هل تريد الهجرة؟

بقلم: مريم النويشي

اقتصر حديثنا منذ عقود، عندما نتطرّق لموضوع الهجرة، عن الهجرة غير الشرعية وقوارب الموت. اليوم تطفو ظاهرة جديدة وهي حلم الهجرة لدى أصحاب الشهائد العليا. أصبح هاجس الشباب اليوم إيجاد طرق شرعية وسليمة لمواصلة الدراسة أو العمل بالخارج.

لم يعد الأمر مقتصرا على “هجرة الأدمغة” بل أصبح ظاهرة تنسحب على أغلب الشباب التونسي من طلبة وخريجي الجامعات والمعاهد العليا.

يبدو السبب في رغبة الشباب في مغادرة وطنه وخوض تجربة الغربة بكل ما تحمل، للوهلة الأولى، بديهيا ألا وهو البطالة.

“نعم أريد الهجرة. لي ثلاث أخوات متحصلات على شهائد عليا عاطلات عن العمل أما أنا فاخترت على مضض العمل في مركز للنداء. لن أحدثك طويلا عن حالنا لأننا لسنا استثناء. لقد صدعونا بالحلول الوهمية. أريد بلدا أشعر أنه يحترمني وسيكون وطني”

هكذا عبرت نهى، 24 سنة متحصلة على الاجازة في الصناعات والأساليب الغذائية من المدرسة العليا للصناعات والأساليب الغذائية بتونس، عن رغبتها في الهجرة.

لا شك أن سوق الشغل الشحيح في تونس والآفاق المحدودة من أهم أسباب ميل الشباب اليوم الى فكرة الهجرة بيد أننا إذا تأملنا قليلا سنجد أسبابا أعمق.

لا يستحق الأمر مختصا حتى يرصد أن هذا الجيل يعاني آفة الاكتئاب ويشعر بالقهر جراء الهوة بين طاقته التي تود لو تنفجر وبين الممكن والمتوفر، جراء الفجوة بين العيش الكريم الذي يرنو إليه وبين ما يجده من إحباط على جميع الأصعدة مما يجعله يبحث عما يظنه يليق بطموحه ويرتقي لتطلعاته في بلدان أخرى يرى انها تحترم انسانيته. جولة صغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بتأكيد هذه الفكرة.

مما نشر على الفايسبوك تدوينة لـ “Fils D’Œdipe” يقول فيها

“استقرت عندي القناعة بأن لا شيء يستحق أن يقاوم من أجله في هذه البلاد وعندما يطلب الي أحدهم تلك العبارة التعيسة ‘ لازم نبقوا نخدموا بلادنا’  تعتريني السخرية لأن الاخ يريد أن يرمي بي في بوتقة العبودية”

يضيف  Fils D’Œdipe:

 “ربما البقاء والعمل من أجل مستقبل أفضل يكون حلا ولكن مع انبلاج الصبح وشرب قهوتك ومقابلة أول مسؤول،  اول قمامة في الشارع أو مشاجرة تافهة تسقط كل المفاوضات وتعود إلى رشدك”

المفروض أن عمر الشباب هو عمر الجموح والاستمتاع ووالتجارب والحياة الخالية من الضغوط غير ان الشاب التونسي لا يستوفي الحاجات الفسيولوجية في هرم الحاجات ويبقى مرتبطا بعائلته طويلا في فترة الشباب فما بالك بحاجات الأمان وما يعلوها من حاجات في الهرم وصولا إلى الإبداع. هذا الشباب القادر على الابداع يجد نفسه مقيدا بتوفير حاجياته الاساسية ولا يدرك منها الا قليلا.

قد يكون هذا سببا رئيسيا في حالة السواد العامة التي يتصف بها هذا الجيل. حدثتنا خلود الخماسي،23 سنة، متحصلة على شهادة في التمريض من جامعة خاصة، عن تجربتها في التمريض في مستشفى الرازي.

تقول خلود أن نسبة هامة من المرضى هي من الشباب بين الثانية والعشرين والثلاثين سنة والمتحصلين على شهائد عليا

 “لن تصدقيني إن أخبرتك أن شابا في مقتبل العمر مثقفا متعلما وسيما يعاني  الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب أو الاكتئاب، هذا الجيل متعب ومثقل بالهموم”

يبدو أن هذا الجيل الذي قام بالثورة من أجل الكرامة، انتظرها طويلا، فلما لم تظهر بوادرها قرر أن ييحث عن كرامته بعيدا.

تابعونا على تويتر

إعلانات

Pin It on Pinterest

Share This