حب الكتاب: كيف السبيل إلى وصالك، دلني؟؟

بقلم: عبد الكريم مبارك

في مثل هذا الوقت من كل سنة تقوم المكتبات العمومية بالجرد السنوي من إحصاء وترتيب وتجميع وتنظيف للمكتبات ومحتوياتها. شعور غريب ينتابني بأنني وفي كل سنة أُغسّل و أكفّن هذه الكتب وأخُطّ وصيّتها وأُحصي أملاكها حتى تأذن ساعة إعلان الوفاة الرسمية، ساعة الرحيل ليُعيّن بعدها تاريخ ومكان الدفن.
إلى ذاك الموعد يلعب أغلب المكتبيين إما دور المؤتمن العدلي أو المتصرّف القضائي أو أمين الفلسة !
قد يكون العاملون في مكتبات الشباب والكهول الأقرب حسب اعتقادي لعيش وتمثّل هذه الحالة النفسية العصيبة المركّبة.

في مثل هذه الفترة من السنة يمرُّ على أيدينا -ونحن نعِدُّ ونُحصي –رصيد بآلاف الكتب والدوريات والوثائق من كل الاختصاصات والمعارف واللغات والأوعية الورقية والرقمية  نألم لهرجها من القرّاء الذين ولّوا وجوههم شطر اهتمامات أخرى غير الكتب، كُتبٌ أفنى فيها أصحابها عمرا وجهدا ولاقوا في أغلب الأحيان الويلات حتى تصدر ولمّا تأذّن خروجها للعموم لا يُلقي لها المواطن بالا أو اهتماما، كتب تموت واقفة متألمة شاهدة على نكران الجميل وعلى حالة عطالة فكرية في مجتمعنا الذي طالما يفتخر بأنه من “أهل الكتاب” ومن “أمة اقرأ”.

قطاع الكتاب والمطالعة في حالة احتضار حقيقي غابت فيه الارادة الفعلية للإسعاف والإنقاذ، كلّ يدعي وصلا بالكتاب ووَلَهًا بالمطالعة إذا ضمّك بهم مجلس، وإذا انفض عادوا إلى السخرية والتهكم ولَوْكِ لوبانة : نحن في عصر الانترنات، عصر السرعة وباقي الاسطوانة المعروفة .

نحن العاملين في قطاع المطالعة العمومية نتحمّل المسؤولية والأكبر في هذا الوضع المتردي -رغم هشاشة وضعنا التشريعي والمهني – ولا نتفصى من تحملها ولا نحتمي بمظلة الدفاع الدغمائي عن القطاع ثم تأتي بعد ذلك مسؤولية أطراف أخرى، لأن البحث عن شمّاعات والتملّص من المسؤولية هو بمثابة دفن لرؤوسنا في التراب حتى لا نواجه الحقيقة.
لازلت على يقين أن” الثقافة الرسمية” وإرادة كل الحكومات تقريبا تعتبر ”المطالعة العمومية ” ربيبة الوزارة وليست ابنتها لذا تربى القطاع في مناخ من الإحساس باليتم.

نعلم أن الترغيب في الكتاب والمطالعة عملية شاقة مضنية تستدعي طول النفس والدربة وبيداغوجيا يفتقدها أغلب الزملاء المكتبيين المنحدرين من اختصاصات تقنية صرفة تعلّموا أصولها بإتقان في المعهد العالي للتوثيق بتونس والذي لا يولي مسائل الترغيب في الكتاب ومطالعته كبير اهتمام فتُوكل هذه المهمة لحماس الأعوان المنتدبين الذين يجتهدون في الغالب وبإمكانيات محدودة لسدّ هذا الفراغ الرهيب الذي لا  يستطيعون القيام به وحدهم أمام منافسة غير متكافئة من مغريات أخرى يستسهلها المتلقي ويتجذب إليها وهو مسلوب الإرادة غير متسلّح بأدوات الدفاع والحماية.

Pin It on Pinterest

Share This