سنية مبارك في المسرح البلدي: سهرة على جناح الحلم…

بقلم: حمزة عمر

helmaرغم أنّه لم يكن بين فقرات العرض خيط رابط يبرّر إطلاق تسمية “حلمة” عليه، فإنّ حفل سنية مبارك يوم السبت 4 جانفي بالمسرح البلدي قد ارتقى إلى مرتبة الحلم الذي لم يؤمّنه تخطيط مسبق ودقيق لهذا الحفل بالذات (كما سبق أن فعلت فنّانتنا في عرض “جولة في المتوسّط” منذ بضع سنوات مثلا) بل ولد من زبد الاختيارات المنتقاة بعناية منذ “أحكيلي عليها”، على شاطئ الأسماع الظمأى لفنّ يعلو بنا فوق صخب الحياة…

وإذا ضربنا صفحا عن مقدّمة المذيعة التي تحيّي “الثورة المجيدة” (وهو من الكلمات التي تذكّرني بعهود أخرى نعتت كذلك بالمجيدة والمباركة والسعيدة) والتي يمكن أن نغفرها باعتبار العرض مبرمجا  ضمن تظاهرة تحمل عنوان “فنون تضيء الثورة” تشرف عليها وزارة الثقافة العتيدة، فإنّ السهرة أوفت بوعودها.

زاوجت سنية مبارك بين قديمها وجديدها، ولم تكن اختياراتها في هذا الحفل قائمة على استهلاك نجاحات عفّى عليها الزمن كما يقوم به البعض. بل أنّها حتّى في أغانيها القديمة لم تمل إلى النمطيّة الممجوجة، فلم تغنّ مثلا “كلمات” منوّر صمادح (عكس ما توقّعه الجمهور في حفل يحيي ذكرى “الثورة”) بل تعاقبت الوطنيات والرومانسيات في شبه انتظام بديع وأشعّت بعض الأغنيات فأخذ نورها بالقلوب. كانت “مرثيّة لوركا” تحفة فنيّة مشت فيها مطربتنا على الخيط الرفيع بين حزن الموت وأمل الحياة وعانقت الآذان سحر الأندلس دون أن تغرق في البكائيات المعهودة عن الفردوس الضائع. وتميّزت أغنية “العشّاق الأربعة”، على بساطة كلماتها، بمنحها المجال لأغلب الآلات الحاضرة لاستعراض قدراتها الفائقة على الإمتاع (من خلال عزف منفرد) وللفنّانة للبرهنة مجدّدا على قدرتها العالية على الإطراب. وأكّدت “أنت نجمة” على أنّ الدارجة التونسية قادرة على استيعاب أجمل الصور الشعريّة دون السقوط في محليّة مستعصية على الفهم، خصوصا إذا احتضنها قالب يعكس أصالة الموسيقى التونسية وقدرتها على التجدّد. وكانت “حي وراسو عالي” هديّة إلى الشهداء تبتعد شيئا ما عن النمطيّة التي تميّز مثل هذا النوع من الأغاني. ومثّلت “أنت بحر” مسك الختام بطابعها الذي يلامس أجواء التصوّف. وأتت سنية مبارك ببدعة حسنة في هذا الحفل، أرجو أن تسري في الوسط الفنّي، من خلال إعلانها قبل بدء كلّ أغنية عن إسم شاعرها، وكأنّها تعلن بذلك أنّه لم تزل “للكلمة كلمتها” وأنّها لم تضع بعد في ضوضاء الإيقاع السريع.

ولم يخل الحفل من بعض هنات كان بالإمكان تداركها. فقد شاب التنسيق بين المطربة والفرقة، وخاصة المجموعة الصوتيّة، بعض الضعف الّذي بدا جليّا خاصة في الأغنية الأخيرة ومن خلال كثرة التفات المطربة إلى الوراء، كأنّها تلقي بالتعليمات أو تراقب حسن تطبيق الأوامر. وغاب عن الفرقة الموسيقية العود، رمز الموسيقى العربية،  ليحضر بدله غيتار ثان (كان هناك غيتاران أحدهما كهربائي) وهو ما بدا غير مبرّر لا سيّما وأنّ صوت الغيتار الكلاسيكي لم يكن بارزا، بل وأنّه لم يقم بعزف منفرد في أغنية “العشّاق الأربعة” عكس بقيّة الآلات الموجودة. كما أنّ الإضاءة كانت تحتاج إلى مزيد الاجتهاد، ففي أوقات العزف المنفرد كان ينبغي تسليط الضوء على العازف، كما أنّ تغيير ألوان الإضاءة بدا في أغلب الأحيان عشوائيا. أمّا الأغنية الافتتاحيّة، فبدت لي أشبه بترجمة لأغنية “حريّة” المعروفة إلى اللهجة التونسيّة، دون أن تداني “حريّة” الدارجة “حريّة” الفصحى.

وإجمالا، فقد أكّدت سنية مبارك من خلال هذا الحفل أنّها فنّانة من طينة أخرى، ترفض الإذعان للسائد وتصرّ على نحت طريقها بيديها وتختار أغانيها بعناية الصائغ الماهر. ولعلّ ما يمنع فنّانتنا من تحقيق ما تستحقّه من انتشار لا يكمن في المستوى الفنّي بل في مستوى التواصل مع الجمهور ومع وسائل الإعلام. فالحضور الجماهيري كان دون مستوى الحدث، ولعلّ في نقص الدعاية أثرا في ذلك.

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights