القضاء العدلي في مشروع مسودة الدستور*

بقلم: سمر الجعيدي

 

إن الله مع القاسم حين يقسم ومع القاضي حين يقضي [1] ….

 

 

magistratsيعرّف القضاء لغة بكونه إحكام الشّيء وإمضائه والفراغ منه[2]. أمّا اصطلاحا، فهو فصل الخصومات وقطع النّزاعات[3]. فالقضاء، إذن، هو الجهة التي تختصّ بفضّ المنازعات بمقتضى القانون بغض النّظر عن الأطراف[4]. والقضاء أيضا هو أساس بناء الدولة التي أركانها العدل والسلم والنظام،  فلا يكتمل بناء الدولة إلا بإرساء القضاء عمادا لها ولا تكتمل كتابة الدستور، باعتبار أن الدستور هو مجموعة الحقوق الأساسية والحريات العامة للأفراد ومن جهة أخرى مجموعة القواعد القانونية التي يضعها صاحب السيادة  تنظيما للعلاقات بين الحكام والمحكومين وتعبيرا عن إرادته في إقامة الدولة على أساسها[5]، إلا متى تضمن نصّه أسس القضاء الذي نريد ….و لكن أي قضاء نريد؟

إن البناء ليس بالأمر الهين إن كان الموروث أثقل مما يمكن أن يحمله حلم بناء قضاء يؤسس لدولة القانون وكان الواقع أشد وطأة مما يمكن أن تتحمله إرادة الإصلاح الفعلية.  وهنا تكمن أهمية تناول القضاء في إطار مشروع الدستور المؤرخ في غرة جوان 2013 …فمتى كان البناء الدستوري حسنا، كان البناء القضائي مستقبلا محكما عمليا وعلميا. و إن كان التنظيم القضائي محكما شاعت الطمأنينة في النفوس وأمن الناس في معاملاتهم [6].

إلا أن تناول مشروع الدستور للقضاء يختلف باختلاف الفرع الذي سيتم تناوله. إذ يختص البناء الهيكلي للقضاء في اطار مشروع دستور غرة جوان 2013 بالتمييز بين كل من القضاء العدلي والإداري والمالي والعسكري حسب معيار الاختصاص:

فالقضاء الاداري يختص في تجاوز الادارة سلطتها وفي النزاعات الناشئة عن المسؤولية الادارية ويمارس وظيفة استشارية طبق القانون[7]. والقضاء المالي يختص بمراقبة حسن التصرف بالمال العام وفقا لمبادئ الشرعية والنجاعة والشفافية ويقضي في محاسبات المحاسبين العموميين وتقييم طرق التصرف وزجر الاخطاء المتعلقة به ويساعد السلطة التشريعية والتنفيذية على رقابة تنفيذ قوانين المالية وغلق الميزانية[8]، في حين أن القضاء العسكري يختص حصرا في الجرائم العسكرية[9].

أما القضاء العدلي فلم يورد له نص مشروع الدستور تحديدا لاختصاصه. وهو ما يجعله حتما المختص في كل ما لا يخرج عنه صراحة. وهو ما يجعل تبعا لذلك محاكم  القضاء العدلي تكيف كمحاكم الحق العام لولايتها على كل النزاعات عدا ما اسند لغيرها بمقتضى نص خاص[10]. ومن هنا يمكن تبيان أهمية القضاء العدلي نظريا لا في مشروع الدستور بصفة خاصة بل ضمن ركائز دولة القانون بصفة عامة. إضافة إلى ما سبق ومن ناحية عملية، تكمن أهمية القضاء العدلي باعتباره الأقرب إلى فكر المواطن والمضطلع فعليا بالنسبة الأكبر من النزاعات، فضلا عن أن البناء القضائي العدلي تميز فيما سبق وتحت ظل دستور غرّة جوان 1959 في إطار الجمهورية الاولى بضعف بنيانه كضعف القواعد التنظيمية التي لازالت تحكمه في انتظار الدستور الجديد.

فأي قضاء عدلي يؤسس له مشروع دستور غرة جوان 2013؟

يمكن دراسة القضاء العدلي كما يؤسس له مشروع الدستور من جهة اولى من خلال ابراز تنظيمه الهيكلي( 1)، قبل ابراز تنظيمه الوظيفي من جهة ثانية(2).

 

 1-              التنظيم الهيكلي للقضاء العدلي حسب مشروع الدستور المؤرخ في غرة جوان 2013

يعد الهيكل حتما الدعامة التي تمنح القضاء العدلي الثبات اللازم حتى يضطلع بمهامه. ويختلف التنظيم الهيكلي عموما باختلاف الغاية المرجوة من المؤسسة موضوع التنظيم: فاختيار تركيبة محددة ليس عملا اعتباطيا لا يخضع لاعتبارات عملية، بل هو انعكاس للدور الموكول للقضاء العدلي كما هو انعكاس للوزن القانوني والفعلي الذي يحتله القضاء العدلي كجزء من كيان دولة القانون المنشود بناءها وكعنصر لا يقوم دونه القضاء سلطة مستقلة. وفي إطار تحديد كيفية هيكلة القضاء العدلي ضمن فصول مشروع الدستور المؤرخ في غرة جوان 2013 يجب التمييز بين الهيكلة الداخلية للقضاء العدلي عن الهيكلة الخارجية له.

يقصد بالهيكلة الخارجية للقضاء العدلي مكانة مؤسسات القضاء العدلي إلى جانب غيره من السلط المؤسسة للدولة كمكانته الى جانب مؤسسات فروع القضاء الاخرى. بقراءة متظافرة لفصول مشروع دستور الجمهورية التونسية وتحديدا الباب الخامس منه، يتضح أنه يسيّر القضاء العدلي مجلس خاص أو هيئة إدارية هي المختصة كما أكده الفصل 111 من مشروع الدستور في النظر في المسار المهني للقضاة الراجعين لها بالنظر كالنظر في تأديبهم.

و يشمل المسار المهني نظريا كل ما يتعلق بالسير الوظيفي العادي للقاضي العدلي في كل المراحل التي يتعرض لها هذا الأخير خلال أدائه لوظيفه بدءا من انتدابه الى تقاعده. إلا أن تسمية القضاة حسب ما يضمنه الفصل 103 من ذات المشروع تكون بأمر رئاسي بناء على رأي مطابق للمجلس الأعلى للقضاء وهو الهيئة المتكونة من الهياكل الثلاث للمجالس القضائية إضافة الى هيئة المجالس القضائية وبغض النظر عن عدم وضوح تركيبة المجلس الأعلى للقضاء، فإن الاختصاصات الموكولة لمجلس القضاء العدلي لا تشمل مرحلة ترسيم القاضي العدلي أو تسميته طالما أن الاستشارة الوجوبية موكولة للمجلس الأعلى للقضاء. هو ما يجعل صياغة الفصل المحدد لاختصاص المجلس الأعلى للقضاء غير بيّنة وهو ما قد يوقع في اللبس أثناء التطبيق.

إن استبعاد المجلس القضائي العدلي من تسمية القضاة يجعل الاختصاصات الموكولة له تنحصر في السهر على إعداد الحركة القضائية والتي تتمثل في إعادة توزيع القضاة على مختلف المحاكم بالجمهورية كإعادة توزيع الخطط الوظيفية ضمانا لحسن سير العمل وسدا لما قد يطرأ من شغورات. فيكون المجلس القضائي العدلي هو صاحب الكلمة الفصل في الارتقاء الوظيفي للقضاة الراجعين له بالنظر. فيحدد  تدرجهم الوظيفي وارتقائهم في الخطط المتاحة.

ويضبط الفصل 104 من مشروع الدستور مبدأ فيصلا في كيفية ممارسة المجلس القضائي لمهامه المذكورة أعلاه ألا هو عدم نقل القاضي إلا برضاه . وتبدو صياغة هذا المبدأ التي لا تقبل الاستثناء صياغة مثالية قد تستجيب إلى تطلعات القضاة إلا أنها لا تستجيب عمليا للحاجات التي يمكن أن تعطل سير عمل القضاء من وجوب سد شغورات معينة أو إحداث خطط محددة. فالمبدأ إن كان مطلقا لا يعرف استثناءات ظل مبدأ نظريا لا يتماشى وواقع العمل. أو ليست حاجة المتقاضين لقضاء جيد أهم من حاجة القاضي للاستقرار؟

إن المتأمل فيما سبق بسطه من مشاريع فصول تحدد هيكليا كيفية تسيير القضاء العدلي قد يخال هذا التنظيم محكما. ولكن الملاحظ أنّ المجلس القضائي العدلي، وقياسا عليه بقية المجالس القضائية، يتكون في نصفه من قضاة أغلبهم منتخبون وقضاة معينين بالصفة وفي النصف الباقي من غير القضاة: فأي استقلال للقضاء كما أوجبه الفصل 100 من مشروع الدستور والحال أن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء العدلي تركيبة غير مضبوطة والقضاة المنتخبون أقلية به؟ أو ليس الفصل 100 من المشروع المذكور هو حجر الاساس في بناء سلطة قضائية مستقلة فأي قيمة له وكل الفصول تخالفه؟

إضافة إلى ما سبق، لا يخفى أن مشروع الدستور قد غفل عن تحديد من يسهر على تكوين قضاة المستقبل خاصة وأنه كما أكد الفقيه Thierry RENOUX فإن آليات الالتحاق بالقضاء وطبيعة تأهيل القضاة تساهم بطريقة مباشرة أكثر مما يمكن تصوره في تحقيق استقلالية القاضي [11].  فالشروط الأولية لانتداب القضاة وتكوينهم هي الأرضية التي يبنى عليها استقلالية هؤلاء وهي نواة استقلالية السلطة القضائية التي هم عمادها تبعا لذلك.

تحت ظل القانون عدد 80 لسنة 1985 المؤرخ في 11 أوت 1985 والمتعلق بإحداث المعهد الاعلى للقضاء وضبط مهامه فان وزير العدل بمقتضى قرار يضبط شروط المشاركة في مناظرة الدخول للمعهد الأعلى للقضاء، فضلا عن أن تكوين قضاة المستقبل أو ما اصطلح على تسميتهم بالملحقين القضائيين يسهر عليه المعهد الأعلى للقضاء والذي تم إحداثه إثر حل جمعية القضاة الشبان [12].

إن المعهد الاعلى للقضاء باعتباره الخطوة الاولى نحو المسار المهني للقاضي يجب أن يكرس الصلاحية المهنية للقاضي وذلك بتلقيه تكوينا خاصا علميا ومهنيا وجبله على الاستقلال والحياد، والحال أن المشروع الحالي بإغفاله عن ذكر تكوين القضاة يبقي على سيطرة السلطة التنفيذية على تكوين هؤلاء. إذ لا يخفى على أحد أن المعهد الأعلى للقضاء هو مؤسسة عمومية تسهر عليه وزارة العدل باعتبارها سلطة الإشراف … لقد أكد المجلس الدستوري الفرنسي في قراره عدد 98-396 المؤرخ في 19 فيفري 1998 على أهمية التكوين والتأهيل مهنيا. وقد أكّدت المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء التي تبنّاها المؤتمر السابع للأمم المتّحدة حول الوقاية من الجريمة ومعاملة المنحرفين المنعقد بميلانو سنة 1985 على الترابط بين تكوين القضاة واستقلالهم، وقد صادقت الجمعيّة العامة للأمم المتّحدة على هذه المبادئ بمقتضى القرارين 40/32 و40/146 لسنة 1985 [13]. فأي قضاء مستقل كما أوجبه الفصل 100 من مشروع الدستور دون السهر على حسن تكوين القضاة؟ فيتجه إذن توسيع اختصاصات المجلس القضائي العدلي ليشمل تكونين القضاة وانتدابهم وإلا فلا حاجة لمجلس قضائي وجوده في المسيرة المهنية للقاضي موسمي يقتصر على اعداد الحركة القضائية.

فضلا عما سبق، فإن النظام التأديبي الذي يمثل مجموعة الإجراءات المترتبة عن الاخلال بواجب وظيفي معين والتي تنتهي بتوقيع جزاء تأديبي من قبل السلطة المختصة[14] والذي يخضع له القضاة لم يتم بيانه بصفة جلية في إطار مشروع الدستور. إذ سبقت الاشارة ضمن مشروع الفصل 104 أنه لا يعزل القاضي كما لا يمكن إيقافه عن العمل أو اعفاؤه أو تسليط عقوبة عليه إلا في الحالات وطبق الضمانات التي يضبطها القانون وبموجب قرار معلل من المجلس الأعلى للقضاء، في حين أن الفصل 111 كما سبقت الإشارة إليه ينص على أنه تختص المجالس القضائية بتأديب القضاة الراجعين لها بالنظر وهو ما يجعل الاختصاص التأديبي غير بيّن لمن يرجع تحديدا ومن يسهر فعليا على حسن تطبيقه؟

كذلك تبدو ملامح الهيكلة الخارجية للقضاء العدلي. أما فيما يتعلق بالهيكلة الداخلية، فقد نص الفصل 112 من الفرع الثاني المتعلق حصرا بالقضاء العدلي على أنه يتكون القضاء العدلي من محكمة تعقيب ومن محاكم درجة ثانية ومحاكم درجة أولى.

تعرف محكمة التعقيب وهي المحكمة المحدثة بمقتضى الأمر المؤرخ في 13 اوت 1956 الذي حدد تركيبتها ومهامها بكونها محكمة القانون. فهي تراقب حسن تطبيق القانون وتعمل على توحيد فهمه. وهي ليست إذن درجة ثالثة من درجات التقاضي[15]. وهو ما يمكن استنتاجه من خلال مشروع الفصل المذكور.

تعد محكمة التعقيب تقريرا سنويا تحيله إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس نواب الشعب ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء ويتم نشره، فما الغاية من هذا التقرير وما هو محتواه؟ إن التنصيص على إعداد محكمة التعقيب لتقرير سنوي حول القضاء العدلي يمنحها الى جانب دورها القضائي دورا استقصائيا. ما الغاية من هذا التقرير ثم أو لم يكن من الافضل جعل كل مجلس قضائي يعد تقريرا حول سير العمل القضائي في الفرع الراجع له بالنظر؟ أم أن الهدف هو إفراغ مؤسسة مجلس القضاء العدلي من دورها؟

إضافة إلى ما سبق، فإن محكمة التعقيب هي توجد تبعا لما بينه الفصل 112 موضوع الدرس إلى جانب محاكم درجة ثانية ومحاكم درجة أولى. ومحاكم الدرجة الأولى في التنظيم المؤسساتي القضائي العدلي هي محكمة الناحية والتي ضبط اختصاصها الفصل 39 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية والمحكمة الابتدائية ذات الاختصاص الشامل حسب الفصل 40 من نفس المجلّة. أما محاكم الدرجة الثانية، فهي محكمة الاستئناف.

 ويكرس هذا التنظيم الهيكلي للمؤسسات القضائية العدلية عمليا مبدأ التقاضي على درجتين. إلا أنه لا مكان للمحكمة العقارية في مشروع الدستور وهذا الغياب الذي قد يبرره البعض بأنه تم ذكرها ضمنيا ضمن محاكم الدرجة الاولى والثانية والواردة بعبارات عامة تشمل المحكمة العقارية. إلا أن المحكمة العقارية هي محكمة مختصة غير تابعة لمحاكم درجة معينة بل هي ذات اختصاص معين وإجراءات خاصة فإغفال الحديث عنها في الدستور لا يمكن إلا أن يضعف تماسك البناء القانوني لمؤسسات القضاء العدلي باعتبار دورها الهام في منظومة العدالة.

2-              التنظيم الوظيفي للقضاء العدلي حسب مشروع دستور 1 جوان 2013

يشمل التنظيم الوظيفي كل ما من شانه ان يحدد كيفية ممارسة الاختصاصات الموكولة للقضاء العدلي[16]. وتختلف كيفية تنظيم القضاء العدلي وظيفيا باختلاف التصور الفعلي لاستقلال القضاء الذي يكرسه الدستور ضمن فصول المشروع المؤرخ في غرة جوان 2013. إن المتأمل في نص مشروع الدستور موضوع الدراسة يجد ان الفصول المنظمة وظيفيا لا تقتصر فقط على ما ورد بالباب الخامس منه المتعلق صراحة بالقضاء، بل تشمل أيضا الفصول الواردة بالباب الثاني المتعلق بالحقوق والحريات. إن التنظيم الوظيفي للقضاء العدلي لا يقتصر على تنظيم الوظائف الموكولة للقضاة العدليين بل يشمل أيضا تنظيم حقوق المتقاضي أمام القضاء العدلي.

فيما يتعلق بتنظيم الوظائف الموكولة للقضاة العدليين، نصت الفقرة الثانية من الفصل 112 من مشروع مسودة الدستور الواردة بالفرع المتعلق بالقضاء العدلي على أن النيابة العمومية جزء من القضاء العدلي وتشملها الضمانات المكفولة له. ويمارس قضاة النيابة العمومية مهامهم في إطار السياسية الجزائية للدولة طبق الإجراءات التي يضبطها القانون (بالمقارنة مع المسودة الاولى التي خصصت للنيابة العمومية الفصل 114 والذي تضمن ان النيابة العمومية جزء من القضاء العدلي) . تشمل الضمانات المكفولة للقضاة العدليين قضاة الحكم وقضاة النيابة العمومية ويمارس أعضاء النيابة العمومية مهامهم طبق القانون والإجراءات القانونية. فكيف تبرز النيابة العمومية على ضوء أحكام مشروع الدستور المؤرخ في غرة جوان 2013؟

لم يعرف المشرع النيابة العمومية، إلا أن القرار التعقيبي عدد 9153 المؤرخ في 27 اكتوبر 1953 أوضح أن جميع الحكام بالعدلية التونسية يعينون بأوامر علية وأن هاته الاوامر تصدر بولايتهم بصفة حكام، ثم يكلف بعضهم بالنيابة العمومية وبعضهم بالتحقيق وهذا التكليف لا ينفي عنهم صفة حاكم، ولا يمنعهم من مد يد المساعدة لزملائهم الحكام الجالسين لإتمام هيئة المجلس، كلما مست الحاجة لذلك.لا جدال تبعا لما سبق بيانه أن قضاة النيابة العمومية هم قضاة ويحدد الفصل 20 من مجلة الإجراءات الجزائية دورهم بكون النيابة العمومية تثير الدعوى العمومية وتمارسها كما تطلب تطبيق القانون وتتولى تنفيذ الأحكام.

و تخضع النيابة العمومية حسب المنظومة القانونية الحالية إلى سلم تفاضلي ويأتي وزير العدل في أعلى هذا السلم[17]. ويمارس هذا الخضوع عمليا وفق ما بيّنه صراحة الفصل 21 من مجلة الإجراءات الجزائية بأنه على النيابة العمومية أن تقدم طلبات كتابية طبقا للتعليمات التي تعطى لها وحسب الشروط الواردة بالفصل 23 من ذات المجلة والذي ينص على أنه لكاتب الدولة للعدل ان يبلغ إلى الوكيل العام للجمهورية الجرائم التي يحصل له بها العلم وأن يأذن بإجراء التتبعات سواء بنفسه أو بواسطة من يكلفه أو أن يقدم إلى المحكمة المختصة الملحوظات الكتابية التي يرى كاتب الدولة للعدل من المناسب تقديمها.

إن خضوع قضاة النيابة العمومية لسلطة وزير العدل وفق ما سبق تبيانه وحسب ما تتضمنه فعليا المنظومة القانونية يكتسي طابعا إجرائيا إلا أن سير العمل اقتضى أن هذا التدخل عمليا له طابع آخر يشمل توجيه الأحكام كتوجيه الإجراءات تحت غطاء ما اصطلح على تسميته التعليمات. مثلت هذه التعليمات في الغابر أداة سيطرة السلطة التنفيذية على القضاء العدلي والأساس في خرق استقلال القضاء والقضاة فكيف تعامل معها مشروع مسودة الدستور؟

بالعودة إلى المسودة الاولى وفق ما سبق ذكره يتضح أن المجلس الوطني التأسيسي حاول وضع إطار قانوني لعمل النيابة العمومية إلا أنه تراجع في إطار المشروع النهائي وأعاد تكريس ما سمي ” السياسة الجزائية العامة” فكأن الطبع قد غلب التطبع …فما هي هذه السياسة الجزائية العامة ؟

لقد تضمن مشروع الدستور المؤرخ في غرة جوان 2013 تحديدا للسياسة الجزائية العامة كضابط لممارسة النيابة العمومية مهامها ..إلا أنه لم يحدد من يحدد هذه السياسة ؟ أو ليست السلطة التنفيذية؟ إن التنصيص المذكور يمثل إبقاء صريحا على منظومة التعليمات بالإبقاء على ضرورة الاستجابة للسياسة الجزائية العامة وفيه ايضا إبقاء لسلطة وزير العدل ومنه السلطة التنفيذية على القضاء. كما أنّ فيه إدخالا لمفهوم قانوني ضبابي جديد يضاف إلى النظام العام والأخلاق الحميدة فباسم السياسة الجزائية العامة ستحدد الجرائم التي سيقع تتبعها فهل تسهر النيابة العمومية على تطبيق القانون أم تسهر على تكريس السياسة الجزائية العامة؟

فأي استقلال لقضاء تخضع فيه النيابة العمومية بمقتضى الدستور للتعليمات؟ وأي دستور يكفل الفصل بين السلطات وهو يكرّس ممارسة أضعفت كيان دولة القانون؟ أو لم يرسل عمر بن الخطاب قائلا لمعاوية ابن ابي سفيان حين ولي ولاية فلسطين وتولى عبادة بن الصامت القضاء ” لا إمرة لك على عبادة” .أفلا إمرة للسلطة التنفيذية على النيابة العمومية تحت ظل الدستور الجديد أم أنه لا إرادة فعلية للإصلاح ؟

إضافة إلى ما ذكر أعلاه من تنظيم للوظائف الموكولة بمقتضى الدستور للقضاء العدلي، فقد تضمن مشروع الدستور تنصيصا على ضمانات تتعلق بأسس المحاكمة العادلة وردت بباب الحقوق والحريات كما وردت بالفصل 105 من مشروع الدستور.إذ نصّ مشروع الدستور على تكريس أسس المحاكمة العادلة بصفة عامة وصريحة إضافة إلى التنصيص على حق المتقاضي في الحصول على حقه في أجل معقول وعلى مساواة المتقاضين أمام القضاء وضمان حق الدفاع وحق الولوج الى القضاء مع تحديد علنية الجلسات إلا إذا اقتضى القانون خلافه. فضلا عن تكريس الفصل 26  لقرينة براءة المتهم  إذ أنّ المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة تكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة  وتحديد الفصل 27 لشخصية العقوبة ولا تكون إلا بمقتضى نص قانوني سابق الوضع عدا حالة النص الأرفق بالمتهم والفصل 28 الذي ينص على عدم إمكان إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة له وله أن ينيب محاميا وتحدد مدة الاحتفاظ والإيقاف بقانون

خاتمة

هكذا تبدو ملامح القضاء العدلي على ضوء أحكام مشروع الدستور المؤرخ في غرة جوان 2013. إن التأمل في أولى هذه الملامح، قد يبين من ناحية تحسن المنظومة المتعلقة بحق المتهم في محاكمة عادلة بكل ما تعرفه من شروط. إلا أن  هذا التحسن لا يشمل أيضا ركائز القضاء العدلي المؤسساتي وضمانات استقلاله هيكليا ووظيفيا. او ليست أولى شروط قيام دولة القانون ان يحكمها قانون؟ أو ليست الغاية من وضع دستور يؤسس لجمهورية ثانية تكريس القانون الأمثل والمحكم البنيان؟ أو ليس الدستور هو حجر الزاوية في البناء القانوني فأي تماسك ووحدة في هذا البناء والدستور يحمل كل هذه التناقضات؟

لا شك أن استقلالية القضاء وضمان حقوق القاضي هي الإطار الواجب توفيره حتى يتحقق العدل وتردّ الحقوق إلى أصحابها. وهذا الأمر ليس مطلب طرف دون الآخر ولا حكرا لمن يحملون لواء بناء الجمهورية الثانية ولا حتى موضوع متاجرة سياسية لمن يحملون لواء الوصاية على القضاء له بل إن استقلال القضاء هو مطلب شعبي اعتمد لتحقيقه أساليب عنيفة وغير قانونية في بعض الأحيان من طرد قضاة وتظاهرات تنادي بتطهير القضاء واستقلاله. أي مسؤولية تحملنا إياها الأجيال القادمة إن تناسينا يوما ان القضاء هو ميزان العدالة وبيده إحقاق الحقّ[18]؟ وأخيرا ورغم أهمية رسم معالم دولة القانون من خلال تكريس فعلي لاستقلال القضاء فإن ذلك لا يكفي إذا لم تتوفر إرادة صادقة لدى القضاة أنفسهم في القطع مع الماضي والحاضر حتى لا يبقى القضاء العدلي خصوصا والقضاء بكل فروعه عموما رجلا سفيها لا يحسن التصرف في ماله.


الهوامش

 *مداخلة فدّمت في مائدة مستديرة حول “القضاء في مسودة الدستور” 2 جويلية 2013

[1] حديث نبوي، رواه عمر بن الأسود عن أبي أيوب الأنصاري.

[2]عادل بن محمد جبر أحمد الشّريف، حماية القاضي وضمانات نزاهته: دراسة مقارنة (بين الفقه الإسلاميّ وقانون المرافعات المدنيّة) وفقا لأحدث التعديلات بالقانون رقم 142 لسنة 2006 وقوانين السلطة القضائيّة، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندريّة، 2008، ص. 10.

[3]المرجع المذكور أعلاه، ص. 18.

[4]نجيب أحمد عبد الله، ضمانات استقلاليّة القضاء: دراسة مقارنة بالفقه الإسلاميّ والأنظمة الوضعيّة، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2007، ص. 8.

[5]قرار تعقيبي عدد 27971 مؤرخ في 01 جوان 1988: المدعي العام لمحكمة سوسة ضد طاهر بن هادي ومن معه

[6]عادل محمد جبر أحمد الشريف، المرجع المذكور سابقا، ص. 21.

[7]الفصل 113 من مشروع دستور المؤرخ في غرة جوان 2013

[8]الفصل 114 من المشروع المذكور أعلاه

[9] الفصل 107 من المشروع المذكور أعلاه

[10]نور الدين الغزواني، التعليق على قانون المرافعات المدنية والتجارية: الأحكام العامة والاختصاص، تونس، 1996، ص.26

[11]Thierry RENOUX, Le conseil constitutionnel et l’autorité judicaire l’élaboration d’un droit constitutionnel juridictionnel, Economica, Paris , 1984, p. 221

«  Les modalités d’accès à la magistrature, le nombre et le niveau de qualification des magistrats concourent d’une façon plus directe qu’on pourrait légitimement le penser à assurer l’indépendance de l’activité judicaire »

[12]وحيد الفرشيشي، “التجمعات القضائية في تونس”، في مؤلّف جماعي: حين تجمّع القضاة، دار صادر، بيروت، ص 230 وما يليها

[13] “Principes fondamentaux relatifs à l’indépendance de la magistrature” , Disponible sur: <http://www2.ohchr.org/french/law/magistrature.htm>

[14]محي الدين الحمزاوي، النظام التأديبي للموظف ، مذكرة للاحراز على شهادة ماجيستير في قانون البيئة والتعمير، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2005-2006- ص.3

[15]أحمد الجندوبي وحسين بن سليمة، أصول المرافعات المدنية والتجارية، تونس، 2005، ص 42 -43

[16]انظر :

Myriam Zarrouk, Les Conseils supérieurs de la magistrature et des juridictions du Conseil d’Etat, mémoire, Faculté des sciences juridiques, politiques et sociales de Tunis, 1996, p. 64.

[17]أحمد الجندوبي والحسين بن سليمة، المرجع سابق الذكر، ص. 71

[18] عيسى بيرم، الحريّات العامّة وحقوق الإنسان بين النص والواقع، دار المنهل اللبناني، بيروت، 1998. ، ص. 200. 

Pin It on Pinterest

Share This