حق شعوب دول الربيع العربي في مجابهة ظاهرة الإفلات من العقاب و المحاسبة: قضيّة برّاكة السّاحل91 في تونس أنموذجا*

المصدر: almasdar.tn
الصورة من موقع: almasdar.tn

 عاشت تونس منذ استقلالها ( 1956 ) حقبة طويلة اتسمت بغياب الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان اعتمد نظام الحكم خلالها سياسة ممنهجة لتخويف التونسيين وإبعادهم عن الشأن العام الوطني وتدجينهم وإغراقهم في هموم لقمة العيش لا غير، وأحكم سيطرته على كل مناحي الحياة وسخرت لذلك كل أجهزة الدولة من قضاء وإعلام وأمن وإدارة فضلا عن أجهزة الحزب الحاكم..

فكانت الحصيلة دامية وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة جسيمة ..اغتيالا وتنكيلا وتعذيبا وسجنا وتجويعا وتهجيرا وتجفيفا للمنابع ومراقبة إدارية وإقامة جبرية..وغيرها من ضروب المعاملة القاسية  المهينة و اللاإنسانية والتي تعتبر انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي ولجميع المعاهدات والبروتوكولات التي صادقت عليها الدولة التونسية. وقد طالت آلة القمع جميع التيارات الفكرية والسياسية والنقابية والمدافعين عن حقوق الإنسان..وحتى مؤسسات الدولة السيادية..

 فقد هزت تونس في الأشهر الأولى من الثورة التونسية المباركة، ثورة الحرية والكرامة، قضية تعذيب فريدة من نوعها تعرض لها المئات من العسكريين في بداية التسعينات واتهم فيها وزراء وقيادات عسكرية وأمنية عليا..
ما هو مثير في هذه القضية التي تدعى بقضية براكة الساحل 91  والتي تناولها القضاء العسكري بالتحقيق والحكم، ليس فقط عدد القضايا المثارة  والمنشورة، وكذلك ارتكاب بعضها داخل مباني ودهاليز وزارة الداخلية التي تغاضت بدورها عن التحقيق فيها، بل أيضا في أن كشفها جاء بعد نحو عشرين عاما من بدء وقوعها، وبعد ثلاثة أشهر من تأسيس جمعية أسسها هؤلاء العسكريون الضحايا تدعى جمعية إنصاف قدماء العسكريين والتي أخذت على عاتقها كشف الحقيقة حول ظروف وملابسات هذه القضية اللغز وملاحقة مقترفيها قانونيا.. وإنصاف ضحاياها الذين يعدّون بالمئات..
ما حصل هو أن القيادة العسكرية العليا في تسعينات القرن الماضي تخلت عن مسؤوليتها القانونية والأخلاقية وسلّمت أبنائها للتعذيب في سابقة خطيرة في تاريخ الجيوش إذ تعرض خلالها نحو 244 عسكري من مختلف الرتب والأصناف إلى حالات انتهاكات جسيمة واعتداءات وحشية ممنهجة.. إضافة إلى حالات عديدة أخرى لم يجري التحقيق فيها.. منها قضايا تتعلق بالموت تحت التعذيب التي لم تبدأ بعد التحقيقات بشأنها.. خاصة مع احتمال تورط مسئولين كبار من ” أمن الدولة ” ومن وزراء الحزب الحاكم المنحل.

سيناريو المؤامرة المزعومة يتمثل أنه في الأشهر الأولى من سنة 1991 ، شهد الجيش التونسي أكبر عملية تحجيم في تاريخه خطط لها الرئيس المخلوع (1) ونفذها وزير الدولة وزير الداخلية آنذاك ومساعدوه في إدارة أمن الدولة. وحسب سيناريو وزارة الداخلية فإن هؤلاء العسكريين قد حضروا اجتماع الإعداد للمؤامرة المزعومة يوم 6 جانفي 1991 بقرية براكة الساحل المجاورة لمدينة الحمامات السّياحية الكائنة بالوطن القبلي.

ولم تكن العملية ممكنة لولا تواطأ وزير الدفاع الأسبق(2) والقيادة العسكرية العليا آنذاك المتمثلة في المجلس الأعلى للجيوش (3)..

ولإقناع الرأي العام التونسي والدولي قام وزير الداخلية آنذاك (4) بندوة صحفية يوم 22 ماي 1991 ادعى خلالها عن اكتشاف مؤامرة لقلب نظام الحكم وانتماء أصحابها إلى حركة النهضة المحظورة وتوقيف المتورطين فيها من مدنيين (5)وعسكريين .

تم خلال تلك الفترة إيقاف حوالي 244 عسكري من طرف الإدارة العامة للأمن العسكري ليقع تسليمهم بزيهم فيما بعد إلى المصالح المختصة بإدارة أمن الدولة التي تولت بدورها تجريدهم من أزيائهم العسكرية وإخضاعهم للتعذيب الشنيع قصد انتزاع اعترافات وهمية حول انتمائهم إلى حركة النهضة المحظورة آنذاك وقيامهم بمحاولة لقلب نظام الحكم.

ومثّلت تلك التجاوزات بما احتوت عليه من تعذيب وتعذيب حتى الموت (6) انتهاكا صارخا للحق في الحياة ولكرامة العسكريين الأبرياء وللمؤسسة العسكرية ككل..

وتتكون مجموعة عسكريي براكة الساحل من : 25 ضابط سامي، 88 ضابط ميدان، 82 ضابط صف ، و 49 رجل جيش حسب القائمة الأولية التي ضبطتها المؤسسة العسكرية..وتعتبر هذه المجموعة ( 244) من نخبة الجيش التونسي من حيث الكفاءة والانضباط والالتزام وخاصة منهم الضباط الذين تلقوا تعليمهم العالي في أشهر الكليات العسكرية بتونس وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكانوا يشغلون خططا ووظائف قيادية وتكوينية هامة عند اعتقالهم..

وكان من النتائج المدمرة لهذه المظلمة بعد مسلسل الاعتقالات والتوقيف الممنهج والتعذيب من طرف البوليس السياسي سجن 93 عسكريا من مختلف الرتب مثلوا أمام القضاء العسكري وهم أبرياء بغرض الإبقاء على فرضية المؤامرة قائمة أمام الرأي العام المحلي والدولي والتستر على محاكمتهم بسبب التزامهم بواجباتهم الدينية. وصدرت في شأنهم أحكاما صارمة بالسجن تراوحت بين 3 سنوات و16 سنة لتهم ملفّقة. وقد بلغت جملة سنوات السجن المقضاة من طرف هؤلاء الضحايا 384 سنة. وتمّ طردهم بعد فترة السجن بدون حقوق .. كذلك تم إطلاق سراح البقية الباقية وهم 147 بعدما تعرضوا لقرابة الشهرين من التوقيف لشتى أنواع التعذيب والتنكيل تفوق في فضاعتها ما جرى في سجون قوانتنامو بكوبا، وسجون أبوغريب بالعراق.. وتمّ طردهم من الحياة العسكرية ومطاردتهم في الحياة المدنية وبدون حقوق كذلك . .

وتتجلى معاناتهم بعد الإقصاء والتهميش في المراقبة الإدارية اليومية والبوليسية اللصيقة والمستمرة لمنعهم من العمل يعني تجويعهم وقطع أرزاقهم ، وعدم تمكينهم من العلاج داخل المؤسسات الصحية العسكرية ومنعهم من السفر إلى الخارج بسحب جوازات سفرهم  وأوراقهم الثبوتية..

وقد رافق مظلمة براكة الساحل تعتيم كلّي فرضه عليها النظام الاستبدادي السابق لأكثر من عقدين كاملين، لم يكن بإمكان الضحايا خلالها التظلّم لدى المحاكم التونسية ولا التشكي لدى الهيئات الدولية . وقد زادت حدة المظلمة بفعل هذا التعتيم إذ لم يكن الرأي العام التونسي والدولي مطلعا على القضية باستثناء ما كتبه المناضل الحقوقي الدكتور أحمد المناعي في كتاب “عذاب تونسي: الحديقة الخلفية للجنرال بن علي” (7)، ومناضلي المجلس الوطني للحريات بتونس(8)  الذين أعدوا تقريرا حول الانتهاكات التي تعرض لها أفراد المجموعة أثناء توقيفهم والتجاوزات التي شهدتها محاكماتهم الجائرة ومجالس التأديب الصورية التي أطردت بموجبها عسكريين برأتهم المحاكم والأبحاث والتحقيقات العدلية الأولية..أطلقوا عليه عنوان ” المحاكمة المنعرج ..انتصاب المحكمة العسكرية ببوشوشة وباب سعدون صائفة 1992 “.

      ثمة مسألة جوهرية هنا تتجاوز فضيحة التسليم والتواطؤ والتعذيب والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان.. في قضية براكة الساحل 91، لتصب في صلب موضوع تحقيق العدالة ورد الاعتبار واسترداد الحقوق بعد الثورة وفي إطار مسار العدالة الانتقالية، وبالذات ضرورة ألّا يفلت احد من العقاب عن جريمة ارتكبها أو التفصّي من مسؤوليتها، مهما تكن الجريمة ومهما يطل الزمن، وهي قضية تطرح نفسها بشدّة اليوم في بلدنا وفي بلدان الربيع العربي التي تمر بتجارب المراحل الانتقالية في فترات ما بعد الثورات التي أطاحت بأنظمة الفساد والاستبداد والجرائم التي ارتكبت تحت سلطتها. وما تثيره التحقيقات في قضية وزيري الدفاع  ووزير الداخلية في بداية التسعينات من القرن الماضي ومن لف لفهم من القيادات الأمنية (9) والعسكرية.. هو أنه لا ينبغي أبدا أن يكون التقادم، ولا طبيعة الأشخاص المتورطين سببا في إغفال النظر في الجرائم والانتهاكات، حتى ولو كان الأمر يقتصر على مجرد تسليط الضوء على الجريمة وتعرية مرتكبيها بغية تحقيق قدر معقول من العدالة للضحايا وللمجتمع، عبر كشف الجريمة ومعالجة الجراح التي ولدتها وتعويض الضحايا ..

إن ممارسات الإفلات من العقاب تتناقض مع الشرائع السماوية وحتى الوضعية وتتناقض مع التعهدات والاتفاقيات  الدولية ومع العدالة الإنسانية ، وبالطبع، فإن هذا الأمر منصوص عليه في الإسلام، والقرآن الكريم يشير إلى ذلك بشكلٍ واضح، إذ تقول الآية الكريمة (10) : (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)، كما أشارت إلى ذلك مبادئ حمورابي المعروفة «العين بالعين، والسن بالسن»، وبالتالي فإن هذه السياسة لم تختلق حديثاً بل كانت موجودة، وأخذت تتبلور بمفهومها الحديث مع تطور الأحداث في العالم.

 وقد بدأت سياسة منع الإفلات من العقاب بعد الحرب العالمية الثانية، حيث شكل الحلفاء المنتصرون محكمة لمحاكمة النازيين الذين تسببوا بالدمار في العالم، ولحقتها محكمة أخرى لمحاكمة اليابانيين الخاسرين في تلك الحرب.

هذه السياسة ترسّخت في المنظومة الحقوقية في العالم، وتركّز على الجرائم التي لا يجوز أن يشملها العفو العام، كالقتل خارج القانون والتعذيب والتطهير العرقي، خصوصاً إذا تمت الانتهاكات بسياسة ممنهجة، ومن قِبل مسئولين في الدول والحكومات. وإن سياسة الإفلات من العقاب لن تؤدي إلاّ لمزيد من الأحقاد وانفلات الأوضاع، وستؤخّر أي حلّ وأية مصالحة وطنية في بلادنا وفي بلدان الربيع العربي، ولا انتقال ديمقراطي بدون عدالة انتقالية..

عندما نؤكد على أهمية تحقيق العدالة الانتقالية، فلا يعني ذلك بالضرورة أن تتحقق وفق عقاب بدني للمتجاوزين، بل يمكن تحقيقه بإقرار الدولة أوالجهة المحددة بما قامت به من انتهاكات، ولدينا تجارب يمكن النظر إليها في هذا الصدد، كتجارب جنوب إفريقيا وتشيلي والأرجنتين وكمبوديا، التي تمّ العفو فيها عمن قاموا بالانتهاكات، بعد إقرار الجهات المعنية بأخطائها.
ما تشير إليه التجربة التاريخية الحديثة أن الإفلات من العقاب هو أكثر شيوعا في البلدان التي تفتقد لتقاليد حكم القانون وانتشار الفساد فيها، أو لأن القضاء ضعيف ومنحاز، أو لأن أجهزة حفظ القانون والنظام تتمتّع بالحماية والحصانة، مما يعني عدم توفر الفرصة أو استحالة جلب المتورطين أمام القضاء. غير أن التجربة أثبتت أيضا أن دولا تشتهر بالديمقراطية وحكم القانون، كالولايات المتحدة وإسرائيل، تشهد هي أيضا حالات من الإفلات من العقاب، خاصة ما يتعلق بأفراد جيوشها وأجهزة مخابراتها عندما يتعلق الأمر بانتهاكات ترتكب في أثناء الحروب والصراعات..
إن أكثر أوجه هذه القضية إيلاما هو ما يسمى بشيوع ثقافة الإفلات من العقاب والتي تعني أن بعض الأفراد في المجتمع يبدؤون بالاقتناع والتصرف بأن بإمكانهم أن يفعلوا ما يريدون دون حساب، أو رقابة، أوم واجهة عواقب القانون لأفعالهم، الأمر الذي يتطلب جهدا معاكسا لمقاومة هذا النوع من الثقافة وتكريس ثقافة بديلة، وهي ثقافة المحاسبة وإتاحة الفرصة للعدالة الانتقالية أن تأخذ مجراها في معاقبة كل من ارتكب جريمة، ومن أعطى الأوامر لتنفيذها، أو حرّض عليها أومن تستّر عليها مهما يطل الوقت أو يقصر. وهذه ليست فقط وظيفة الدولة التي ينبغي عليها العمل على إرساء فلسفة سيادة القانون كقوة لا يمكن تجاوزها أو خرقها من خلال النظام المؤسسي القانوني والأمني والاجتماعي،بل هي أيضا مهمة مجتمعية ينهض بها المواطنون الفعّالون الذين ينبغي أن يستبسلوا في الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم .

    وإذا عدنا إلى جذور فلسفة العدالة الانتقالية فإننا نجدها في تجارب الشعوب التي اختارت النضال السلمي كمنهج لمقاومة الاستعمار أو للنضال ضد النظام الشمولي مثل الذي ابتلينا به نحن في تونس أو بدول الربيع العربي قبل ثورتها، لنتأمل ما قاله غاندي : ” إذا قابلنا الإساءة بالإساءة ، فمتى تنتهي الإساءة ” . هذا التماشي يقابله تمشي أخر مناقض له تماما ويمثله الفيلسوف الألماني ” كانط ” الذي يرى أنه لا بدّ من العدالة المطلقة يعني العدالة للعدالة.

لذلك فقد جاءت العدالة الانتقالية مطالبة بحق الشعوب في مجابهة ظاهرة الإفلات من العقاب عبر تجند المنظمات غير الحكومية والمدافعين عن حقوق الإنسان والحقوقيين والحركات الديمقراطية في سبعينات القرن الماضي من أجل المطالبة بالعفو عن مساجين الرأي ..مرورا بما شهده العالم في أواخر الثمانينات من عدة تحولات ديمقراطية  وإبرام اتفاقيات سلام أنهت وأوقفت النزاعات المسلحة في بعض البلدان ، في هذه المرحلة طرحت ظاهرة الإفلات من العقاب بشكل جدي ومحوري، من زاوية البحث عن معادلة بين منطق نسيان الماضي الأليم والمظلم ، وبين منطق العدالة التي يطالب بها دوما ضحايا هذا الماضي.

إنّ ما توصلت إليه لجنة حقوق الإنسان بمنظمة الأمم المتحدة يؤكد أهمية المسألة وضرورة أنّ : ” الإفلات من العقاب يشجّع تكرار الجرائم ، في حين أن التعويض عن الأضرار المعنوية والمادي يجب أن يشكل حقا لا جدال فيه للمتضررين من انتهاكات الحقوق وذويهم كذلك..إنّ معاقبة المجرمين من شأنها أن تجعل من علوية القانون نموذجا يسود العلاقات الاجتماعية وكذلك ترسّخ في الذاكرة الجماعية الشعبية تجريم الانتهاكات المرتكبة من الدولة ومعاقبة المسئولين عنها كل ذلك من أجل تفادي حصولها مستقبلا.” (لجنة حقوق الإنسان لسنة 1992) .

      وانطلاقا من المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان المنعقد “بفيانا ” سنة 1993 ، تواجد توافق مهمّ حول ضرورة مقاومة الإفلات من العقاب والمحاسبة، وكذلك دراسة جميع جوانب هذه الظاهرة التي تتعارض مع مبدأ احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

ويعرّف مصطلح الإفلات من العقاب في المعجم الفرنسي   : ”  le petit Larousse”  :

« Le fait de ne pas risquer d’être puni , sanctionné »

وتقدّم منظمة العفو الدولية تعريفا لغويا لهذا المصطلح يتمثّل في ” غياب العقاب ” impunité l’ “وفي تعريف أوسع يحيل إلى عدّة جرائم يفلت مرتكبوها من العدالة أولا يحاسبون بجديّة على أفعالهم .

ويمكن تعريف الإفلات من العقاب على أنّه ” الغياب القانوني أو الفعلي لتحميل المسؤولية الجزائية لمرتكبي الخروقات والاعتداءات على حقوق الإنسان، وكذلك مسؤوليتهم المدنية والإدارية .. بحيث لا يتعرضون لأي بحث أو تحقيق يرمي لاتهامهم وإيقافهم ومحاكمتهم ومن ثمّ إدانتهم في صورة ثبوت جرائمهم، وتسليط العقوبات عليهم وما يتبع ذلك من تعويض المتضررين من جرائمهم “.

ويفرّق هذا التعريف بين الإفلات القانوني والإفلات الفعلي من العقاب ، فالإفلات القانوني هو المؤسّس بقوانين والغاية منه حماية بعض أشخاص أو مجموعات أشخاص من كل تحقيق أو تتبع قضائي أو عقاب لأفعال إجرامية قاموا بها سابقا وذلك بغاية وباسم المصلحة الوطنية أومن أجل النبش في الماضي وخشية فتح جراح قديمة من شأنها عرقلة التحول الديمقراطي.

أمّا الإفلات الفعلي فهو يعود إلى ضعف أو فساد المنظومة القضائية، أو لتواصل بقاء النفوذ الأمني ومحافظة البيروقراطية على مواقعها في الإدارة، أو بسبب غياب الإرادة لدى النظام أو الشعب لمواجهة الماضي.

ويطرح موضوع الإفلات من العقاب لدى المجتمعات العربية التي تحرّرت لتوّها من النظام القمعي أو الديكتاتوري في خضم الانتقالي الديمقراطي، اتخاذ التدابير والإجراءات لإلقاء الضوء على الماضي بغاية السماح للمجتمع الجديد للقطع مع الماضي، لتضميد الجراح وللتمهيد لقبول فكرة العفو ولما لا النسيان..ومن هنا برزت ثلاث مدارس واتجاهات:

الأولى : تدعو إلى تجاوز ثقل الماضي بإعلان عفو عام بما في ذلك العفو على كل من عبث بحقوق الإنسان أوار تكب فظاعات وتجنيبهم المحاكمات والعقاب وتمتيعهم ببساطة بمبدأ الإفلات من العقاب.

الثانية : وهي مناقضة تماما للأولى ولمبدأ الإفلات من العقاب ، وهي تطالب بتتبع ومعاقبة كل من كان مسئولا عن الاعتداءات السّافرة على الحقوق والحريات الأساسية ..وإنّ المدافعين عن هذا التوجّه ينتظرون من الحكومة الجديدة الديمقراطية أن تضع مؤسسات تلقي الضوء على الماضي واتخاذ إجراءات في اتجاه المحاسبة والتعويض ، وتجريم الأفعال والتجاوزات الحاصلة، وتقديم المسئولين للقضاء ، والتعويض للضحايا والمتضررين.

الثالثة: توفّق بين المدرستين السابقتين، إذ تلبي مطالب ورغبات المنادين بالعدالة لكن في حدود مرسومة بدعوى المحافظة على الاستقرار السياسي، فهي من ناحية تسعى لضمان المصالحة الوطنية ومن ناحية أخرى لحماية الديمقراطيات الصاعدة من القوى المعادية للديمقراطية يعني قوى الثورة المضادة..

ومن نتائج نشر ثقافة عدم الإفلات من العقاب تفادي تكرار الانتهاكات بتفكيك الأجهزة التابعة للدولة المسئولة عن الانتهاكات، وإلغاء التشريعات والقوانين التي بموجبها ارتكبت الانتهاكات وتغييرها تشريعات تؤسس لنمط حكم ديمقراطي وحوكمة رشيدة ، وإزاحة كبار المسئولين المتورطين في ارتكاب الانتهاكات. وحفظ الذّاكرة باعتبار أن معرفة الشعب لتاريخ اضطهاده هو جزء من تراثه الذي يجب صيانته ، والغاية من ذلك حفظ الذّاكرة الجماعية من ناحية ومن ناحية أخرى عدم ترك أي فرصة لظهور أطروحات تحرّف الواقع أو تبرّره أو تنفيه.

     في قضية تعذيب العسكريين لم يكن ممكنا أبدا فتح الملفات القانونية لولا ثورة 14 جانفي 2011  المباركة ولولا شجاعة الضحايا التي أبدوها أمام وسائل الإعلام ومراكز البحوث والدراسات ليدلوا بشهاداتهم الأليمة (11)عن الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها أثناء تواجدهم بمقرات الاعتقال والسجون، ثم ليفتحوا الطريق أمام العشرات اللذين كسروا حاجز الصمت والخوف وكشفوا عن تجارب مماثلة.

وعلى الدولة في هذه المرحلة الانتقالية الدور الأكبر في الوقت الحالي لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب ، وإذا أردنا تأسيس دولة المؤسسات والقانون ، فيجب تطبيق القانون على الجميع ، والشخصيات الممثّلة للدولة عليها أولوية في تطبيق القانون ، فإذا لم يقم هؤلاء بتطبيق القانون فلن يقدم الآخرون على تطبيقه أو الالتزام به، وإنّ إنهاء سياسة الإفلات من العقاب يتطلّب في الأساس وجود إرادة سياسية للدولة  من ملفّ العدالة الانتقالية ، وأن مشروع العدالة الانتقالية ضمانة لعودة الأمور إلى نصابها . وأنّ الخطورة الأكبر من استمرار ومنهجة الإفلات من العقاب في أنها تؤدي إلى فصل تام بين مؤسسات الدولة وبين مكونات الشعب ..وعندما تفقد الثقة نصل إلى مرحلة من اليأس تصل إلى الثأر والانتقام..لا قدر الله.

وانّ القانون بحد ذاته ليس مقياسا على التراجع أو التقدم في احترام حقوق الإنسان ،إذ لا يمكن أن نضع نصوصا جميلة، وممارسات قبيحة ،وأي قانون يتحدّث عن احترام حقوق الإنسان لا بد أن يقابله ممارسات موازية على الأرض، وبالتالي فإن مشكلتنا في بلادنا العربية ليست في غياب القانون الذي يمنع سياسة الإفلات من العقاب بل في بعض الممارسات الخاطئة التي تغذي هذه السياسة وتنمّيها..

وإن ّمظاهر ترسخ ثقافة الإفلات من العقاب لمنتهكي حقوق الإنسان والمسئولين عن إنفاذ القانون في دول الربيع العربي ، تمّ إدانتها مرارا وتكرارا من قبل الخبراء من المراقبين الدوليين الحقوقيين والقانونيين المدركين للمعايير والممارسات الدولية الصحيحة، وبالدرجة الأولى فإن مظاهر هذه الثقافة اللاإنسانية يلمسها الضحايا وأهاليهم ..وعليه فإن مؤسسات المجتمع المدني عليها أداء دور مهم وأساسي في رفع المعايير الحقوقية باستمرار والتعاون مع الجهات المعنية بالأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية المعنية لتحسين الواقع الحقوقي في بلداننا ، وكذلك وضع مثل هذه الموضوعات المهمة على أجندات العمل السياسي والجمعياتي وإن كان على مدى زمني متوسط أو طويل..

وتوفّر المراحل الانتقالية في بلدان الربيع العربي فرصة كبرى لنبذ الممارسات القديمة لأنّه لا يمكن إعادة بناء الدولة المدمرة بسبب سياسات الأنظمة الاستبدادية الفاسدة إلا عبر تحقيق العدالة ، والتي بدورها لا يمكن إقامتها من خلال إصلاح النظام القضائي فقط دون نبذ كلي لثقافة الإفلات من العقاب وإحلالها بثقافة حكم القانون. وإن ّكل التفاف على المطالب المشروعة لضحايا استبداد الدولة يصيبهم بخيبة أمل ويسحب الثقة من حكومتهم، وقد يدفعهم إلى الاعتقاد بأن الوسائل الحضارية والسلمية عاجزة على إقامة العدل والإنصاف ، وأن الوسيلة الوحيدة المتبقية هي العنف وقد تتحول الرغبة في الانتقام والعدالة خارج إطار القانون .
إذا كانت إقامة حكم القانون تعني القصاص من مجرمي الأمس فإنّها تعني أيضا تكريس مبدأ أساسي وهو عدم السّماح، كواجب أخلاقي وقانوني، تكرار تلك الجرائم والانتهاكات في عهود التغيير والانتقال الديمقراطي، سواء من خلال عمليات الثأر والانتقام، أوعن طريق منح الحكّام الجدد لأنفسهم مرتبة القداسة والحقّ بأن يفعلوا ما يشاءون لمجرّد أنهم أصبحوا سادة في النّظام السياسي الجديد.

* مداخلة قدّمت بمؤتمر: حقوق الإنسان في ظل التغيّرات العربية الراهنة، بيروت، من 5 إلى7 أبريل / نيسان 2013

الهوامش 

1         الرئيس المخلوع والهارب ” الجنرال ” زين العابدين بن علي

2     الوزير الحبيب بولعراس ، الإعلامي والمثقف والكاتب المعروف. بقي على رأس وزارة الدفاع من 20 فيفري 1991 الى 10 أكتوبر 1991 .

3     المجلس الأعلى للجيوش : الجنرال محمد الهادي بن حسين رئيس أركان جيش البر، والجنرال رضا عطار رئيس أكان جيش الطيران ، والأميرال الشاذلي الشريف رئيس أركان جيش البحر ، والجنرال محمد حفيظ فرزة مدير عام الأمن العسكري والجنرال محمد قزقز مدير القضاء العسكري.

4     الوزير عبد الله القلال ( أمين مال حزب التجمع المنحل ّبعد الثورة ) ، الذي اتهم المجموعة وأدانها قبل أن تتم محاكمتها..جريدة الصباح بتاريخ 22 ماي 1991 .علما وأنه تولى وزارة الدفاع من 11 أفريل 1988 الى 20 فيفري 1991 ثم انتقل مباشرة بعدها على رأس وزارة الداخلية لتنفيذ المؤامرة المزعومة بغرض تحجيم الجيش وتجفيف المنابع..

5         أغلب وزراء حزب حركة النهضة حاليا مثل حمادي الجبالي وعلي العريض وعبد اللطيف المكي ..

6         الشهداء : الوكيل عبد العزيز المحواشي والرقيب محمد الناصر الشارني والرقيب الشريف العريضي، قضوا كلهم تحت التعذيب.

7     كتاب : عذاب تونسي ،الحديقة الخلفية للجنرال بن علي، تأليف الدكتور أحمد المناعي ، تقديم جيل بيرو. منشورات لديكوفارت ، باريس 1995 .Supplice Tunisien, le jardin secret du Général Ben Ali, Ahmed  Manai , la découverte Paris 1995

8     رئاسة المرحوم الهاشمي العياري وبمساعدة المناضل الأستاذ عبد الرؤوف العيادي (رئيس حزب وفاء حاليا ) الذي يعدّ من أشد المطالبين بقانون تحصين الثورة ، وأن لا انتقال ديمقراطي بدون عدالة انتقالية يعني مصارحة ، محاسبة ومصالحة.

9         الوزير الحبيب بولعراس ثم الوزير عبد العزيز بن ضياء  من 10 أكتوبر 1991 الى 13 جوان 1996 ، ومدير أمن الدولة عز الدين جنيح ومدير المصالح المختصة محمد علي القنزوعي.

10     سورة البقرة الآية 179

11   شهادة للتاريخ وللتصحيح ، محسن الكعبي ، مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، تونس في 3 أوت 2012

Please follow and like us:
One Comment

اترك رد