الأخلاق والحريّة

ليست الأمور البديهية وحدها هي التي تقود القطعان البشرية. و ليست أهوائهم و تقلباتهم وحدها هي التي تحكم أذواقهم و أرائهم. وليس أخطر على الإنسان من أن ينساق كليا إلى نصفه الحيواني، فيخضع النصف الإنساني السامي إلى ذلك النصف الحيواني.
هذا هو سر حقيقة التصرفات البشرية. و كلما حاول الإنسان ترويض الحيوان الذي بداخله و نجح في ذلك، كلما اقترب البشر أكثر من الإنسان. وكلما اقترب إلى الإنسان أكثر كلما كان أقرب للخلود و الطهارة. و كلما ذهب البشر أبعد عن الإنسان كلما توغل في المادة والهوان.
هل أنّ النسر الذي يحلق شامخا فوق الجبال و فوق السحاب و بين النجوم… حر؟
هل تحقق له أجنحته المفرودة الحرية؟
هذا يتوقف على التعريف المعتمد للحرية. فإذا أخذنا بالتعريف البشري البديهي، فإنّ الحرية تكون فعل ما نريد رغم الحواجز المادية والمعنوية التي قد تصادفنا. و إذا أخذنا بهذا التعريف فان النسر يكون أكثر من يتمتع بالحرية.
و لكن التعريف الإنساني للحرية أسمى من ذلك. فالحرية تعرّف بالأخلاق. إذ أن الحرية هي التي تجعلنا في تصرفاتنا محدودين ومقيدين فقط بالقانون الأخلاقي. فالحرية هي التجرد من كل الضوابط و المعايير و المقاييس، و الخضوع لشيء واحد فقط ألا و هو الأخلاق. فأنا لن أكون حرا إذا قيدت بالقانون الوضعي.  و لن أكون حرا كذلك إذا تخليت عن كل القوانين مهما كانت جملة و تفصيلا. فإذا لم يوجد القيد، فبم ستقاس الحرية المزعومة؟ و القيد الأكثر عدلا و موضوعية هو القيد الذي هو موجود بين كل الناس ألا وهو الأخلاق. هي القيد المينيمالستي الأكثر مينيمالستية و القيد الأنجع و الأكثر عدلا إذ يتقاسمه الناس بدون تمييز. و الأخلاق هي التي تميزنا عن الحيوان. ووجود الأخلاق ليس مرتبطا بالإله الذي نؤمن به و لا بالسعي للخلود. بل أن الإيمان بإله و السعي للخلود قد يكونان تفسيرا سطحيا للسؤال الذي قد تطرحه بعض الأذهان: لماذا نتصرف بأخلاقية؟
فالإيمان بالإله و الخلود ليسا الشرط لوجود الأخلاق و لا حتى لإعمالها، بل يمكن اعتبارهما فقط عنصرا مدعما للأخلاق. و هذا ما يفسر الحكاية التالية.
و أنا في المترو وإذا بمتسول أعمى يسأل الراكبين المعونة بمناسبة ليلة الجمعة. و عندما واصل المسير اعترضه كهل يحمل قوارير خمر فارغة يستعد للذهاب للحانة لملئها. فأعطى الكهل مالا للمتسول و قال له، أعطيك رغم أني ذاهب لأسكر. و عليه فإن ما دفع الكهل لإعطاء الصدقة قد يكون سببه الظاهر هو إيمانه بالله، لكن المتأكد أن السبب الحقيقي هي أخلاق ذلك الكهل التي بقيت فيه رغم عصيانه للدين الذي ينتمي إليه.
و لكن ما هي الأخلاق؟ هي مجموعة من القواعد التي من المفترض أن تحكم تصرفاتنا. و هي تشتمل عبارة الرحمة و عبارة العطف و عبارة الحب و عبارة الإيمان بالإله و عبارة الإيمان بالخلود. فالأخلاق هي العبارة الأشمل. و رغم اختلاف الأديان و الانتماءات الإيديولوجية والاجتماعية فإنّ الأخلاق بين الناس هي واحدة. فلا وجود لأخلاق إسلامية و أخلاق مسيحية و أخلاق يهودية و أخلاق علمانية و أخلاق بوذية. كما لا وجود لأخلاق عربية و لا لأخلاق أوروبية و لا لأخلاق آسيوية. و لا وجود لأخلاق رفيعة و أخلاق دنيئة. فالأخلاق واحدة لا تتعدد. وهي الشيء الوحيد الذي بحق يجمع بين كل إنسان.
فلو انعدمت فكرة الحرية و التوق إلى الحرية الإنسانية، فماذا يحل بالأخلاق لو كان لها أن توجد لوهلة في غياب فكرة الحرية؟
لو انعدمت فكرة الحرية، لما كان للإنسان حاجة للأخلاق. إذ بدون حرية يتحوّل الإنسان من فاعل إلى مفعول به، إلى أداة بين يدي الشيء الذي أفقده فكرة الحرية. فلا تحتاج الأدوات إلى أخلاق. بل هي تنفذ بدون أن تتقيد إلا بأوامر سيدها.

فلو كانت فكرة الحرية غائبة
لكانت فكرة الأخلاق غائبة.
فالإنسان بالفعل تواق للحرية،
و بالتبعية للأخلاق تواق
فلو أعطيت العبد أخلاق لانعتق ،
و لدين الحرية اعتنق
و لو أسندت للنسر أخلاق،
لاختار في السماء غير طريق

Please follow and like us:

اترك رد