الحب والحرب بقلم حمرة…

[et_pb_section admin_label=”section” fullwidth=”off” specialty=”on”][et_pb_column type=”3_4″ specialty_columns=”3″][et_pb_row_inner admin_label=”row_inner”][et_pb_column_inner type=”4_4″ saved_specialty_column_type=”3_4″][et_pb_text admin_label=”النص”]

بقلم: سوسن فري

دعوني أعترف منذ البداية، لست موضوعية بالمرة هنا ولست بصدد كتابة مقال في النقد الصارم. سأنقل لكم فقط ما حفّ بي من أفكار ومشاعر وخواطر وأنا أتابع هذا المسلسل، “قلم حمرة”

هو مسلسل إجتماعي درامي سوري، تمّ تصوير أحداثه بمدينة بيروت اللبنانية منذ حوالي سنتين بعد إندلاع الأزمة بسوريا  وما انجرّ عن ذلك من صعوبة التصوير داخل أراضيها. قصة وسيناريو المسلسل لـ “يمّ مشهدي”، وهو من إخراج “حاتم علي” وبطولة  كلّ من سلافة معمار، كاريس بشار، عابد فهد، رامي حنا منى واصف  وغيرهم من أبرز نجوم الدراما السورية…

مسلسل فتنني مذ تابعت أولى حلقاته، حتّى أنّه جعلني آخذ هدنة وأتوقّف عن الإشتغال على مذكرّتي التي ترهقني منذ أشهر. مسلسل شدّني إليه ببساطة أحداثه وعمق مشاهده وحواراته، وخاصّة بإبتعاده عن المشاهد الإنفعالية المبالغ فيها، الّتي تميّز الدراما العربيّة عموما. هو مسلسل يتطرّق إلى الحياة اليومية لمجموعة من الشخوص الّتي تجمع فيما بينها روابط مختلفة، كالقرابة والصداقة والزمالة وغيرها من الروابط، بأسلوب رشيق يجعلك تنجذب إليها رغم غياب عنصري التشويق والأحداث المؤثرة. مجموعة من الأصدقاء والأقارب والمعارف والآباء والأبناء والأمهات، من الطبقة «المثقفة” المتوسطة تجمع بينهم الإقامة في دمشق، رغم إختلاف المشاكل والهموم والتطلعات والأحلام. ترصد يمّ مشهدي ببراعة فائقة مختلف الإنفعالات والتطوّرات التي تطرأ على مختلف شخصياتها وخاصة على شخصيتها الرئيسية، كاتبة السيناريوهات التلفزيونية، “ورد”. هذه الشخصية المرَكَّبة والمرْبِكَة هي إمرأة مثقفة، متزوّجة، أم لطفل وناجحة في عملها. تمرّ بأزمة منتصف الثلاثينات، تطرح الكثير من الأسئلة الوجودية والأفكار الكبرى، تبحث عن معنى لحياتها وتكتشف فجأة ورغم كل مايبدو على حياتها من نجاح اجتماعي أنها زوجة تعيسة، ضلّت الطريق الصحيح الذي يمكن أن يحقق لها المعنى الّذي تنشده لحياتها. تتردّد كثيرا، تحتار وتكتئب حتّى يعترض “الحب” سبيلها من جديد، فتقدم وبجرأة كبيرة منها وعلى خلاف الصورة النمطية للمرأة العربية ، التي تستكين في العادة لبؤسها حفاظا على المظاهر الإجتماعية، على إنهاء حياتها الزوجية الكئيبة لتركض وراء حب حياتها. لم يكن الأمر سهلا على “ورد”، بل حفّ به كما سبق وأوردنا الكثير من الإرتباك والتردد والألم. نقلت لنا الكاتبة هذه التطوّرات بكثير من السلاسة والأناقة، حتّى أنها جعلتني كمتابعة في حيرة من أمري تجاه هذه الشخصية المركّبة. تعاطفت معها وأحببتها رغم إقدامها على “المحظور”، خيانة زوجها روحيّا وعاطفيا. حيث أنّ “ورد” بدأت في الإنجذاب إلى “تيم”  وبدأت في خوض ما يشبه العلاقة  معه قبل أن يتمّ الطلاق فعلا. في علاقتها بـ”تيم” نفسه، تكسر “يمّ مشهدي ” الكثير من الأفكار النمطية والمسبقة الّتي نحملها جميعنا، في أغلب الأحيان، عن الرّجل عموما. ذلك “الآخر” الّذي لا يمكنه أن يقول “لا” للجنس! ذلك الكائن الشهواني الذي، بخلافنا نحن معشر النساء، تسقط كل نظرياّته عن الحب والوفاء أمام أوّل فرصة للجنس تتاح له! لتحيلنا يمّ مشهدي على سيناريو مخالف تماما لرجل تطلب منه حبيبته أن “يمكنّها من نفسه” لرغبتها فيه، فيرفض لأنه يحبّها بصدق على حد تعبيره ويأنف من أن يستغلّ نفسيتها المضطربة ومشاعرها المرتبكة حينها، حيث أنه لم يكن واثقا تماما من حبّها له. طبعا الكاتبة لم تقصد من وراء هذا تسفيها للجنس أو تكريسا لتصور طوباوي أفلاطوني عن العلاقة العاطفية، إنّما أرادت أن تبيّن لنا أن الرجل كائن عاقل ومتوازن كذلك، يقدّر الحب جيدا ويوليه مكانة عالية.  تتفاجئ “ورد” كثيرا بمقف “تيم” وتقول مذهولة بلهجتها الشاميّة:

ـ في رجل بالدنيا بيقول لا للجنس؟!!

تراوح الكاتبة بين زمنين طيلة أحداث المسلسل، زمن الاعتقال وماقبله. تقنية ذكيّة وممتعة تضع المشاهد في الصورة وتبيّن له ماكانت عليه الأوضاع في سوريا قبل إندلاع الحرب الأخيرة. مجتمع ينخره التفكّك رغم ما يحرص على إدعائه من لحمة وترابط، كبقيّة مجتمعاتنا العربيّة. علاقات زوجيّة تعيسة، قائمة في أغلبها على النفاق والكذب. شباب تائه يجرفه نمط إستهلاكي فجّ، يحلم ويسعى جاهدا لإيجاد موقع له داخل المشهد العام.

مواطنون بدرجة “اللا مواطن”! تتعرض الكاتبة كذلك إلى مشكلة الأقليات العرقية في ظل نظام حكم قومي شمولي من خلال شخصيّة الشاب الكردي “فراس”، شابّ يهيم على وجهه في شوارع دمشق دون “هويّة”!! ودون أي أوراق ثبوتيّة. شابّ يعرّضه مجرّد الإحتفال بـ”عيد النيروز” إلى الإعتقال إلى مدّة غير معلومة.

تتعرّض الكاتبة في المسلسل كذلك إلى محنة المثلييّن جنسيّا في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة، حيث يعانون من النبذ والرفض حتى من قبل أقرب الناس إليهم. يبلغ الإحباط بـ”نورس “، الشاب المثلي الذي تنبذه حتّى أمّه حدّ محاولة وضع لحياته بإقدامه على محاولة الإنتحار. يرفض نورس بعد ذلك الخضوع لواقعه البائس ويحاول جاهدا إثبات وجوده من خلال لوحاته، حيث يجتهد في إبداع لوحات فنيّة ويصّر على إقامة معرض لها لتتويجها، ليفاجئ إثر ذلك بمديرة المعرض وهي تعرض عليه إستغلال “ميولاته الأنثويّة” للترويج للوحاته في الغرب… الغرب الّذي لا يكترث لنا إلاّ إذا أرفقنا منتجاتنا الإبداعيّة بهذه “البكائيّات” الّتي تخدم وتتوافق مع نظرته الإستشراقيّة لمجتمعاتنا وتكرّسها. ممّا يدفعه إلى الشعور بالمهانة والغرق في الإكتئاب مجددا.

المسلسل نجح إلى حد كبير في إعادة طرح الواقع بصيغة فنيّة راقية وجريئة، حيث إحتوى على قدر كبير من الجرأة الفكريّة التي لم نألفها في المشهد الدرامي العربي. الأفكار الجريئة التي تمرّ بعقل “ورد” وتعرضها في شكل حوارات ثنائية أو جماعيّة مع أصدقائها، التأريخ لفترة إعتقالها بإعتماد دورتها الشهريّة وغيرها من التفاصيل الّتي يصعب حصرها في هذا المقال.

براعة كاميرا حاتم علي تجلّت كذلك في قدرته المذهلة على نقل “مزاج” المكان إلى المشاهد، حيث أن أجواء الإختناق والقتامة الّتي ميّزت أغلب الأماكن وخاصّة منها “الزنزانة” انتقل إليّ بسهولة كمتابعة وجعل شعورا ما بالإنزعاج يرافقني طيلة أحداث المسلسل…

التعريج على الثورة التونسية في آخر حلقات المسلسل والتعامل معها من قبل أغلب الشخصيات بإعتبارها فرصة للحلم بواقع عربّي أفضل، أثرّت فيّ كتونسيّة وجعلتني أسترجع بمرارة لحظات الثورة الأولى ومارافقها من حلم بوطن عربي مختلف! وطن عربي حرّ! وطن عربي أجمل! لنجد أنفسنا اليوم بين براثن حروب مجنونة ومتوحّشة تنهشنا وتعصف بأجمل مدننا، تقتل الحلم فينا وتجعل أكبر أحلامنا متمثّلة اليوم في أن نظلّ على قيد الحياة…

مازالت بي الرغبة في كتابة المزيد عن المسلسل، أشعر بأنه يحدو بي أن أكتب عنه أكثر؛ غير أن المجال لا يتسّع لأكثر من ذلك. ليس لي إلا أن أقول ختاما أن “قلم حمرة” محاولة درامية عربية جادّة  أرجو أن تتكرّر وتتطور أكثر…

[/et_pb_text][/et_pb_column_inner][/et_pb_row_inner][/et_pb_column][et_pb_column type=”1_4″][et_pb_sidebar admin_label=”Sidebar” orientation=”right” background_layout=”light” area=”sidebar-1″ remove_border=”off”] [/et_pb_sidebar][/et_pb_column][/et_pb_section]

Add a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *