنظافتها البادية. من أحد الأزقة يقف السيّاح لتصوير مئذنة الجامع وبرج الكنيسة، وهو ما يروّج كعلامة على التسامح الديني، ولكنّي لم أر فيها إلّا دليل الهيمنة الاستعمارية، باعتبار أنّ المسيحيين أقلّ من القليل في زنجبار. مررنا بقصر سكنته الأميرة سلمى، وقصّتها تستحقّ أن تكون موضوعا لفيلم. كانت ابنة السلطان سعيد، ولكنّها تعلّقت بشاب ألماني وفرّت معه إلى بلاده. هنالك تنصّرت وتعلّمت الألمانية وكتبت بها عن موطنها معرّفة به المجتمع الأروبي. اشتدّ بها الحنين إلى بلادها وأرادت أن تتصالح مع ماضيها، فعادت إلى زنجبار ولكنّ أهلها رفضوا أن يسامحوها ما لم تعد إلى الإسلام، لكنّها أبت. عند وفاتها، أوصت أن يوضع شيء من تراب زنجبار في قبرها، الموجود إلى جانب قبر زوجها في هامبورغ.

أنقاض الحصن

أنقاض الحصن

عبرنا سوقا صغيرة يكسوها العشب محاطة بسور من الحجارة. كان المكان حصنا بناه البرتغاليون في فترة حكمهم للأرخبيل، ثمّ استعمله العرب كقلعة وسجن. لم يبق ممّا يدلّ على هويّته السابقة سوى برجاه الصامدان. وقرب الحصن يقع مسرح الهواء الطلق نصف الدائري ذو المقاعد الحجرية. بني هذا المسرح في ثمانينات القرن الماضي، وهو يحتضن حاليا المهرجانات الكبرى التي تُنظّم بزنجبار، كالمهرجان الدولي للأفلام.

بيت العجائب

بيت العجائب

لمّا بلغنا مكان الميناء القديم، وجدنا أنفسنا في مواجهة “بيت العجائب” (وهو اسمه بالسواحلية كذلك). لم يسكن السلطان هذا القصر، وخصّصه للمناسبات. كان أوّل مبنى مزوّد بمصعد في شرق افريقيا كما كان أعلى مبنى بزنجبار، حتّى نشوب أقصر حرب في التاريخ المعروف. استولى السلطان خالد على الحكم بعد وفاة ابن عمّه السلطان حمد، وأنذره البريطانيون للتخلّي عن الحكم، لكنّه كان يعوّل على الدعم الألماني فلم يستجب للإنذار، وجهّز جيشه للمواجهة. لم يكن يعلم أنّ الصفقة قد عقدت بين الألمان والبريطانيين، وكانت زنجبار من نصيب البريطانيين. أطلقت بحريتهم نيران المدفعية على القصر فهدمت طابقه الثالث، وبعد ثمانية وثلاثين دقيقة فرّ السلطان تاركا عرشه لابن عمّه حمود الأكثر طواعية لقوات الاحتلال. نُقل فيما بعد برج الميناء إلى القصر ليتّخذ هذا الأخير شكله الحالي. استعمل فيما بعد كمقرّ للسفارة البريطانية، وهناك ولد مغنّي الروك الشهير فريدي مركوري لأب كان موظّفا بالسفارة. لم نتمكّن من الدخول إلى المبنى الذي تجرى به حاليا عمليات ترميم.

إحدى قاعات بيت الساحل

إحدى قاعات بيت الساحل

على بعد أمتار من بيت العجائب، يقع “بيت الساحل”. كان هذا القصر المقرّ الرسمي للسلطان وعائلته، ويتكوّن من ثلاثة طوابق، وصار الآن متحفا. حافظ القصر على جزء من أثاثه الملكي (غرف النوم، غرف الجلوس، قاعة الاجتماعات…) كما يحتوي على عدد من الصور الزيتية المرسومة للسلاطين وكذلك المهداة إليهم من غيرهم من الملوك (كالملكة اليزابيث). لاوجود لكثير من ملامح الترف بالقصر (إذا قارنّاه مثلا بالقصور الأندلسية التي بنيت قبله بقرون) ويبدو أنّ السلاطين كانوا أقرب إلى البساطة في عيشتهم. قرب القصر، توجد ساحة بها قبور السلاطين وغيرهم من أفراد العائلة المالكة.

الساعة الأخيرة من الزيارة خصّصت للتسوّق. سألنا دليلنا عمّا يمكن أن نشتريه من أسواق زنجبار، فضحك قائلا: كلّ شيء. تلك الأزقة الضيّقة الطينية كانت مزدحمة بالبضائع من كلّ الأنواع، وخاصة منها الملابس الصينية المقلّدة. توقّفنا أمام بائع متجوّل يعرض قمصان رياضية. أرادت زميلتي السويدية اقتناء قميص منتخب زنجبار الوطني (الذي صار يلعب في السنوات الأخيرة منفصلا عن منتخب تنزانيا) لابنها المهووس بجمع القمصان الرياضية من مختلف البلدان. سمعنا فجأة تصفيرة تلتها جلبة في السوق فأوجسنا خيفة. جمع البائع بضاعته بسرعة ودخل إلى دكان مجاور. فيما بعد رأينا سيّارة عسكرية تعبر الطريق ثمّ رجع السوق إلى سابق صخبه. هو الانتصاب الفوضوي الذي “تكافحه” الحكومات في كلّ مكان ! على أنّ الباعة هنا أكثر أدبا وأقلّ إلحافا من نظرائهم في بلدان أخرى. اكتفيت بشراء شيء من القهوة والشاي. لمّا كنت بصدد الدفع، اقترب منّي كهل في الخمسين وسألني عن بلدي، فلمّا علم أنّي تونسي، رحّب بي بحرارة وطفق يحدّثني بالعربية. سأله البائع مداعبا عن سرّ هذه الحفاوة، فأجابه مشيرا إليّ: هو مسلم وأنا مسلم، فاعترض البائع قائلا: ولكنّي مسلم كذلك ! لعلّ الكهل كان يماهي بين العروبة والإسلام.

عدنا إلى النزل حيث كان هناك عشاء أكثر إشباعا هذه المرّة، إذ شوي لنا الدجاج ولحم البقر والسمك وغلال البحر. قضيت العشاء في ثرثرة مع مشاركتين إحداهما من أوغندا وكينيا. كان الحديث مع الكينية حول الانتخابات المعادة في بلدها والأحداث التي تلتها وما يمكن أن يكون حكم المحكمة العليا بشأنها. أمّا الأوغندية، فكانت تشتكي من الفساد وخاصة من ظاهرة السياحة الحزبية في بلدها. حضر العشاء مسؤول جهوي ألقى خطابا طويلا، كعادة السياسيين في كلّ أنحاء العالم، بالسواحيلية تسليت خلاله بعدّ الكلمات العربية التي استطعت تبيّنها. جلب لي هذا الخطاب النعاس، فأويت مباشرة إلى سريري.

في الصباح كان لي متّسع من الوقت للاسترخاء قبل الرحيل. ترشّفت قهوتي على مهل على المنصة الخشبية المقامة على ضفة المحيط. كان النسيم يمحو عنّي كلّ أثر للحرارة. همس الموج، عمق الزرقة، ذوبان البحر في السماء عند الأفق أشاعت فيّ سكينة لذيذة بعُد العهد بمثلها. كان الموج قد انحسر عن الضفة كاشفا عن شاطئ نديّ. بعد شيء من التردّد، نزعت حذائي ومشيت على الرمل. شمّرت عن ساقيّ وتركت الماء الدافئ يغمرهما. على بعد أمتار كانت تلوح قوارب الصيّادين الصغيرة، وقد ظلّل النخيل أقربها إلى الشاطئ، ومن ورائها تبدو مدينة الحجارة. في عمق البحر كانت تظهر بعض الجزر الصغيرة التّي تكوّن أرخبيل زنجبار إلى جانب الجزيرتين الكبيرتين: أونغوجا (حيث العاصمة) وبمبا. ازدحمت في ذهني الخواطر حول الحضور العربي وتكوّن الامبراطوريات وتفكّكها وبروز اللغات وامتزاج الهويات… كان عليّ أن أطردها لأنّ الوقت حان لأحمل وجهي وأرحل…

Pin It on Pinterest

Share This